Jump to content

generic dapoxetine priligy
levonorgestrel and ethinyl estradiol
buy antibiotics online

chantix buy online

الإعتراف الأخير


  • Please log in to reply
7 replies to this topic

#1 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:40 PM

الإعتراف الأخير...
قصة البرنامج النووي العراقي
يرويها المسؤولان عن انشائه وتطويره

نشرت "الحياة" سبعة حلقات من كتاب جديد للمسؤولين الأبرزين في البرنامج النووي العراقي في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين، وكتاب "الاعتراف الأخير" الذي كتبه جعفر ضياء جعفر و نعمان النعيمي سيصدر قريباً عن "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت في اواخر الشهر الجاري





http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...5aec/story.html      (part 1)
http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...d1f3/story.html      (part 2)
http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...7021/story.html     (part 3)
http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...31ea/story.html     (part 4)
http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...5414/story.html    (part 5)
http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...ca1c/story.html    (part 6)
http://www.daralhayat.com/special/05-2005/...457c/story.html    (part 7)


الإعتراف الأخير...
قصة البرنامج النووي العراقي
يرويها المسؤولان عن انشائه وتطويره

نشرت "الحياة" سبعة حلقات من كتاب جديد للمسؤولين الأبرزين في البرنامج النووي العراقي في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين، وكتاب "الاعتراف الأخير" الذي كتبه جعفر ضياء جعفر و نعمان النعيمي سيصدر قريباً عن "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت في اواخر الشهر الجاري.


#2 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:43 PM

هكذا بنينا «مفاعل تموز-1» وهكذا دمره الاسرائيليون واغتالوا علماءنا في أوروبا
( 1 من  7)   الحياة    2005/05/9

رأينا أن من واجبنا تسجيل الحقيقة كما نعرفها ولا سيما في مجال التسلح النووي فقد كنا على مدى تسعة أعوام نطوي الليل بالنهار مع مجموعة طيبة من العلماء والمهندسين والفنيين العراقيين نسعى لإنجاح برنامج نووي عراقي بجهد وطني خالص ثم قضينا أربعة عشر عاماً أخرى نتصارع مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (وهي واجهة من تنظيمات الأمم المتحدة أوكل إليها أن تكون شرطي مراقبة للبرامج النووية التي تضطلع بها الدول التي وقَعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لتتحقق من عدم سعي تلك الدول لامتلاك السلاح النووي ولكي يبقى هذا السلاح حكراً على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن) ولقد سعينا جاهدين لإثبات عدم امتلاك العراق لسلاح نووي قبل عام 1991 ولنوضِّح للوكالة الدولية حقيقة البرنامج النووي العراقي السابق ونؤكد بالأدلة الدامغة عدم إعادة النشاط لهذا البرنامج مطلقاً بعد عام 1998 ولكن الوكالة أبت أن تتقبل الحقيقة إرضاءً لضغوط الجبروت الأميركي وعلى رغم توصلها للحقيقة إلاّ أنها لم تعلن ذلك صراحة لمجلس الأمن الدولي الذي استمر في عناده وعدم رفعه للحصار الجائر الذي ضربه على الشعب العراقي إثر غزو صدام للكويت إذ كان مجلس الأمن قد وضع في أعقاب حرب 1991 شروطاً قاسيةً لرفع الحصار ضمن قراره المرقم 687 (لسنة 1991) ومنها ضرورة اقتناع المجلس بأن العراق قد نزع أسلحة الدمار الشامل وتخلى عن جميع برامجه في ذلك المجال... واشترط أن تتولى الوكالة الدولية للطاقة الذرية واللجنة الخاصة (الأونسكوم) التي شكلها المجلس بموجب هذا القرار الإعلان صراحةً عن إغلاق ملفات أسلحة الدمار الشامل العراقية... وبذلك وضع المجلس مصير الشعب العراقي كله بيد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ويد الرئيس التنفيذي للأونسكوم.


عشنا والمعنيون ببرامج أسلحة الدمار الشامل السابقة مرارة علاقتنا مع الوكالة الدولية والأونسكوم إذ كانت هذه العلاقة غير متكافئة، فالمفتشون الدوليون كانوا يتمتعون بالإسناد التام من مجلس الأمن في حين وقع المعنيون في الجانب العراقي بين مطرقة المفتشين وعنجهيتهم وأساليبهم الاستخباراتية والسادية وبين سندان قسوة النظام العراقي الذي لم يكن ليغفر أية زلة مهما صغرت من أيّ مواطن من أبناء العراق المنكوبين.

أما نحن والحقيقة فقد بلغنا قمة عطائنا في فترة الثمانينات إبان عملنا ضمن البرنامج النووي وعشنا مرارة فترة التسعينات حيث شهدنا تدمير ما بنته سواعدنا وعقولنا من صرح علمي جبار، لكننا كنا قبل ذلك قد شاركنا مع غيرنا في بناء منظمة الطاقة الذرية العراقية منذ التحاقنا بها في أواسط ستينات القرن العشرين.

نعمان: بدايتي مع العلوم النووية
شاركت في الفترة من شباط (فبراير) إلى آذار (مارس) من عام 1958 بدورة تدريبية في الجوانب النظرية والتطبيقية للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في معهد تدريب العلميين من العراق وإيران وتركيا وباكستان (وهي الدول الأعضاء في حلف بغداد) وهو معهد أنشأته في بغداد مؤسسة هارول لأبحاث الطاقة الذرية البريطانية (هدية من الحكومة البريطانية باعتبارها عضواً في حلف بغداد) يديره منتسبون من المؤسسة البريطانية ذاتها، وتولى ترشيحي لهذه الدورة التدريبية البروفسور وولي رئيس قسم الفيزياء في كلية العلوم في جامعة بغداد آنذاك، إذ كنت قد عُيِّنتُ فيها مدرساً معيداً بعد عودتي من انكلترا صيف عام 1957 وحصولي على شهادة البكالوريوس بدرجة شرف في الكيمياء من جامعة ريدنك. وكان البروفسور وولي يسعى من وراء اشتراكي في هذه الدورة أن أعمل لاحقاً ضمن مشروع يخطط لتنفيذه مستقبلاً في العراق لتعيين أعمار اللقى الأثرية (بطريقة قياس نظير الكاربون 14) في هذه المنطقة من العالم والتي تمتلك امتداداً عظيماً لستة آلاف سنة ويزيد. وكان يُخطَّط للمشروع أن يعمل بالتعاون مع المتحف البريطاني العريق في لندن. وجاءت هذه الدورة لتعرفني بالعلوم النووية التطبيقية فربطتها بما كنت قد درسته من هذه العلوم نظرياً في مرحلة البكالوريوس فأحببت هذه العلوم وقررت إكمال دراستي في هذه المجالات فالتحقت بجامعة أوكسفورد في انكلترا في تـــشرين الأول (اكتوبر) من عام 1960 وحصلت على شهادة الدكتوراه في آذار (مارس) من عام 1964 بعد بحث دام ثلاث سنوات ضمن حقل استخدام النظائر المشعة في دراسات الكيمياء اللاعضوية وتحديداً في موضوع ظاهرة التعاظم في الاستخلاص السائلي للنظائر، وعدت بعدها إلى العراق فعملتُ مدرساً في كلية علوم الموصل التي كانت ملحقة آنذاك بجامعة بغداد.

جعفر: أريد أن أصنع قنبلة ذرية
في عام 1956 افتتح الملك فيصل الثاني معهد تدريب حلف بغداد على الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية بحضور رئيس مؤسسة هارول لأبحاث الطاقة الذرية البريطانية، العالم الفيزيائي جون دوغلاس كوكروفت الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1951.

وفي مساء يوم افتتاح المعهد المذكور، أقام والدي (الدكتور ضياء جعفر - وزير الإعمار العراقي آنذاك) دعوة عشاء في دارنا على شرف العالم البريطاني وكان عمري في وقتها ثلاث عشرة سنة. وبعد أن سلمتُ على المدعوين قدمني والدي إلى الضيف العالم البريطاني فسألني مداعباً:

- ماذا تريد أن تفعل عندما تكبر يا جعفر؟
فأجبته ببراءة الصبيان بما يناسب اختصاصه:
- أريد أن أصنع قنبلة ذرية.

كان جواباً عفوياً من صبي لم يعلم من الذرة غير ما سمعه عن اختصاص الضيف السائل وكون خبر القنبلة الذرية في ذلك الوقت قد شغل الأسماع. سكت العالم البريطاني برهةً لهذا الجواب وقطب حاجبيه ناظراً إليّ باستغراب فلم يجد تعليقاً مناسباً على ما قلته فتشاغل بالتعرف على المدعوين من الضيوف.

في عام 1956 أرسلني والدي لإكمال دراستي الثانوية في بريطانيا ثم انتقلت إلى جامعة برمنغهام لدراسة الفيزياء وأكملتها في عام 1962 بدرجة شرف ثم واصلت دراستي في الجامعة نفسها في موضوع الفيزياء النووية وحصلت على شهادة الدكتوراه عام 1965 وعُينت بعدها زميلاً باحثاً في الجامعة وأجريت بحوثي في فيزياء الطاقة العالية وموضوع الدقائق الأساسية للمادة باستخدام المعجل في برمنغهام وكذلك في مختبرات رذرفورد قرب أوكسفورد ثم عدت إلى بغداد في أواخر عام 1966.

حُسن اللقاء.. وكلمات تعريفية لا بد منها
تكونت بين المؤلفَين زمالة علمية وصداقة حميمة على رغم كونهما متباينين في مستوى ثراء عائلتيهما، فوالد جعفر كان وزيراً في وزارات عدة للفترة  1947-1958، وهو أول مهندس عراقي يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية حيث كان قد أتم دراسته الأولية والعليا في جامعة برمنغهام البريطانية وحصل على الدكتوراه من الجامعة ذاتها عام 1936، أما نعمان فيتحدر من أسرة ذات تاريخ ديني، وكان لجده تكية دينية وهو سيد حسيني من آل النعيم المعروفين بنسبهم وشعائرهم الدينية.

جعفر: والحكاية مستمرة...
نعود إلى بداية عقد السبعينات لنلقي نظرة على وضع العراق السياسي والاقتصادي بهدف التعرف على أثر ذلك على برامج لجنة الطاقة الذرية المستقبلية.

يمتلك العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم وكان نفطه ينتج وتسوقه شركة نفط العراق IPC التي تمتلكها بحصص متساوية كل من حكومات الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وهولندا فضلاً عن حصة 5 في المئة تمتلكها مؤسسة كولبنكيان. وكانت هذه الشركة تسوق نفط العراق المنتج من حقول الشمال بما في ذلك حقل كركوك، وقد ساءت العلاقة بين حكومة العراق وإدارة الشركة بعد ثورة 14 تموز 1958 فأوقفت الشركة جميع نشاطات الاستكشاف عن حقول جديدة التي تفضي إلى زيادة الإنتاج وتسويق كميات إضافية من النفط وهو ما كانت تطمح إليه حكومة العراق بغية زيادة إيراداتها إذ كانت أحوج ما تكون إليها لتنمية البلاد. وفي ضوء تلكؤ الشركة في الاستجابة لمطالب العراق أصدرت الحكومة في عام 1960 القانون رقم 80 الذي لم يبق لشركة نفط العراق سوى 0.5 في المئة من مساحة الامتياز في أرض العراق، مما يعني منحها حق العمل في الحقول التي كانت منتجة للنفط آنذاك فقط، ومنحت شركة النفط الوطنية امتياز استغلال جميع ما تبقى من الأراضي العراقية ولم يرق ذلك لشركة نفط العراق فزادت من عدم تعاونها مع حكومات العراق المتعاقبة. ولحين حزيران من عام 1972 حين أعلنت حكومة البعث تأميم حصص شركة نفط العراق على أمل ازدياد عائدات العراق من 50 في المئة إلى 100 في المئة من صافي أرباح التسويق. فدخلت الحكومة في أول مجابهة لها مع كارتل شركات النفط العالمية وتوقف تصدير النفط العراقي مما أدى إلى انخفاض الإيرادات من العملة الصعبة فعاش أهل العراق أزمة اقتصادية خانقة طالت جميع شرائح المجتمع بما في ذلك الجامعات ومراكز البحث العلمي ولجنة الطاقة الذرية. وفي آذار من عام 1973 أُعلن نجاح التأميم وعاود العراق تصدير نفطه ثم بدأ الاقتصاد بالتحسن والانتعاش التدريجي.. وفي أعقاب حرب تحرير سيناء في خريف عام 1973 واستخدام سلاح النفط في الصراع العربي - الصهيوني ارتفعت أسعار النفط عالمياً وازدادت عائدات العراق زيادة كبيرة شأنها في ذلك شأن الدول الأخرى المصدرة للنفط.

ومن المفيد هنا قبل المضي قدماً بالحديث عن انعكاسات السياسة الداخلية على برامج الطاقة الذرية أن ننظر إلى السياسة الجغرافية في المنطقة آنذاك، إذ كان شاه إيران يتمتع بدعم غير محدود من الغرب وكان يتصرف بمثابة شرطي منطقة الخليج فأراد أن يجعل من إيران قوة إقليمية يحسب لها الحساب وتبنى مشاريع طموحة من بينها التخطيط لإنشاء محطات لتوليد الطاقة الكهربائية باستخدام المفاعلات النووية وتقضي الخطة أن تصل قدرة الكهرباء المنتجة من المحطات النووية إلى 20 ألف ميغاواط سنوياً بحلول عام 2000. ولترجمة أهمية هذه الخطة أصدر الأوامر بأن يكون رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بمستوى نائب رئيس وزراء. فتعاقدت إيران مع شركة KWU الألمانية لبناء محطتين نوويتين لتوليد الطاقة قدرة كل منها 1200 ميغاواط وهي (بوشهر1 وبوشهر2 ( وتعاقدت مع شركة Framatome الفرنسية لإنشاء محطتين نوويتين أخريين بقدرة 900 ميغاواط لكل منهما.

وفي الجانب الغربي من العراق كانت إسرائيل تتصرف كقوة إقليمية تتفوق في قدراتها العسكرية على جميع الدول العربية، فلقد أنشأت إسرائيل بمعونة فرنسية في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي مفاعلاً نووياً يستخدم اليورانيوم الطبيعي في منطقة ديمونا. إذ تم تزويد إسرائيل أيضاً بمنظومة معالجة الوقود المستنفد لاستخلاص البلوتونيوم منه بهدف استخدامه لتصنيع سلاح نووي. ولم يعد سراً امتلاك اسرائيل كميات من البلوتونيوم تكفي لصنع مئات من القنابل النووية التي تعتمد البلوتونيوم مادة انشطارية.

في ظل هذه الأجواء الإقليمية وفي وقت توافرت فيه للحكومة العراقية مبالغ طائلة من العملة الصعبة من إيرادات النفط فضلاً عن تصاعد نجم صدام حسين عربياً ودولياً، بدأ رجل حزب البعث العراقي القوي في محاولة جعل العراق قوة إقليمية تقف نداً لند مع قوتي إيران وإسرائيل وقادرة على تصدير فكر البعث إلى الدول العربية، فاتجهت طموحات القوة لديه إلى الطاقة الذرية فأعاد تشكيل لجنة الطاقة الذرية في عام 1974 ليكون رئيسها نائب رئيس مجلس قيادة الثورة (وهو منصب صدام ذاته) لكي تضم أعضاء متفرغين لا يشترط أن يمثلوا وزارات محددة. وكلف ثلاثة من أعضاء اللجنة وهم د.خالد ابراهيم سعيد ود.همام عبدالخالق ود.ميسر الملاح بإعداد استراتيجية جديدة لعمل اللجنة فتقدموا ببرنامج يستند إلى علوم وتكنولوجيا دورة الوقود النووي من خلال تأسيس مشاريع بأسلوب "المفتاح الجاهز" ويسبق ذلك إنشاء منظومات بحثية متطورة مستوردة للنهوض بمستوى الكادر الوطني في هذه المجالات. وتبنى البرنامج رئيسُ اللجنة وهو صدام حسين ذاته وصدرت الأوامر إلى أعضاء اللجنة للمحافظة على سرية المعلومات التي بحوزتهم وسرية مشاريع اللجنة. وبهذا التنظيم الجديد دَخَلتْ الطاقة الذرية العراقية مرحلة جديدة إذ انتقلت من البحث العلمي في العلوم الأساسية إلى تنفيذ مشاريع كبيرة ذات أهداف استراتيجية.

وكنتُ في هذه الفترة أقضي أياماً هادئة في جنيف أجري بحوثاً علمية ضمن الحافات المتقدمة في علم الفيزياء النووية وبدأت تصلني مكالمات هاتفية من زملائي القدامى في مركز البحوث النووية تحثني على العودة لرفد مسيرة الطاقة الذرية في العراق غير أنني لم أكترث كثيراً بها، ولكن في يوم ما طلب قنصل العراق العام في جنيف نبيل نجم التكريتي لقاءً وأبلغني تحية صدام حسين ورغبته في عودتي إلى العراق فجاءت هذه الدعوة من جهة عليا في وقت كانت تراودني فكرة العودة لتمكن ولدينا صادق (وعمره 9 سنوات) وأمين (وعمره 8 سنوات) من دراسة اللغة العربية والتشرب بتراث أمة آبائهم وأجدادهم.

انتهزت لجنة الطاقة الذرية العراقية فرصة تنظيمها للمؤتمر الدولي الأول للجنة في بغداد في نيسان (ابريل) 1975 ودَعتني لإلقاء إحدى محاضرتَي افتتاح المؤتمر في موضوع التطورات الحديثة في فيزياء دقائق المادة الأساسية، ويلقي محاضرة الافتتاح الأخرى العالم الفيزيائي الشهير عبدالسلام (الباكستاني المولد والبريطاني الجنسية) تتناول محاولات إيجاد نظرية توحد بين مفاهيم القوى الأساسية الأربع في الكون وهي قوة الجاذبية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية والقوة الكهرومغناطيسية علماً أن هذا العالم الجليل حاز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979 تقديراً لجهوده في توحيد القوة النووية الضعيفة والكهرومغناطيسية.

عدت إلى بغداد مع أفراد عائلتي فاشتركت في المؤتمر وبعد ذلك أعيد تعييني رئيساً للباحثين العلميين في لجنة الطاقة الذرية. وعلى رغم هذا التغيير الكبير في حياتي حيث انتقلتُ من الأجواء العلمية المتطورة في جنيف ومن متعة الحياة الهادئة إلى عمل شاق تعتريه عقبات كثيرة وإلى حياة بغداد الحبيبة والمليئة بالمطبات ولكن...

بلادي وإن جارت علي عزيزةٌ       وقومي وإن ضنوا عليّ كرامُ

لم تكن لطموحات صدام حدود ففي كانون الأول (ديسمبر) من عام 1974 رأس وفداً حكومياً كبيراً إلى باريس بدعوة من رئيس وزراء فرنسا آنذاك جاك شيراك فتمثلت لجنة الطاقة الذرية ضمن هذا الوفد بثلاثة أشخاص هم الدكتور همام عبدالخالق والدكتور خالد ابراهيم سعيد والمهندس أحمد بشير النائب (رئيس المؤسسة العامة للكهرباء) وطلبت هذه المجموعة من لجنة الطاقة الذرية الفرنسية CEA  تزويد العراق بمفاعل نووي للقدرة الكهربائية من النوع المبرّد بالغاز والمهدأ بالغرافيت، غير أن الجانب الفرنسي اعتذر عن ذلك بحجة أن فرنسا قد تخلت عن إنتاج هذا الصنف من المفاعلات واستعاضت عنه بمفاعلات من صنف مفاعل مبرد بالماء الخفيف المضغوط PWR. واتفق الجانبان على قيام فرنسا بتزويد العراق بمفاعلات نووية للأبحاث وأخرى لإنتاج القدرة الكهربائية.

تمخضت زيارة صدام إلى فرنسا عن توقيع عقد شراكة تجارية دامت حتى عام 1990 فتولت فرنسا تصدير طائرات ميراج المقاتلة لتعزيز إمكانات القوة الجوية العراقية كما أنشأت مؤسسة لإنتاج العدد الإلكترونية ومكونات الرادار التي تم بناؤها في منطقة الدور قرب تكريت وكذلك أنشأت مجمع الحديد والصلب في منطقة خور الزبير قرب البصرة وغير ذلك من المشاريع الكبيرة.

وتم في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1976 توقيع العراق عقداً بمبلغ 450 مليون دولار مع تجمع من الشركات الفرنسية وبموافقة لجنة الطاقة الذرية الفرنسية CEA لبناء مشروع 17 تموز المتكون من مفاعل تموز-1 وهو من نوع حوض سباحة مخصص لفحص المواد MTR بقدرة 40 ميغاواط حراري ومولد فيضاً من النيوترونات الحرارية (...) وهو مفاعل يستخدم لبحوث الفيزياء النووية وفيزياء الحالة الصلبة ولفحص المواد (بما في ذلك الوقود النووي) المستخدمة في تصنيع أجزاء محطات الطاقة النووية. ويمكن استخدام هذا المفاعل لإنتاج النظائر المشعة علماً أن الوقود المستخدم لتشغيل هذا المفاعل هو من نوع سبيكة اليورانيوم والألومنيوم ويحتوي على يورانيوم بتخصيب 93 في المئة.

ويتضمن مشروع 17 تموز أيضاً بناء مفاعل تموز-2 وهو مفاعل ذو قدرة 500 كيلو واط حراري فقط وينتج فيضاً نيوترونياً حرارياً (...) ويستخدم كنموذج نيوتروني لمفاعل تموز-1 ولتعيير قضبان السيطرة وتوزع الفيض النيوتروني ويستخدم أيضاً لدراسة تأثير التجارب في المفاعل على فاعليته.

ثمة شبه كبير بين مفاعلي تموز-1 وتموز-2 من جهة، وبين مفاعلي أوزيريس وآيزيز الفرنسيين والمستخدمين في ساكلي قرب باريس منذ عام 1966. وقد يفسر هذا التشابه سبب تسمية مفاعل تموز-1 في وسائل الإعلام الدولية باسم مفاعل أوزيراك (وهي كلمة منحوته من كلمتين OSIRIS و RAK) والفوارق بين مفاعل أوزيريس وتموز-1 هو أن قدرة الأول 70 ميغاواط حراري بينما قدرة الثاني 40 ميغاواط حراري وأن مفاعل تموز-1 يحتوي على قنوات أفقية لاستخراج النيوترونات، ويتضمن خزاناً للماء الثقيل بسعة 700 ليتر ذا مصدر نيوتروني ساخن وآخر بارداً يستخدم للتجارب الفيزيائية. كما يحتوي المــفاعل على أنابيب نقل مسارات النيوترونات الباردة إلى منطقة تحت الأرض لإجراء تجارب فيزيائية متخصصة.

وتضمن مشروع 17 تموز مختبراً لفحص المواد سمّي (لاما) وقد خُصِّصَ لإجراء فحوصات إتلافية ولا إتلافية على المواد قبل وبعد تشعيعها في مفاعل تموز-1، وتضمن المشروع ورشة اختصاص لتجميع وفحص التجارب التي ستجرى في قلب المفاعل كما احتوى على محطة سميت RWTS  مخصصة لمعالجة النفايات السائلة ذات النشاط الإشعاعي الواطئ والمتوسط والناتجة ضمن حلقة تبريد المفاعل وكذلك لمعالجة نفايات أخرى تنتج عن تشغيل وإجراء التجارب في مجمع 17 تموز.

وقمنا مع زملائنا بدور كبير في المناقشات الفنية مع الجانب الفرنسي لتحديد المواصفات الفنية التفصيلية للعقد وتولى حميد يونس (المدير العام للدائرة القانونية بوزارة التخطيط) إجراء المفاوضات ذات الجوانب القانونية التجارية مع الجانب الفرنسي، وهو خبير في قوانين العقود ويتمتع بذكاء حاد وخبرة واسعة من خلال المفاوضات التجارية لمعظم العقود التي وقعها العراق مع شركات عالمية لمشاريع متعددة. وتوطدت الصداقة والاحترام المتبادل بيننا أثناء مشاركتنا في التفاوض مع الجانب الفرنسي.

وثمة اتفاقية أخرى تم توقيعها في 13 كانون الثاني من عام 1976 بين لجنتَي الطاقة الذرية العراقية والإيطالية CNEN للتعاون المشترك في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وكنتيجة لهذه الاتفاقية تم توقيع عقد مع شركة سنيا تكنت الإيطالية وبموافقة CNEN لبناء مختبر صغير لأبحاث الراديوكيمياء يستخدم لاستنباط مخطط سير العمليات لاستخلاص مقادير بمستوى الغرامات من عنصر البلوتونيوم من أعمدة وقود تشعع لهذا الغرض وثمة عقد آخر تم توقيعه مع الشركة ذاتها بكلفة 250 مليون دولار أميركي لبناء مشروع سمي مشروع 30 تموز يتكون من مختبر لتصنيع وقود لمفاعلات إنتاج الطاقة من نوع PWR ويتضمن قاعة تكنولوجية لبحوث الهندسة الكيماوية ومختبر فحص المواد وورشة ميكانيكية صغيرة وأخرى كهربائية ومختبراً لإنتاج النظائر المشعة وعُدد التشخيص الطبية.

وبالتوافق مع هذه المشاريع كانت وزارة الصناعة والمعادن قد وقعت عقداً خلال 1975- 1976 مع شركة سيبترا البلجيكية Sebetra لاستغلال الفوسفات من منجم عكاشات لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية وأن العمليات تسير عبر إنتاج حامض الفوسفوريك فطلبت لجنة الطاقة الذرية من وزارة الصناعة التعاقد لإنشاء وحدة معالجة حامض الفوسفوريك لاستخلاص اليورانيوم منه قبل استغلال الحامض لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية محققة بذلك توصية نعمان في عام 1972، والمذكورة آنفاً بذات الموضوع. وتم فعلاً إنشاء هذه الوحدة ضمن مجمع القائم من شركة مبشم البلجيكية Mebshem وهي وحدة مصممة لإنتاج 103 اطنان من اليورانيوم سنوياً أي 146 طناً من مادة ثنائي يورانات الأمونيوم ADU المعروفة باسم (الكعكة الصفراء) واكتملت الوحدة عام 1984 وتم تشغيلها لغاية حرب 1991 عندما دمرتها قنابل الجيوش المتحالفة ضد العراق وأنتجت طيلة تلك الفترة ما مجموعه 109 اطنان يورانيوم (أي 169 طن من الكعكة الصفراء) وسبب نقصان الإنتاج هو تشغيل الوحدة بما معدله 214 يوماً في السنة بدلاً من 317 يوماً وبسبب كون النسبة الواقعية لليورانيوم في حامض الفوسفوريك كانت ثلثي النسبة المحسوبة في التصميم وبسبب معالجة 50 في المئة من إجمالي حامض الفوسفوريك لهذا الغرض إضافة إلى أن كفاءة استخلاص اليورانيوم كانت 93 في المئة من الكفاءة المحسوبة في التصميم.

كان مشروع 17 تموز يسير سيراً حثيثاً حتى تبنت اسرائيل عمليات لتخريب المشروع. ففي 7 نيسان (ابريل) 1979 كان قلب المفاعل جاهزاً للشحن إلى بغداد من ميناء سين سورمير (الفرنسي) قرب مدينة تولون (على البحر المتوسط) حين اخترق سبعة عملاء لمخابرات اسرائيل باب المخزن العائد لشركة CNIM (إحدى الشركات المتقاولة لتنفيذ المشروع) وفتشوا عن هدفهم ثم وضعوا فيه المتفجرات بهدف تحطيمه لغرض القضاء على المشروع غير أن تقويم الأضرار أثبت أنها لم تكن كبيرة فأُصلحت ولم تؤثر الحادثة سوى في تأخير اكتمال المشروع لأسبوع واحد فقط.

أخذت الأحداث السياسية تتسارع وتتغير في العراق حيث قرر الرئيس العراقي أحمد حسن البكر التنحي عن سلطاته الحزبية والرسمية وأعلن ذلك في احتفالات 17 تموز من عام 1979 بحجة مرضه وكبر سنه فقفز صدام حسين إلى كرسي الحكم وتولى منصب رئيس مجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ومنصب الأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث إضافة إلى منصب رئيس الجمهورية. ولم تمضِ على تسلمه مقاليد السلطة سوى أيام قلائل حتى اعتقل أكثر من عشرين رجلاً من كبار قياديي الحزب والدولة بتهمة مؤامرة الإطاحة به. وبعد محاكمة صورية سريعة تم إعدام 19 منهم رمياً بالرصاص وتولى أعضاء في الحزب تنفيذ الحكم لتتوزع مسؤولية إعدامهم على أكبر مجموعة من الحزبيين وكان من بين المعتقلين السيد حميد يونس المشاور القانوني الذي سبق أن أسهم في التفاوض على عدد كبير من عقود المشاريع المهمة مع الشركات الأجنبية. صعَّدت إسرائيل، بإسناد الإعلام العالمي المسيّر من المؤسسات الصهيونية، من حملة افتراءاتها وهجومها على مشروع 17 تموز وعلى مفاعل تموز-1 قيد الإنشاء مدّعيةً أن المفاعل سيستغل لإنتاج البلوتونيوم لأغراض التسلح النووي، وهي ذات الصفة التي تنطبق على مفاعل ديمونا، وحيث أن إسرائيل تتبنى شعار "حلال عليها... حرام على غيرها" استمرت في غيّها وارتكب عملاء الموساد أولى جرائمهم البشعة بحق العاملين بالبرنامج النووي العراقي حين اقتحموا غرفة المهندس النووي المصري الدكتور يحيى المشد في فندق ميريديان بباريس حيث كان في فرنـسا لتفحص بعض التفاصيل الفنية لمشروع مفاعل تموز-1 وساعدتهم في غدرهم مومس فرنسية تعمل لحسابهم فاغتالوا المرحوم المشد في غرفته مساء يوم 13 حزيران (يونيو) من عام  1980.

وكي لا يتركوا أثراً لجريمتهم قتلوا المومس الفرنسية بعد يومين بدهسها بسيارة مسرعة عندما كانت تتسكع في أحد شوارع باريس. وعندما لم تجد إسرائيل من يقول لها افاً زادت من غيِّها ففجرت في 7 آب (أغسطس) 1980 أربع قنابل: اثنتان منها في مقر شركة سنياتكنت الإيطالية في روما وثالثة في دار مدير فرع الشركة في ميلانو بإيطاليا والرابعة في بيت خبير فرنسي متخصص بالمفاعلات النووية في باريس فأصابته وزوجته بجروح بليغة. وفي 13 كانون الأول من عام 1980 اغتالت في باريس المهندس المدني الاستشاري العراقي الأستاذ عبدالرحمن رسول. وفي 9 حزيران من عام 1981 توفي الفيزيائي العراقي الدكتور سلمان رشيد سلمان اللامي في جنيف في ظروف غامضة.

=====


#3 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:45 PM

إعتقال جعفر والشهرستاني .... وبرزان طلب تصنيع سلاح نووي قبل قصف الاسرائيليين المفاعل
(2 من  7)   الحياة    2005/05/10

نعمان: والحكاية مستمرة...
كنتُ في تلك الأيام السوداء في الجزائر العاصمة أنعم بهدوئها وجوها العذب وطيبة أهلها فلم أتمالك نفسي من شدة الغضب مع أنني لم أكن على بيِّنة من حقيقة البرنامج النووي العراقي المدمَّر، فكل ما سبق أن قرأته عنه في وسائل الإعلام المضلِّلة يروي تهويلات الآلة الحربية الإسرائيلية، لكن عملي السابق في معهد البحوث النووية كان دليل حب لتلك المؤسسة العلمية الرائدة. وأقسمتُ على نفسي أن أعود إلى الوطن وأضع إمكاناتي وحياتي رهناً لخدمة أي برنامج جديد تتبناه لجنة الطاقة الذرية العراقية، ليس حباً ورغبة في وضع مزيد من القوة بأيدي أركان النظام الحاكم، ولكن لقناعتي بأن السبيل الوحيد للتطور العلمي والتكنولوجي للعراق ولأي بلد من بلدان العالم الثالث هو أن يعمل ضمن برنامج طموح ومتطور كالبرامج النووية.

جلستُ في أحد مقاهي شارع العربي بن مهيدي في قلب مدينة الجزائر سارحاً في تأملاتي وأنا أرتشف الشاي الأخضر وأتذكر ما كنت قد قرأته عام 1980 في المجلة العلمية البريطانية ذات الطابع العلمي والإعلامي من نداءات العلماء في بريطانيا لإنقاذ كل من الدكتور جعفر ضياء جعفر والدكتور حسين الشهرستاني من إرهاب نظام صدام وهما معتقلان في أحد سجونه، وتذكرت زمالتي الحميمة لهما، لا سيما جعفر فهو من خيرة علماء العراق لما يمتاز به من حب للبحث العلمي وعلم غزير وحصافة في التفكير.

وأخذتُ أحدثُ نفسي:

- هل يمكن أن أعاود العمل في معهد نووي في بغداد؟!
- وهل أستطيع العمل وزميلي جعفر قابع في سجن صدام؟!

ولكن صدمة العدوان الإسرائيلي أجابتني بنعم وطردت من مخيلتي كل الهواجس، وقررت العودة الى الوطن فلا شك أنه بحاجة الى خدمتي ويدعوني.

وأتوقف الآن عن الكلام فلا بد من الإصغاء إلى محدِّثُكم جعفر فهو أولى مني بوصف معاناته وحكاية اعتقاله في الفصل التالي من هذا الكتاب.

جعفر: هكذا أُعتُقِل وهكذا أُعتُقِلت
لقد قرأت الكثير من الروايات في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة عن قصة اعتقالي للفترة من 17 كانون الثاني (يناير) 1980 وإلى 31 آب (غسطس) 1981 وكثير مما كُتِب لا يمت للحقيقة بصلة. سأنتهز فرصة هذا الكتاب لأروي وقائع تلك الحقبة المظلمة من حياتي أنشرها للمرة الأولى. لقد أثرت تلك الحادثة كثيراً في حياتي الخاصة وحياة عائلتي وعلى توجهاتي العلمية، وأجد لزاماً عليّ أن أذكر الحقيقة كلها من دون رتوش ولا تعليق تاركاً للقارئ الكريم أن يستقرئ منها ما يشاء.

تولى همام عبدالخالق إدارة مركز البحوث النووية في عام 1978، فهو عسكري برتبة رائد في الصنف الكيميائي حاصل على شهادة الماجستير في فيزياء المفاعلات من كلية وست فيلد في جامعة لندن. وحيث أنه كان منتمياً لحزب البعث منذ صباه أصبح ضابط الارتباط بين مكتب صدام حسين، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة وبين سكرتارية لجنة الطاقة الذرية.

خلال عام 1979 كان مقر همام في بناية صغيرة ضمن موقع التويثة وكنت أشاركه المبنى إضافةً إلى مكتبه ومكتب حسين الشهرستاني حيث كنتُ والشهرستاني بمرتبة مستشار بدرجة مدير عام. وكنت أتولى الشؤون الفنية لمشروع 17 تموز (يوليو) مع الجانب الفرنسي بينما كان الشهرستاني يتولى شؤون مشروع 30 تموز مع الجانب الإيطالي. وفي يوم 4 كانون الأول (ديسمبر) 1979 كنت جالساً في غرفة همام نناقش شؤون العمل كعادتنا كل يوم، ورن جرس الهاتف فردّ همام على المتكلم وفهمتُ من فحوى الحديث والوجوم الذي أصابه أن أمراً غير حميد ينتظرنا. وحال إغلاقه الهاتف طلب مني أن أذهب وأجلس في غرفة الشهرستاني وخرج مسرعاً ثم عاد بعد فترة قصيرة مصطحباً معه خالد ابراهيم سعيد وشاركانا الجلوس في الغرفة. وفجأة دخل إلينا النقيب جار الله حاجم وهو ضابط الأمن العام المقيم في التويثة ومسؤولٌ أمنيٌ عن شؤون الطاقة الذرية. وبعد أن أدى التحية العسكرية طلب متجهماً من حسين الشهرستاني أن يرافقه إلى خارج المبنى ما يعني أنه معتقل. كان وقع كلامه علينا كالصاعقة، ولكن بدا لي أن همام وخالد كانا على علم بالأمر فلم تكن مفاجأتهما بالحدث كمفاجأتي والشهرستاني. ونظرت من شباك الغرفة لأرى زميلي جالساً بين عنصري أمن في المقعد الخلفي من سيارة تحمل رقماً مدنياً انطلقت بهم مسرعة خارج موقع التويثة. وكانت تلك آخر مرة أرى فيها الشهرستاني ولغاية كتابة هذه السطور.

انزعجت كثيراً لاعتقال زميلي في العمل وأخذت أسرح بتفكيري بمصيره ومصير برنامجنا الذي كان أملنا وطموحنا كبيرين لإنجازه واستغلاله في البحث العلمي. ولا بد لي من إلقاء الضوء على ظروف العراق في تلك الفترة فلقد سبق في أوائل ذلك العام أن حدثت ثورة في إيران وأطيح بنظام الشاه وخلفه حكم رجال الدين بقيادة آية الله الخميني ولم يُخفوا منذ اليوم الأول لاستلامهم الحكم تطلعاتهم لتصدير الثورة الإسلامية الشيعية إلى العراق حيث يسكنه عدد كبير من المسلمين الشيعة. وطبيعي أن لا يروق للبعثيين ذلك بعد أن استولوا على حكم العراق قبل إحدى عشرة سنة وبعد أن وطدوا نظام حكمهم العلماني. ولم يكن لصدام حسين أي تحمل للمعارضة مهما قلّت قدرتها فاقتنع أن حزب الدعوة الشيعي يعمل في العراق بتنسيق مع نظام خميني وبناءً عليه قرر أن يقضي على تنظيمه ويجتثه من جذوره خوفاً من أن يثير ذلك الحزب حرباً أهلية أو يستولي على الحكم بانقلاب مماثل لما فعله عندما أسهم بانقلاب 1968 ضد حكم عبدالرحمن عارف.

كان حسين الشهرستاني متمسكاً بشعائر الطائفة الشيعية ومتديناً فلا بد أن يكون ذلك قد جعله تحت الشبهة في انتمائه لحزب الدعوة أو على أقل تقدير دعمه لذلك الحزب. مع أنني أستبعد ذلك تماماً ولم أسمع منه أبداً ما يثير الشك في ذلك. غير أنني لمست من همام أنه كان يساوره ظن بأن حسين الشهرستاني ينتمي إلى ذلك الحزب وقد يكون أحد أقطاب قيادته لما يتمتع به من إمكانات علمية ولما يحمله من شهادة عليا ولكونه متزوجاً من كنَدية مسلمة متزمتة. واعتقدت بأن اعتقال الشهرستاني لا بد من أن يكون قد حظي بموافقة صدام كون الأمن العام مرتبطاً بمكتبه مباشرة وكونه مسؤولاً عن برامج الطاقة الذرية ويعرف جميع قياديي الطاقة الذرية العراقية. كما اعتقدت أن الأمن العام لا يجرؤ على اعتقال مدير عام في لجنة الطاقة الذرية من دون الاستحصال على إذن من صدام حسين شخصياً. وبدأتُ أتحدث مع زملائي همام وخالد ورحيم وظافر عن هذا الحدث في الأيام التي أعقبت اعتقاله، لا سيما أثناء تناولنا وجبة الغداء سويةً. وكنت لا أخفي قلقي عليه واعتقادي بخطورة مثل هذا السلوك وأثره السلبي على المنتسبين وبالتالي على برامج لجنة الطاقة الذرية. غير أنني لم أجد منهم أي تعاطف مع آرائي وكانوا يقابلون حديثي بصمت.

رأيتُ أن من واجبي زيارة عائلته للاطمئنان عليها وللتخفيف من روعها وقلقها فاتصلت هاتفياً بالسيدة برنيز زوجة الشهرستاني ولم أكن قد التقيت بها من قبل، ورتبت زيارة صباح اليوم التالي إلى دارها، وحين طرقت الباب لم تفتح هي الباب كما كنتُ أتوقع بل فتحه رجلان بملابس مدنية شاهرين مسدسيهما في وجهي وطلبا مني أن أطلعهم على هويتي وقاداني وسائقي عمران إلى داخل الدار الذي لم أجد فيه غيرهما ووجدت الكتب والأوراق مبعثرة على أرضية الدار. ذهب أحدهما إلى جهاز الهاتف واتصل بجهة أجهلها وبدأ يسرد المعلومات عن هويتي وهوية سائقي ثم أقفل الهاتف... وبعد صمت دام لبضع دقائق حسبتها دهراً رنّ جرس الهاتف ولم أسمع من المجيب غير الاستجابة بنعم سيدي... نعم سيدي... وعندها أعاد كل من الشخصين سلاحيهما إلى أغلفتهما المرتبطة بأحزمتهما وقال أحدهما لي: يمكنك المغادرة الآن، فأجبته بأنني باقٍ هنا لحين مجيء صاحبة المنزل. وبعد دقائق فقط دخلت زوجة الشهرستاني مع طفليها ودُهِشَت لوجود الغرباء في منزلها ثم ذُعِرَت لحالة موجودات المنزل وكأن سارقاً قد عاث بمحتوياته مفتشاً عن شيء مخبأ هنا أو هناك. والحق أقول أنني وجدت زوجة زميلي تتصرف بحشمة وكبرياء. وعندما غادر ضابطا الأمن العام المنزل من دون أن يأخذا معهما أي شيء من محتويات المنزل أيقنتُ أنهما لم يعثرا على ضالتهما من وثائق تثبت الجرم المتهم به زميلي.

هدأتُ من روع السيدة وقلتُ لها طالما أن رجلي الأمن لم يعثرا على وثيقة إدانة فلا بد من أن يبرأ زوجها ويعود إلى عائلته سالماً إن شاء الله. ولم أكن أعرف حينئذ أن نظام الحكم لا يحتاج إلى أدلة ثبوتية لتجريم من يعتقد النظام أنه ليس على وئام معه.

وبعد أربعة أيام فقط من اختفاء زميلي الشهرستاني في أقبية الأمن العام تجرأت فبعثت برسالة إلى صدام ذاته راجياً الإفراج عن الشهرستاني وموضحاً أن اختفاءَه سيؤثر سلباً في برامج الطاقة الذرية العراقية.

وفي تلك الأيام كانت زوجتي البريطانية فيليس تُعالج في لندن من مرضٍ ألمّ بها في بغداد فقررت أن أرسل ولدي صادق (14 سنة) وأمين (13 سنة) للدراسة في مدرسة داخلية في (كلية سيفورد) البريطانية وهي الكلية ذاتها التي سبق أن أكملت دراستي الثانوية فيها قبل عقدين من الزمن. ودّعت ولدي قبل عيد الميلاد المجيد على أمل أن يحضرا احتفال زوجتي بعيد ميلادها في 26 كانون الأول وليتمكنا بعد ذلك من الالتحاق بالكلية مطلع العام 1980. وبقيت لوحدي في داري بصحبة مدير الدار أبو داؤد وزوجته أم داؤد وهما الرفيقان الوفيان لعائلتي لسنين خلت.

لم أحصل على جواب لرسالتي إلى صدام حسين فبدأت أتحدث متذمراً مع زملائي في العمل همام وخالد ورحيم عبد الكُتَل موضحاً أن هذه الأساليب لن تخدم برامج اللجنة... ولم أكتفِ بهذا القدر من الحديث بل بعثت برسالة ثانية إلى صدام في مطلع العام 1980.

المفاجأة القاسية
جاءني الجواب بأسلوب غير ما كنت آمل، ففي يوم الخميس 16 كانون الثاني (يناير) من عام 1980 اتصَلَت بي سكرتيرة نائب رئيس لجنة الطاقة الذرية العراقية لتبلغني أن أبقى في موقعي بعد انتهاء الدوام الرسمي ليجتمع بي الدكتور عبدالرزاق الهاشمي في مكتبه في موقع التويثة، وحين ذهبت إلى غرفته وجدت عنده رجلاً من المخابرات العامة طلب مني مصاحبته لبضع دقائق، وهو أسلوب المخابرات في اعتقال من يقرروا اعتقاله. وفعلاً أخذني بسيارته إلى مبنى حاكمية المخابرات في شارع النضال وسط بغداد قرب القصر الأبيض الذي كان داراً لضيافة زوار العراق الكبار منذ العهد الملكي.

دخلت مبنى الحاكمية الكئيب (وهو بناية محورة من كنيس يهودي سابق) فأعطوني ملابس النوم وفراشاً وقادوني إلى غرفة صغيرة خالية من النوافذ ومنافذ التهوية... افترشت الأرض بجوار أربعة محتجزين آخرين. وبعد تناولنا وجبة العشاء المقرفة بدأ كل منا يحدث الآخرين عن قصة احتجازه فأباح إثنان منهما بعدم معرفتهما بتاتاً بتهمة اعتقالهما، والإثنان الآخران كانا يشكان بسبب اعتقالهما، فأحدهما كان الحلاق الخاص لصدام، يظن أنه تأخر عن موعد دوامه الصباحي لبضع دقائق فكانت تلك جريمة لا تُغتفر إذ كيف سيحلق صدام ذقنه قبل تناوله وجبة الإفطار الصباحي فهو معتاد أن يغسل وجهه ويحلق ذقنه ويصبغ شعره قبل مجيء سكرتيره الشخصي كي يراه في أبهى صورة. وأخبرني الزملاء الجدد أنه لم يتم التحقيق معهم منذ اعتقالهم ولم يخضعوا لأي نوع من التعذيب فجاء كلامهم مريحاً لي لأنني كنت أمقت أي قدر من التعذيب أو الإساءة من أزلام المخابرات المشهورين بلا أخلاقيتهم.

بدأت الأيام في المعتقل تطول فلا خبر يصلني من أهلي أو من زملائي ولا أجد غير النزلاء يُستبدلون دائماً فهذا يخرج وذاك يأتي فتتكرر القصص ونسمع أخبار الشارع من الوافدين الجدد. ولم ألحظ في ذلك الوقت أي حادثة تعذيب ولا أي أثر للتعذيب على أي من زملاء المعتقل وتوالت الأيام.

وبعد مضي شهرين على اعتقالي تم نقلي إلى غرفة لوحدي مساحتها 3×4 متر مربع ذات شباك مطل على الممر ومحكم بقضبان حديد سميكة، وتحتوي على سرير وخزانة للملابس ومنضدة عليها مجموعة من الأوراق البيضاء مع بعض الأقلام وملحوظة تقول إن باستطاعتك الكتابة لمن ترغب ومتى ترغب. كانت هذه الحال نقلة كبيرة في حياتي الرتيبة في هذا المعتقل الذي لا علم لي لماذا كنت فيه وما هو الذنب الذي اقترفته. وكان بمقدوري الاتصال هاتفياً بأخي يحيى في بغداد مرة واحدة كل أسبوعين وتحسن نوع الأكل فكان يأتيني من المطاعم المجاورة وغالبيته عبارة عن لحم مشوي وكباب.

وفي يوم من أيام حزيران (يونيو) 1980 نُقِلنا جميعاً إلى مبنى الحاكمية الجديد في شارع 52 قرب دائرة السفر والجنسية فأُودعت في غرفة جديدة مطلة على باحة المعتقل. وبعد أيام قلائل جاء مدير المعتقل النقيب وضاح الشيخ إليّ واصطحبني بسيارته لمواجهة مدير جهاز المخابرات برزان ابراهيم حسن التكريتي - الأخ غير الشقيق لصدام حسين - وحين دخلت غرفته وجدت نائب رئيس لجنة الطاقة الذرية العراقية الدكتور عبدالرزاق الهاشمي جالساً قرب مكتب برزان.

حاورني برزان:
كيف حالك؟
- لا بأس.
هل تعرضتَ لاساءة؟
- لم أتعرض لاساءة في المعاملة ولكنني أجهل سبب اعتقالي.
نحن حريصون فقط على سلامتك ونخشى عليك من الأذى.
- ولكن صحتي البدنية والنفسية تردّت بسبب اعتقالي من غير سبب.
لا بأس عليك... سآمر بنقلك إلى بيت مريح في بغداد وستجد فيه ما يخفف عنك.
- أفضل العودة إلى داري.
إن الرئيس يريد منك أن تعمل على إنتاج سلاح نووي للعراق.
- ولكنني باحث فيزيائي ولا تجربة لي في هذا المجال.
إنه واثق أنّ بمقدورك العمل بهذا التكليف.
- (لم أجب).

وبعد أيام قلائل تم نقلي إلى دار فسيحة في منطقة المسبح الراقية قرب نهر دجلة، احتوت على جهازي تلفزيون وتلفون وحديقة واسعة ووجدت خمسة حراس في الدار لمراقبتي بقيادة عبدالغني مدحي فيصل الدوري وكان الطباخ وليد مهدي من مدينة الموصل بينما كان حسن صالح وجميل عيّاش وشويش حسين من منطقة محافظة صلاح الدين ومركزها تكريت.

وبعد أيام من انتقالي إلى هذه الدار زارني مانع عبد رشيد مدير أمن جهاز المخابرات حيث جلب لي بعضاً من ملابسي وعدداً من الكتب من مكتبة الطاقة الذرية في التويثة.

وساعدتني أحوالي الجديدة على دراسة الكتب بدءاً بالكتاب الموسوم "الوصف النظري لفصل النظائر وتطبيقاتها لإنتاج كميات كبيرة من اليورانيوم 235 لمؤلفه كارل كوهين، فتوليت اشتقاق جميع العلاقات الرياضية المذكورة في هذا الكتاب والذي منحني فهماً معمقاً للمبادئ الأساسية لهذا العلم كما دونت قائمة بالأخطاء المطبعية في الكتاب لا لسبب إلاّ لاستغلال الوقت الرتيب الطويل. وأخبرني حراسي بأن زميلي حسين الشهرستاني موجود في دار ثانية قريبة من داري هذه غير أنهم لم يخبروني عن أحواله أي شيء. وعند قدوم شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1980 احتدم نظام صدام مع الجارة المسلمة إيران بحرب ضروس فكنت أسمع صوت قاذفات القنابل واصوات المدافع المضادة للطائرات من غرفتي وأشاهد مآسي الحرب على شاشة التلفزيون وألحظ أغاني تمجيد صدام لأفكاره وشجاعته النادرة كما يحلو للشعراء "الغاوين" أن ينعتوه بها ليل نهار.

استمرت حالي على هذه الشاكلة، وكان يزورني بين الحين والآخر مانع عبد رشيد، وذات مرة زارني وبصحبته عبدالرزاق الهاشمي فأغاظتني رؤيته وجعلته يشعر بأنه غير مرحب به في معتقلي هذا إذ كنت على قناعة أن له "الدور" الأكبر في اعتقالي، وليس باستطاعة غيره أن يخبر صدام بأن أحاديثي لا تنم عن حبي للنظام.

ولقد أبلغت زائري مدير أمن جهاز المخابرات أكثر من مرة بأنني غير مستعد للعمل مرة أخرى مع لجنة الطاقة الذرية العراقية طالما بقي عبدالرزاق الهاشمي أحد مسؤوليها.

واستطعت خلال مكوثي في هذه الدار من ممارسة بعض الحركات الرياضية المحدودة تحت مراقبة الحراس وإحكام اقفال الأبواب المؤدية إلى خارج الدار.

ضربة غادرة وإصرار على البناء
خلال وجودي في المعتقل في 7 حزيران (يونيو)1981 علمتُ بنبأ العدوان الإسرائيلي على مفاعل تموز-1 القريب إلى قلبي حيث عملت جاهداً على وضع مواصفاته. وكنت قبل اعتقالي أتطلع لاكتماله وأعد العدة وأضع الخطط لبحوث علمية تستند إلى إمكاناته، والآن جاءت آلة العدوان الإسرائيلية لتحيله إلى حطام وتقضي على كل آمالي وتطلعاتي العلمية، فآليت على نفسي أن أُجَنِّد كل خبرتي لبرنامج بديل يعيد إلى العراق آماله وتطلعاته لمستقبل يرفد فيه الحضارة الإنسانية بعطاء أبنائه الغيارى ويعيد أمجاد تاريخه الذي يمتد إلى آلاف السنين.

في صيف ذلك العام توفي العالم الفيزيائي العراقي الدكتور سلمان رشيد سلمان اللامي في جنيف بمرض غامض يؤشر علاقة الموساد جهاز المخابرات الإسرائيلي المتمرس بالأعمال الدنيئة والمعروف بحقده الكبير لكل إشعاعة علمية وحضارية تبزغ في أرض العرب. وكنتُ قبل اعتقالي قد أسهمتُ في إيفاد المرحوم الدكتور سلمان اللامي إلى جنيف ليطلع على البرامج التصميمية لجهاز كهرومغناطيسي يمكننا تصميمه وتصنيعه محلياً بهدف استغلاله للحصول على بضع غرامات من النظائر المستقرة لعدد من فلزات الأتربة النادرة (المعروفة أيضاً باسم عناصر اللانثانات) لاستخدامها في تجارب لدراسة مستويات الطاقة لانحلال هذه النظائر بعد تشعيعها في مــفاعل تموز-1 وهي دراسات علمية ذات أهمية أكاديمية كبيرة في مجال الفيزياء النووية.

وبعد أسابيع قليلة من هذه الأخبار المحزنة وتحديداً في مطلع أيلول (سبتمبر) من العام نفسه جاءني مانع عبد رشيد فأخذني بسيارته إلى القصر الجمهوري حيث كان برزان التكريتي بانتظاري في مكتب السكرتير الشخصي لصدام حسين. ولم ننتظر سوى دقائق قليلة حتى أدخلنا المقدم صباح مرزا محمود كبير مرافقي صدام آنذاك إلى غرفة الرئيس العراقي (السابق) فوجدته جالساً خلف مكتبه الفخم فنهض وصافحني وطلب مني ومن برزان أن نجلس على كرسيين أمام مكتبه وبعد تناولنا عصير البرتقال الطازج وقدح الشاي العراقي بادر صدام بالقول أنه مهتم بسلامتي (ولم أكن أتوقع أكثر من ذلك) إذ ليس من طبيعته أن يعتذر عن قرارٍ سبق أن اتخذه بحقي أو بحق أي شخص آخر. ثم تحدث بمرارة عن الاعتداء الإسرائيلي على مفاعل تموز-1 وقال: "كيف يجوز لإسرائيل أن تمتلك السلاح النووي ولا يحق للعرب أن يمتلكوا برنامجاً للأبحاث النووية ذات الطابع العلمي والسلمي الصرف" ثم قال: "لا بدّ لنا من أن نبني بسواعد وعقول العراقيين برنامجاً نووياً بديلاً - ولا بدّ من امتلاكنا للسلاح النووي ليكون رادعاً لاعتداءات إسرائيل واعتداءات من يحمي دولة إسرائيل ويقدم لها الدعم والإسناد المتواصل"، ثم ختم حديثه بالقول: "علينا أن نعمل منذ اليوم لامتلاك ناصية التكنولوجيا النووية". ثم وجّه كلامه لبرزان: "إمنح هذا الرجل كل ما يطلبه من أجل العراق ومستقبل العراق" فلم أشأ إلاّ أن أقول: "سأحاول ما بوسعي يا سيدي القائد".

وفي اليوم ذاته أطلق سراحي فعدت إلى بيتي واحتفلتُ مع عائلة أخي يحيى. وبعد يومين أو ثلاثة عدت إلى عملي بدرجة مستشار وعضو متفرغ في لجنة الطاقة الذرية، وشعرتُ بالراحة حين علمتُ بأن عبدالرزاق الهاشمي قد غادر هذه المؤسسة وأصبح وزيراً للتعليم العالي وتذكرت ما قاله لي برزان قبيل دخولنا مكتب الرئيس من أنه (أي برزان) لم يكن مرتاحاً لتصرفات عبدالرزاق الهاشمي وأنه غير مقتنع بكفاءته كعالم عراقي من المستوى الرفيع كما كان يحاول أن يوحي للآخرين.

نعمان : بداية فورية وخط أحمر
كان أمر صدام في لقائه مع جعفر واضحاً جداً وهو البدء الفوري ببرنامج بديل للبرنامج السابق الذي توقف وانتهى بالعدوان الإسرائيلي. غير أن أمره تضمن خطاً أحمر لا ينبغي تجاوزه هو ألا نستعين في برنامجنا الجديد بأية جهة أجنبية. وبمعنى آخر علينا تنفيذه بالجهد الوطني الخالص وأن نحرص على شراء الأجهزة والمعدات والمواد من الأسواق المفتوحة للجميع وفي حالة عدم تمكننا من ذلك علينا تصنيعها محلياً. وعلى رغم هذه الشروط المحددة انطلقت لجنة الطاقة الذرية العراقية لتنفيذ الأمر فطلبت من جعفر أن يتقدم بمقترحه وكان جاهزاً لذلك فلقد أمضى فترة طويلة في المعتقل أتاحت له فرصة التفكير في جميع الخيارات، فتقدم بخيارين اثنين:

أولهما: يستند إلى إنتاج البلوتونيوم 239 بكميات تُقدر بالكيلو غرامات بغية استخدامه كمادة انشطارية للسلاح النووي وهذا يستوجب بناء مفاعل نووي بقدرة نحو 20 ميكاواط يستخدم اليورانيوم الطبيعي وقوداً والماء الثقيل مهدئاً أو يستخدم اليورانيوم المخصب لدرجة واطئة LEU وقوداً والماء الاعتيادي مهدئاً.

ثانيهما: يستند إلى إنتاج كميات تُقدر بالكيلو غرامات من عنصر اليورانيوم المخصب بدرجة عالية أي يحتوي على نسبة من اليورانيوم 235 تصل إلى 93 في المئة أو ما يزيد على ذلك (وهو ما يسمى اختصاراً  HEU) بغية استخدامه مادة انشطارية للسلاح النووي. وواضح أن أياً من هذين المسارين يوفر المادة الانشطارية الأساسية للسلاح النووي.

وبعد مناقشة مستفيضة قررت لجنة الطاقة الذرية تبني خيار تخصيب اليورانيوم وعدم التفكير بخيار إنتاج البلوتونيوم لكونه ليس فقط يحتاج إلى جهد بحثي وتصميمي وتصنيعي كبير، ولكنه أيضاً يستوجب بناءه في مساحة كبيرة نسبياً تصلح لإنشاء مفاعل نووي وسيكون الموقع في هذه الحال عرضة للكشف من أجهزة التجسس النائية التي يمتلكها العدو الإسرائيلي وقد يكون هذا الموقع هدفاً مكشوفاً لعدوان جديد.

جعفر: الإجراء الأول
حال استلامنا قيادة البرنامج طلبنا من همام التعجيل بدعوة نعمان للعمل بمعيتنا ويتولى الإشراف على الجوانب الكيماوية للبرنامج لما يتمتع به من كفاءة علمية وقدرة إدارية وخلق رفيع وإخلاص للعمل فوعد همام ببذل قصارى جهده لإقناع نعمان بالالتحاق بهذا البرنامج الوطني والطلب من رئيس الجمهورية تعيينه بمنصب مستشار بدرجة مدير عام.

واستناداً إلى قرار اتخذه صدام حسين عام 1974 عندما كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة بأن يكون رئيس اللجنة هو ذاته نائب رئيس مجلس قيادة الثورة أصبح رئيس اللجنة حكماً هو عزت ابراهيم الدوري الذي أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة منذ تموز 1979 عندما اعتلى صدام حسين جميع المناصب الأولى الرسمية والحزبية.

غير أن عزت ابراهيم الدوري لم يكن يهتم ببرامج الطاقة الذرية العراقية سواء الاعتيادية منها أو تلك المتفرعة من البرنامج النووي الوطني. وكان نائب رئيس اللجنة يعلمه بتطورات البرنامج أولاً بأول غير أن المتابعة الحثيثة والقرارات الأساسية كانت تصدر من صدام حسين ومن خلال سكرتيره الشخصي حامد يوسف حمادي. ولا بدّ من قول الحقيقة هنا أن صدام كان يستمع باهتمام كبير عند لقائه بنائب رئيس اللجنة وأحياناً بأعضاء آخرين وحتى إن لم يكن ليعلق على تقدم العمل فقد كان يجعل المجتمعين به على قناعة كبيرة من إدراكه لكل ما عرض عليه إذ كان يأمر أثناء اللقاء به أن ينفذ هذا الإجراء أو ذاك أو كان يؤجل إصدار القرار إلى يوم آخر، أما عزت ابراهيم فكان يلجأ إلى تغيير موضوع الحديث عندما يصبح علمياً أو تكنولوجياً ليتحدث بمواضيع أخرى مثل تجربته في إدارة الحزب أو آرائه الدينية أو تجربته في قيادة شؤون الزراعة في العراق وذات مرة عندما عرضت عليه الموافقة على مشروع بكلفة أربعة ملايين دولار بالعملة الصعبة قال ألا تخجلون من عرض أمر تافه كهذا علينا؟ فنحن دفعنا مبلغاً مقداره عشرة ملايين دولار لكل مدفع بعيد المدى.

بعد عودتنا وفي الأسبوع الأول من عملنا التقينا بزملائنا الدكاترة... وقبلهم تعرفنا الى الدكتور همام عبد الخالق نائب رئيس اللجنة ذي الخلق الرفيع والسريرة الطيبة والمقدرة الإدارية الممتازة والابتسامة المخلصة. ففي أول لقاء بيننا قال لنا همام "عليك أن لا تفكر بأي إيفاد خارج العراق كما كنت تحصل عليه في الجامعة فنحن في الطاقة نتحفظ على إيفاد منتسبينا إلى خارج العراق ولا سيما ذوي المناصب العليا" فتقبلنا ذلك على مضض وعللنا النفس بمتعة إنجاز البرنامج تفوق فوائد جميع الإيفادات.
=====


#4 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:46 PM

حسين كامل انقضّ على البرنامج النووي وصدام قال لجعفر أريد سلاحاً نووياً
(3  من  7)   الحياة    2005/05/11

سرنا حثيثاً في تطوير الورشة الميكانيكية في موقع التويثة ثم أنشأنا ورشة كبيرة متكاملة ومتطورة في موقع الزعفرانية وعلى بعد خمسة كيلومترات جنوب موقع التويثة أسميناها معمل الربيع. ومع بداية المراحل الأولى من تنفيذ البرنامج إرتأى نائب رئيس اللجنة أن نستند إلى إمكانات منشآت المؤسسة العامة للصناعات الفنية لتنفيذ التصنيع الميكانيكي للقطع الكبيرة وحجته في ذلك أن هذه المنشآت ذات إمكانيات كبيرة ولها مجالات واسعة في استيراد مكائن جديدة ومتخصصة دون جلب انتباه أي راصد لمشتريات العراق على عكس الطاقة الذرية التي إن حاولت شراء مكائن متخصصة ستجلب انتباه الشركات المجهزة وقد تجتهد الأجهزة المخابراتية المعادية في التحقق عن سبب استيراد هذه المكائن وبالتالي تتعرف على برنامجنا النووي الوطني وهذا ما يجب أن نجتنبه. ففاتح رئيس الجمهورية بالأمر فصدرت أوامره إلى المؤسسة العامة للصناعات الفنية بتنفيذ جميع متطلبات الطاقة الذرية في مجال التصنيع الميكانيكي وتطوير ورش منشآت المؤسسة لتفي بهذه الالتزامات كلما تطلب الأمر ذلك.

ومع تطور العمل بالبرنامج وتعدد مشاريعه وازدياد عدد منتسبيه كان لابدّ من تطوير العمل التنظيمي والإداري فوضعنا تصورات عدة لأسلوب إعادة التنظيم وعقدنا ندوة موسعة لقياديي البرنامج في منتجع الحبانية حيث سافرنا إلى هناك مع عوائلنا وناقشنا الموضوع وتوصلنا إلى إعادة هيكلة الدائرة بما يمكننا تسميته الآن:

هيكلية البرنامج لعام 1987
اقتصر التنظيم الجديد على التشكيلات التالية:

- إدارة البرنامج وتضم رئيس الدائرة والمستشار (مؤلفي هذا الكتاب) والسكرتارية.

- المجموعة الأولى والتي عرفت لاحقاً بالمختصر (G1) وتضم جميع أنشطة التخصيب على وفق تكنولوجيا التنافذ الغازي.

- المجموعة الثانية (G2) وتضم جميع أنشطة التخصيب على وفق تكنولوجيا الفصل الكهرومغناطيسي.

- المجموعة الثالثة (G3) وتضم جميع الأنشطة الساندة (تخطيط ومتابعة، المشتريات الخارجية، الإدارة، التصميم الميكانيكي والإلكتروني، التصنيع الميكانيكي، التصنيع الإلكتروني.

وفي بدايات عام 1988 صدر قرار بإلغاء لجنة الطاقة الذرية وإعادة تنظيم برامج الطاقة الذرية العراقية ضمن ما عرف باسم منظمة الطاقة الذرية وتم تعيين همام رئيساً لها وجعفر نائباً للرئيس وانتهى بذلك إرتباط اللجنة بنائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزت ابراهيم الدوري وغَدَا ارتباط المنظمة بالسكرتير الشخصي لرئيس الجمهورية، كما كانت تسير الأمور من قبل. لم يكن لتغيير التسمية هذه وقع يذكر على سير أمور البرنامج الوطني النووي ولم يكن أكثر من ترقية لهمام وجعفر إلى مستوى وزير ووكيل وزارة، لكن سرعان ما بدأت الأمور تتغير بعدئذ بتأثير من حسين كامل حسن المجيد الذي بدأ نجمه بالصعود السريع منذ اقترانه بابنة الرئيس العراقي رغد صدام حسين عام 1983. وبعد ذلك سيطرته على تنظيم الأمن الخاص (المعني بحماية الرئيس العراقي وتنظيم تحركاته) مع الإشراف على الحرس الجمهوري (الذي تطور ليصبح قوة ضاربة توازي الجيش العراقي لا بل تتفوق عليه بالرعاية والامتيازات والصلاحيات) ثم استولى حسين كامل على جميع فعاليات التصنيع العسكري بما في ذلك تصنيع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية (أسلحة الدمار الشامل) وعلى برنامج تطوير الصواريخ لا سيما زيادة مدى فعالية صواريخ سكود من خلال زيادة قدرة النقل على حساب تقليل كتلة شحنة التفجير ولم يبقَ سوى البرنامج النووي ليشبع طموح هذا الشاب الممتلئ حيوية ونشاطاً والرجل الثاني في السلطة بعد صدام حسين والإبن المدلل له.

نعمان الفرصة: الذهبية وتمثال الذهب
جاءت الفرصة الذهبية لحسين كامل ليثب على البرنامج النووي عندما قرر رئيس منظمة الطاقة الذرية العراقية في مطلع 1987 مع توليه ذلك المنصب أنه آن الأوان للبدء ببرنامج تطوير صنع السلاح النووي لا سيما بعد اقتناعه بأن برنامج تخصيب اليورانيوم اقترب من النجاح فأخذ يفكر بِما سيفعله حين نكون قد أنتجنا كمية من اليورانيوم عالي التخصيب. هل نخزنه ونتباهى بقدرتنا على إنتاجه؟ أم نستغله؟ وفضل استغلاله باتجاه السلاح النووي وهو المبتغى وأيقن أن الحصول عليه سيرفع من مكانته أمام الرئيس العراقي وسيضعه موضع بطل وطني لا سيما أنه كان شاهداً للقاء جمعه وجعفر مع صدام حسين في حين قال صدام لجعفر "لو أنتجت القنبلة النووية سأصنع لك تمثالاً شخصياً من ذهب". فبدأ همام يلح على جعفر أن يبدأ برنامج البحث والتطوير لأنشطة صنع سلاح نووي غير أن جعفر أخبره بأن نشاطاً كبيراً كهذا سيؤخر بالضرورة تقدم العمل في برنامج التخصيب في هذا الوقت الحرج الذي يتطلب الانتقال به من طور التجريب إلى طور الإنتاج.. والانتقال بالغ الحساسية ويحتاج إلى حشد الطاقات العلمية والهندسية وطاقات التصميم والتصنيع وتحتاج أيضاً إلى طاقة إدارة علمية متفرغة لهذا النشاط فتقدم جعفر بمشورته إلى همام واقترح عليه أن يكلف أحد منتسبي مركز البحوث النووية ليقدم له دراسة أولية حول متطلبات برنامج التسلح النووي كما اقترح عليه أن يجري ذلك النشاط في موقع بعيد عن موقع التويثة بحيث يكون محصناً أمنياً وبعيداً عن أنظار الفضوليين والأعداء. فتحدث همام معنا في الموضوع وأخبرناه بقرب انشغالنا في الإشراف على المراحل النهائية من نصب وتشغيل معدات مشروعي موقع الجزيرة قرب الموصل وأولهما مشروع إنتاج مسحوق ثنائي أوكسيد اليورانيوم ذي النقاوة النووية بدءاً بمادة كعكة اليورانيوم غير النقية المنتجة ضمن مجمع القائم للأسمدة الفوسفاتية وثاني المشروعين هو إنتاج رباعي كلوريد اليورانيوم ذي النقاوة العالية لاستخدامه كمادة تغذية في فاصلات التخصيب وفق تكنولوجيا الفصل الكهرومغناطيسي. واقترحنا على همام أن يؤجِّل البدء ببرنامج التسلح لحين اكتمال مشروع نصب الفاصلات الإنتاجية ولحين الحصول على كمية محسوسة من اليورانيوم عالي التخصيب. يبدو أن مقترحينا لم يروقا لهمام التوّاق أبداً للبدء بنشاط التسلح النووي فبعث بمذكرة إلى صدام حسين تتضمن مقترحاً بالبدء ببرنامج التسلح النووي في موقع جديد غير موقع التويثة يكون محصناً أمنياً وخاضعاً للتكتم الشديد وأن تنفذه مجموعة غير مجموعة برنامج التخصيب التي يقودها جعفر واقترح أن يسمى البرنامج الجديد باسم (برنامج الحسين) ولم نعرف إن كانت التسمية تيمناً بالإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه سلام الله.

حسين كامل وضربة الحظ
وصَلَت المذكرة إلى صدام وأحالها إلى النجم الصاعد والصهر المدلل حسين كامل لإبداء الرأي والمشورة فجاءت إليه كهبة من السماء ورأى في المقترح فرصته الذهبية لركوب قطار البرنامج النووي في أفضل عرباته فاقترح على (عمه) صدام أن تنتقل مجموعة همام المتخصصة ببرنامج الحسين هذا لتعمل بإشرافه المباشر وتحت مظلة جهاز الأمن الخاص الذي يشرف عليه أيضاً وأنه بذلك سيوفر للبرنامج السرية العالية والتحصين الكبير الذي اقترحه همام. وجد صدام رأي نجمه الجديد صائباً فأصدر الأمر بالعمل وفق مقترح حسين كامل الذي لم ينتظر كي يجف حبر الأمر الرئاسي فأبلغ همام هاتفياً وبلهجة الطفل المبتهج أن يرسل إليه مجموعة مشروع الحسين المقترحة في مذكرة همام لتعمل بأمرته. فوقع هذا التبليغ على همام وقع الصاعقة في غير ما كان يأمله وهو المباشرة بهذا البرنامج ضمن أنشطة منظمته (منظمة الطاقة الذرية) وتوجَّس خيفةً مما قد يخبئ له القدر من هذا الإجراء وجاءه أمر صدام مدوناً بعد ساعات قلائل من مكالمة حسين كامل الهاتفية وأصبح واجب التنفيذ فأوامر صدام يجب تنفيذها خلال 24 ساعة وإلاّ فالويل كل الويل لمن يتلكأ لساعة واحدة. وكان همام، حين بدأ يفكر بالبرنامج، قد كلف الدكتور خضر عبد العباس، وهو فيزيائي نظري مغمور قليل النشاط العلمي ومن منتسبي مركز البحوث النووية، أن يُعدَّ له دراسة أولية عن برنامج التسلح النووي فاعتكف خضر في مكتبة التويثة أياماً قلائل وقرأ عدداً من المقالات السطحية حول تصميم السلاح النووي فنقلها نقلاً آلياً ووضعها ضمن دراسة مقتضبة شارحاً لهمام تصميم السلاح النووي الذي لا يزيد عن ما يعلمه القارئ العادي أو ما يكتب في الكتب المنهجية للتدريس الجامعي الأولي في علوم الفيزياء النووية.

استدعى همام خضر حمزة إلى مكتبه وطلب منه أن يسمي بعض المنتسبين ممن يستطيعون تقديم العون له لتنفيذ ما ورد في دراسته الأولية فاقترح عليه إسمي الدكتور غازي الشاهري وصالح الخفاجي وعدة أشخاص من الفيزيائيين والمهندسين الشباب. بادر همام حالاً بإرسال كتاب رسمي إلى حامد يوسف حمادي السكرتير الشخصي لصدام بشأن إلحاق مجموعة (مشروع الحسين) بجهاز الأمن الخاص وأرسل نسخة من كتابه إلى حسين كامل الذي طلب منه هاتفياً أن يبعث بهذه المجموعة إليه فوراً وعند التحاق هذه المجموعة بحسين كامل قال حسين لخضر حمزة: من اليوم فصاعداً سيكون اسمك السري محمد حازم ووفر له موقعاً في بناية نقابات العمال التي كان قد استولى عليها وضمها إلى مملكته الجديدة "هيئة التصنيع العسكري" وأخذ يغدق على خضر حمزة أو محمد حازم الهبات وأولها بوضع سيارة وسائق تحت تصرفه فانتشى هذا العالم المغمور زهواً مثل ديك رومي ووجد بوناً شاسعاً بين غرفته المتواضعة في مركز البحوث النووية ومكتبه الجديد الواسع ذي الأثاث الفاخر وعدد من الهواتف مع تخصيص خادم له وسائق يخدم عائلته إضافة لسائقه الشخصي فبدأ يتخيل أنه سيكون حقاً صانع القنبلة النووية لصدام حسين وأنه سيحظى بجوائز التكريم مؤملاً أن جميع أعمال مجموعة جعفر ليست أكثر من تقديم المادة الأولية (اليورانيوم عالي التخصيب) لقنبلته.

الاجتماع الحاسم والمفاجأة الهزيلة
في صباح يومٍ ممطر من أيام أيلول (سبتمبر) 1987 إتصل حامد يوسف حمادي السكرتير الشخصي لصدام بهمام (رئيس المنظمة) طالباً منه الإعداد لاجتماع عاجل في موقع التويثة برئاسته وحضور المعنيين بشؤون التسلح النووي. فكان له ما أمر، وعقد الاجتماع في قاعة في الطابق العلوي من مكتبة التويثة وترأس الاجتماع حامد وحضره الفريق عامر السعدي ممثلاً شخصياً لحسين كامل وحضر الاجتماع من المنظمة همام وجعفر ونعمان وخالد ابراهيم سعيد (الذي كان يشغل منصب مدير مركز البحوث النووية آنذاك) كما حضر الاجتماع خضر حمزة. طلب حامد حمادي من عامر السعدي أن يعرض على المجتمعين خلاصة لتقرير مجموعة مشروع الحسين (مجموعة خضر حمزة) عن متطلبات برنامج التسلح النووي. فقرأ عامر السعدي بنبرة السخرية أن البرنامج يحتاج إلى تخصيص بليون دولار وإلى تعيين ثلاثمئة عالم من حملة الدكتوراه بتخصصات نادرة للعمل ضمن البرنامج الذي سيستغرق عشر سنوات بعد تأمين هذه المتطلبات لإنجاز البرنامج وتجهيز القنبلة النووية (قنبلة خضر حمزة/محمد حازم صانع قنبلة صدام!). كان خالد ابراهيم سعيد يجلس قبالة عامر السعدي فتبسم ضاحكاً وقال بنبرة التحدي أنا أستطيع أن أنفذ البرنامج بأقل من نصف المدة هذه وبإمكانات مركز البحوث النووية الذاتية ومن دون أي تخصيص إضافي. عندها نظر جعفر إلى همام ونعمان متعجباً بينما ابتسم عامر السعدي بابتسامته المعروف بها وحوّل وجهه نحو حامد يوسف حمادي وقال: "المسألة انتهت... البرنامج عاد إلى المنظمة وننتظر التنفيذ من قبلكم وبما اقترحه خالد ابراهيم سعيد" وانفض الاجتماع المصيري بهذه العجالة بينما كنا معتادين حين مناقشة موضوع بسيط كتصاميم بناية لمشاريع الهندسة الكيميائية كان النقاش يبدأ بعد صلاة المغرب ولا ينتهي إلاّ عند أذان الفجر.

استدعى حسين كامل خضر حمزة وأمره أن يغادر فوراً ليلتحق بوظيفته السابقة هو وجماعته في منظمة الطاقة الذرية. فغادر مهرولاً ونسي أن يصطحب معه أوراقه الشخصية ومن بينها نسخة من تقريرٍ كان قد أعده لحسين كامل صبّ فيه جام حقده وغضبه على قياديي المنظمة بدءاً بهمام رئيس المنظمة وانتهاء بظافر سلبي مدير عام إدارة مجموعة البرنامج الوطني النووي (أي مجموعة جعفر) متهماً إياهم باحتكار الامتيازات وتجاهلهم باقي منتسبي المنظمة من أمثاله، علماً أن همام أمر موظفاً إدارياً بعد يومين أو ثلاثة للذهاب إلى مقر نقابات العمال وجلب ما تركته مجموعة خضر حمزة هناك حين غادرت مهرولة إلى موقع التويثة تحت مطرقة حسين كامل. فوقعت نسخة تقرير حمزة إلى حسين كامل بيد رئيس المنظمة واطلع وآخرون على ما تحتويه من تشنيع وافتراءات.

جعفر: انتقال المجموعة الأولى إلى خارج المنظمة
لم ننتظر طويلاً لنواجه إجراءات حسين كامل المباغتة إلينا فبعد أيام قلائل أصدر صدام أمراً بنقل المجموعة الأولى (G1) بكامل منتسبيها ومشاريعها ومعداتها من المنظمة إلى جهاز الأمن الخاص وبارتباط مباشر بحسين كامل.. غضب رئيس المنظمة همام من هذا التصرف التكتيكي الذي يتناقض مع استراتيجية المنظمة في أسلوب تنفيذ البرنامج النووي الوطني، غير أنني لم أُظهِر أي رد فعل، وعندما أظهر لي نعمان عدم ارتياحه من هذا القرار وتوقعه وصول قرارات أخرى على شاكلة هذا قلت له "نحن نعمل لإنجاح البرنامج ولا يهمنا الارتباط الإداري الذي يقرر لنا، وعلينا التركيز على الجوانب العلمية والفنية والمضي قدماً بمشاريعنا". لم يكن نعمان معتاداً على هدوء أعصاب مثلي ولكنه أيقن أن ليس بمقدور أحد أن يعترض على قرارات صدام فهو الآمر الناهي ومن لا يروق له ذلك فليشرب ما شاء من البحر.

جعفر: تأسيس البتروكيمياويات 3
لم يتوقف طموح حسين كامل في السيطرة على البرنامج النووي الوطني عند عتبة استيلائه على إحدى تكنولوجيات ذلك البرنامج بل أخذ يتحين الفرص للاستيلاء على البرنامج بأكمله. وجاءته الفرصة الذهبية مرة أخرى في النصف الثاني من عام 1988 عندما عرض رئيس المنظمة همام عبدالخالق على صدام تقدم العمل في البرنامج النووي الوطني فذكر أن ثمة تأخراً في خطة تجهيز ثلاث ورش تابعة لمنشأة عقبة بن نافع بالمكائن المتخصصة، وأشار في مذكرته إلى وجود عثرات ضمن خطة تنفيذ أبنية ومرافق موقع الطارمية المخصص للمرحلة الإنتاجية من برنامج التخصيب بطريقة الفصل الكهرومغناطيسي علماً أن هذا الموقع تنفذه الشركة الفدرالية للمشاريع المتخصصة (شركة حكومية يوغسلافية) بعقد مع منشأة عقبة بن نافع التابعة لوزارة الصناعة والتصنيع العسكري نيابة عن منظمة الطاقة الذرية.

كان طبيعياً أن يحيل صدام حسين هذه المذكرة إلى حسين كامل بصفته وزير الصناعة والتصنيع العسكري وهي الوزارة التي اتهمها رئيس المنظمة بالتقصير. طار صواب حسين كامل حين قرأ المذكرة فهو يعتقد أن وزارته لا تخطئ ولا تتوانى في تنفيذ خططها، فأعاد المذكرة إلى الرئيس العراقي معلقاً: "إذا كانت معظم الفعاليات التصنيعية والإنشائية للمنظمة تتم في وزارتنا وإن كنا نحن سبّبنا التأخير فلماذا لا ينتقل البرنامج النووي الوطني بالكامل إلى وزارتنا كي نحكم سيطرتنا على حُسن تنفيذ فعالياته كلها ولا نكون الجهة الملامة في التأخير والتقصير".

اقتنع الرئيس بمنطق حسين وأمر رئيس ديوان الرئاسة أحمد حسين خضير أن يترأس اجتماعاً للطرفين ويتوصل معهم إلى توصية تعرض عليه. وتم عقد هذا الاجتماع في تشرين الأول (اكتوبر) من عام 1988 وحضره من وزارة الصناعة والتصنيع العسكري الوزير نفسه ووكيل الوزارة الأقدم لشؤون التصنيع العسكري عامر السعدي والمدير العام للدائرة الفنية في التصنيع العسكري نزار جمعة قصير العاني والمدير العام لمنشأة عقبة بن نافع أحمد مرتضى أحمد والمدير العام لمنشأة الفاو عبد الفتاح بينما حضره من جانب المنظمة رئيسها همام عبدالخالق وكذلك المدير العام للمجموعة الثالثة المهندس ظافر رشيد سلبي (اضافة لحضوري شخصياً). وبعد أن افتتح الجلسة أحمد حسين خضير بدأ حسين كامل الحديث بانفعال وصوت عال صاباً جام غضبه على رئيس المنظمة همام عبدالخالق متهماً إياه بتعليق إخفاقات برنامجه على شماعة منشآت التصنيع العسكري فغدا الوضع متشنجاً وبدا واضحاً للجميع أن المنظمة قد خسرت في الجولة الأولى ولا تستطيع الصمود أمام حجج حسين كامل ومقترحه الذي بدا منطقياً في معطيات الحدث، وكان رد همام متشنجاً وضعيفاً وهكذا انتهى الاجتماع.

قرارات ومراسيم
في صباح اليوم التالي اتصل بي حسين كامل هاتفياً وأخبرني بصدور قرار صدام حسين بنقل البرنامج النووي الوطني بجميع مشاريعه ومنتسبيه ومعداته إلى وزارة الصناعة والتصنيع العسكري. وطلب مني بأن يستمر العمل كما هو عليه وأن يكون الارتباط في كل الأمور به شخصياً.

وفي مطلع عام 1989 صدر مرسوم جمهوري بتأسيس كيان اسمه مشروع البتروكيماويات 3 وهو اسم وهمي برئاستي وفي الوقت نفسه تم تعييني في منصب وكيل وزارة الصناعة والتصنيع العسكري وأن يرتبط هذا الكيان بالوزير حسين كامل.

وقبل أن ننتقل إلى قصة تقدم العمل في البرنامج ليصل إلى ما وصل إليه وما اكتنفه من مصاعب علمية وهندسية وتصنيعية كبيرة تم التغلب عليها واحدة إثر الأخرى بالجهد الخلاق والعمل الجماعي المنظم وبنكران الذات، نجد من الأهمية بمكان أن ندون هنا الجهد الخلاق الذي بذل لتأمين الحصول على التجهيزات اللازمة والحساسة من الأسواق العالمية المتاحة للجميع وما رافق ذلك من عراقيل وإجراءات للتغلب على المحددات الدولية والمراقبة المخابراتية العالمية المشدّدة وكيف تمكنّا من تجاوز هذه المحددات ببراعة لا تقل عن براعة البحث والتطوير والاختراع الذي أنجزناه خلال المسيرة الخلاّقة في تنفيذ البرنامج.

لقد تم الحصول على المعدات والمكائن والتجهيزات من الأسواق العالمية بأسلوب التخفي والتمويه ومن خلال أغطية تكنولوجية مموهة وعبر قنوات تجهيز ثلاث هي:

- قناة التجهيز من خلال دوائر وأقسام المشتريات في وزارات ودوائر الدولة، مثل الشركة العامة للمشاريع النفطية (سكوب) والمنشأة العامة للصناعات الكهربائية والمنشأة العامة للصناعات الهندسية الثقيلة.

- تأسيس أقسام مشتريات وهمية في وزارات معينة تعمل خصيصاً لتجهيزات البرنامج النووي الوطني، لا سيما التجهيزات بالغة الحساسية وشملت هذه الأقسام مديرية الأجهزة الفنية والمديرية العامة للتجهيزات الصناعية وقسم الخدمات الهندسية.

- تأسيس شركات وهمية ضمن القطاع الخاص لتتولى تصريف مشتريات البرنامج مثل شركة أحمد رشيد أحمد ومشروع تطوير الوحدات الصناعية وكنا نستعرض حاجتنا للمشتريات الخارجية فإن وجدناها تجهيزات اعتيادية نستوردها عبر قناة مشتريات الطاقة الذرية أما عندما نجد أن جهازاً ما أو معدة محددة متخصصة وقد تجلب الانتباه وتحرك جرس مراقبة الشركات المجهزة أو الأجهزة المخابراتية الدولية المعنية بمراقبة مشتريات العراق كنا ندرس مواصفات المعدة ونجتهد لإيجاد استخدام صناعي غير الاستخدام الحقيقي ضمن برنامجنا وعندئذ نحدد قناة المشتريات التي تتولى استيرادها، وعلى سبيل المثال أردنا استيراد نحو 210 مضخات تفريغ عملاقة من النوع الانتشاري لاستخدامها في إحداث تفريغ وتأمين استقراره بحدود 10-7 ملي تور ضمن وعاء الفاصلة الكهرومغناطيسية الإنتاجية وهو وعاء بحجم (10)متر مكعب لموقع الطارمية ومثلها لاحقاً لموقع الشرقاط. (اجتهدنا بأننا سنستخدم هذه المضخات ضمن مشروع صناعي لفصل حامض الأولييك من الزيوت النباتية.. ولكي نظهر صحة هذا التمويه أعددنا التصميم الأساس والتفصيلي لمنظومة إنتاجية لهذا الحامض وأعددنا برنامجاً تدريبياً نظرياً للمهندسين حول أسلوب تنفيذها ونصبها وتشغيلها كل ذلك كي يكون نقاشهم مع الشركة المجهزة مقنعاً انطلاقاً من مبدأ (الاقتناع قبل الإقناع) وفاتحنا العديد من الشركات المصنعة في دول مختلفة لشراء هذا العدد الكبير من المعدات وسافر مهندسونا المدرَّبون لمفاوضة الشركات المجهزة ووجدوا هناك أن برنامج تدريبهم النظري أعطى ثماره حيث استطاعوا محاورة الشركات المجهزة حول شكوكهم بعدم حاجة المنظومة الإنتاجية (التمويهية) لمضخات بهذه المواصفات وتمكنا من استيراد العشرات من هذه المضخات قبل أن نجابه بحجز 27 مضخة في الولايات المتحدة الأمريكية ومنع الشركة المجهزة (CVC Products Inc.) من بيعها للعراق. وعندئذ حاولنا تصنيع مثل هذه المضخة بأسلوب الهندسة العكسية وتمكنا من تصنيع أنموذج تجريبي واحد. وحين أردنا استيراد زيت الفومبلين لاستخدامه في هذه المضخات وهو زيت يقاوم التعرض لغازات الهالوجينات مثل الكلور أو الفلور أو لمركباتهما وجد مهندسونا الموفدون لمفاوضة الشركات المجهزة صعوبة في إقناع المجهزين بضرورة استخدام هذا الزيت المتخصص جداً لمنظومة إنتاجية بسيطة مثل إنتاج حامض الأولييك فعلق مدير مبيعات إحدى الشركات المجهِّزة قائلاً: (إذا كانت لديكم مبالغ كثيرة لشراء زيت لا تحتاجونه لمنظومة صناعية بسيطة فهذا شأنكم ولابأس لنا من الاستفادة من فائض أموالكم) وعندها التزم مهندسونا الصمت لأن الغاية كانت شراء الزيت وبالكميات الكبيرة المطلوبة.

وبأسلوب المشتريات هذا كنا نبذل جهداً ضائعاً كبيراً لجوانب خارج مسلكنا الأساس ولكنها كانت ضرورية ضمن مسلسل الغش والتمويه. غير أننا لم نكن موفقين في جميع مشترياتنا بهذه الطريقة فعندما أرادت المجموعة الرابعة المعنية ببرنامج التسلح النووي شراء أفران متخصصة لتستخدم في مصبوبات فلز اليورانيوم اتصلت عام 1989 بشركة كونسارك (Consarc Corporation, New Jersy, USA  ) لشراء فرن من نوع شكل الجمجمة يعمل عند درجات حرارة عالية ولغيره من الأفران فكان المخطط المقرر أن تشترى من فرع الشركة في سكوتلاندا تحت غطاء تمويهي لاستخدامها في صب أطراف صناعية لمعوقي الحرب ولم نتمكن من الحصول عليها إذ تدخّل البيت الأبيض الأمريكي ومنع عملية الشراء في حزيران من عام 1990. وحتى لو لم يحصل هذا المنع فلم يكن بمقدورنا تسلُّمها لأن إجراءات الحصار دخلت حيز التنفيذ بعد ذلك بشهرين إثر غزو صدام لدولة الكويت.
=====


#5 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:48 PM

حسين كامل أمر بتصنيع القنبلة وصدام فقد حماسته ... والقصف كاد يسبب كارثة
( 4  من  7)   الحياة    2005/05/12

نعمان: مفاجأة الارتجال والعجلة
بعد أسبوعين كاملين من غزو الكويت وتحديداً في 17 آب (أغسطس) 1990 وعندما كنتُ منشغلاً في مكتبي في موقع التويثة بمسألة علمية هامة في حوالى الساعة 13:30 من يوم قائظ رنّ جرس هاتفي وإذا بي أسمع الدكتور خالد ابراهيم سعيد المدير العام للمجموعة الرابعة يخبرني بانفعال أن حسين كامل في طريقه من البوابة الخارجية إلى البوابة الداخلية لموقع التويثة وأن علينا الذهاب على عجل لاستقباله كوننا المسؤولين الوحيدين المتواجدين في هذا الموقع.

حسين كامل يريد قنبلة نووية على وجه السرعة
لم يترك حسين كامل لنا مجالاً للسلام عليه وعلى رفيقه بل بادرنا بالقول خذوني إلى غرفة اجتماع سرية لا يتمكن أحد من التنصت إلى حديثنا فاقترح خالد الذهاب إلى غرفة اجتماعات شبه مهجورة في مبنى إنتاج النظائر المشعة وكأنه كان مستعداً لأمرٍ كهذا.. وما أن جلسنا حول مائدة الاجتماع حتى بادر حسين كامل إلى إصدار أمره للبدء الفوري بمعاملة قضبان الوقود النووي عالي التخصيب وكذلك الوقود الأدنى تخصيباً بما فيه المشعع وغير المشعع واستخلاص اليورانيوم عالي التخصيب منها لاستخدامه بصنع قنبلة نووية ريثما يصل برنامج التخصيب إلى إنتاج الكميات المطلوبة لإنتاج المزيد من هذه القنابل. وقع هذا الأمر موقع الصاعقة على مسامعي وقلتُ له: "إن هذا الوقود خاضع لرقابة مستديمة لتفتيش دوري ولمرتين في كل سنة من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية". لم يرق هذا الاعتراض لمسمع حسين كامل وأخذته العزة بمركزه لتنفيذ هذا المشروع الذي أطلق عليه اسم البرنامج المعجّل وكاد أن يشتاط غضباً فحاول خالد ابراهيم سعيد تهدئة غضبه بدعوى أن تنفيذ هذا البرنامج أمر ممكن. نظرت إلى عامر السعدي فوجدته يهز رأسه تأييداً للأمر بابتسامته المعهودة التي يُعرف بها. وبينما كان الموقف متشنجاً من غير أن ندرك بأن اعتراضنا على أمر حسين كامل قد يفقدنا المنصب أو ربما يطيح برأسنا دخل جعفر إلى غرفة الاجتماع، حيث كان قد استلم مهاتفة عاجلة من سكرتيره يخبره بوجود حسين كامل في موقع التويثة فحضر مسرعاً، وحال جلوسه على كرسي قبالة حسين كامل أعاد عليه الوزير أمره دون أن يقول له كلمة "الله بالخير" لازمة الترحيب المعروفة عند العراقيين. حوّل جعفر وجهه نحوي وخالد، ثم بدأ يتحدث عن الجوانب التكنولوجية اللازمة لتنفيذ الأمر فتفتحت سريرة حسين حيث اعتبر حديث جعفر التكنولوجي موافقة ضمنية منه على البدء بتنفيذ أمره. ونهض مسرعاً يهبط السلم متخطياً تسلسله المدرج ويتبعه لاهثاً عامر السعدي، أما نحن الثلاثة فلا نكاد نستطيع اللحاق بالاثنين لاضطراب حالنا من صدمة هذا الأمر الذي لم يكن بالبال ولا بالحسبان.

جعفر: بعد توديع حسين وعامر
عدنا إلى مكتبي فأصدرتُ أمراً بتشكيل لجنة برئاسة نعمان وعضوية عدد من الكيماويين والمهندسين الكيماويين والمصممين والمصنعين لتنفيذ الجانب الأول من البرنامج وهو استخلاص اليورانيوم عالي التخصيب من الوقود الفرنسي المشعع لدرجة قليلة والوقود الروسي غير المشعع على أن ينجز العمل في غضون ثلاثة أشهر. وأمرنا خالد أن يسير ببرنامج التسلح بسرعة تتناسب وسرعة الحصول على مادة اليورانيوم عالي التخصيب الملائم لصنع القنبلة، غير أن خالد أخبرَنا بكل برود أن برنامجه يسير بأقصى سرعة ولا يمكن التعجيل به أكثر من ذلك فوعدناه بأننا سندخل مع منتسبيه للتعجيل بالجوانب النظرية لبرنامج التسلح.
وفي اليوم التالي أرسلنا مذكرة إلى حسين كامل أخبرناه فيها أن استخدام هذا الوقود لغير الاستعمالات المقررة له في تشغيل المفاعل النووي سيعني خرق العراق لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) وهي المعاهدة التي كان العراق قد وقع عليها عام 1972 كما أخبرناه أن الوقود يخضع لمسؤولية منظمة الطاقة الذرية العراقية وليس إلى مشروع البتروكيمياويات-3 فجاءت الإجابة سريعة بأن الموافقة قد حصلت على تنفيذ البرنامج وكذلك على نقل الوقود من مسؤولية منظمة الطاقة الذرية إلى مشروع بترو-3. وأدركنا أن جملة (حصلت الموافقة) تعني عرفاً موافقة الرئيس بالذات فبدأنا بتنفيذ البرنامج المعجل بثقة واطمئنان على أن البرنامج يحظى بموافقة المسؤول الأعلى في العراق. أما نحن مؤلفي هذا الكتاب فلا نعلم حتى الآن مَن الذي أوحى لحسين كامل بهذه الفكرة إذ أنه لم يكن يعلم بوجود هذا الوقود ولم يعلم بإمكان استخلاص اليورانيوم عالي التخصيب منه، أي أنه لا بدّ وأن يكون قد وصله مقترح من شخص ذي خلفية علمية نووية.

الأيام تتسارع والمخاوف تتحقق
وبدأ تشاؤمنا يزداد يوماً بعد يوم غير أن عملنا تواصل وفق الخطة وبالزخم ذاته وكأن شيئاً لم يحدث وبدأنا نلاحظ عناد صدام وعدم استجابته للانسحاب من الكويت كما أنه لم يكترث لتجمع مئات الآلاف من أفراد قوات الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في منطقة الخليج العربي. واستمر صدام يعيش في برجه العاجي أسير أفكاره وتخيلاته إذ إن المعروف عنه – وهو يتباهى بذلك دوماً - أنه لا يتراجع عن قرار اتخذه.

نعمان: واستمر العمل بالبرنامج
استمر نشاطنا في نصب الفاصلات الكهرومغناطيسية الإنتاجية في موقع الطارمية فاكتمل نصب ثماني فاصلات وخضعت للتشغيل التجريبي حيث أنتجنا حوالى 750 غراماً من اليورانيوم بدرجة تخصيب 3-4 في المئة وهو إنجاز مهم تكنولوجياً غير أنه غير كافٍ - لا من حيث كمية المنتج ولا من حيث درجة التخصيب لصنع قنبلة نووية. ووصل البرنامج المعجّل بقيادتنا إلى مراحل متقدمة حيث أُنجز تصميم وتصنيع ونصب وتجربة منظومة استخلاص اليورانيوم من قضبان الوقود المخزونة ذات التخصيب العالي (93 في المئة) ثم جاء حسين كامل لتفقدها ففرح بما تحقق من إنجاز.

جعفر: دعوتي لزيارة صدام حسين
بعد يومين أو ثلاثة من زيارته هذه طلب حسين كامل مني مرافقته لزيارة صدام حسين في داره في الرضوانية واستقبَلنا مرافقه الأقدم اللواء أرشد ياسين (زوج أخته غير الشقيقة) والذي هيأ لنا مكاناً للاجتماع في باحة قصره السكني ذلك. بادر حسين كامل بإعلام صدام حسين بالتقدم الحاصل في البرنامج المعجّل وأنه سيحصل على كمية من اليورانيوم عالي التخصيب كافية لتصنيع قنبلة نووية أولى في غضون فترة قريبة، غير أن صدام استمع دون أن يعقب، إذ كان سارح الذهن يفكر في أمر ما يقلقه فلم يعلق على الخبر ولم يحث على المزيد من الاستعجال فأيقنتُ أن صدام غير مستعجل بالأمر وسألت نفسي: تُرى لماذا بدأنا المشروع إذا ؟! ولماذا ضيعنا جزءاً مهماً من جهدنا وسنعرِّض العراق للمساءلة عن سبب خرقه لتعهداته ضمن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ؟! وهكذا يبدو لنا الآن ونحن نسجل الشهادة أن حسين كامل كان يتصرف لذاته يدفعه إلى ذلك غروره واعتداده بنفسه وعدم وجود أحد في الدولة ممن يجازف ويعارضه أو يقول له إن قرارك هذا غير صحيح.

نعمان: الليلة الأخيرة
في حدود الساعة الثامنة من مساء الأربعاء 16/1/1991 قمنا بجولة ضمن أرجاء موقع التويثة يرافقنا سامي الأعرجي فتفقدنا خنادق الطوارئ التي كانت قد حُفِرت في عدة أماكن من حدائق التويثة الجميلة فشوهتها ووجدنا تلك الخنادق غير ملائمة للجوء المنتسبين داخلها فهي ضيقة ورطبة ومغطاة بصفائح غير سميكة من الفولاذ المغلفن وفوقها طبقة من التراب فاستنتجنا أنها غير ملائمة ولكن ما العمل الآن ؟!
ثم ذهبنا للقاء أعضاء اللجنة المعنية بتنفيذ البرنامج المعجَّل فوجدناهم يستعدون لإذابة أحد قضبان الوقود الفرنسي المنشأ في خزان الإذابة وهي الخطوة الأولى ضمن خطوات استخلاص اليورانيوم عالي التخصيب من قضيب الوقود المكون أصلاً من يورانيوم مغلفٍ بسبيكة من الألمنيوم. وبعد مداولة مستفيضة تقرر إرجاء هذه الخطوة الحاسمة إلى صباح اليوم التالي فيما إذا لم يحدث العدوان في تلك الليلة ولنطلب من جعفر الحضور لمشاهدة البدء بهذا العمل الهام والمحفوف بالمخاطر التكنولوجية وبتبعاته السياسية. ولاحظنا أن مفاعل 14 تموز (IRT 5000) كان لا يزال يعمل بكامل طاقته في هذه الليلة التي تنذر بالشؤم، ولم أتدخل في الأمر حيث أن جعفر كان قد طلب من منظمة الطاقة الذرية الاستمرار بتشغيل المفاعل بهدف تشعيع مادة البزموث والحصول على مقادير من البولونيوم 210 لاستخدامه كقادح للقنبلة النووية. ووافق رئيس المنظمة على مضض تنفيذ الطلب وعدم رفضه فهو يعلم أن حسين كامل متأهب لإبلاغ صدام بأن رئيس المنظمة يضع العراقيل أمام البرنامج النووي، ومن يقوى على إزعاج صدام في تلك الأيام العصيبة ؟!
غادرت بعد ذلك إلى داري مرهقاً وخلدت إلى نوم قلق دون تناول وجبة العشاء المتأخرة جداً.
وعند الساعة الثانية والنصف من بعد منتصف الليل استيقظنا مع جميع أفراد العائلة على أصوات انفجارات مدوية فتجمع الجميع في ركن آمن من أركان البيت في الساعة السابعة من صباح يوم 17/1/1991 وصل السكرتير مؤيد (أبو أحمد) إلى دارنا يقود السيارة المخصصة لنا أثناء الطوارئ وكانت من نوع لاندكروز واصطحبنا إلى موقع التويثة مروراً بشوارع بغداد وقد وجدناها مقفرة وموحشة.
وصلنا وسكرتيرنا الذي واصل مرافقتنا طيلة أيام الحرب إلى موقع التويثة فوجدنا سامي الأعرجي وفريق طوارئه قد تخندق في ملجأ تحت أرض مباني هيئة الخدمات الهندسية الواقعة قرب السياج الخارجي لموقع التويثة. وتجولنا ضمن موقع التويثة نتفقد أبنيتها فوجدناها سالمةً ولم تصب بأذى.

جعفر: في صباح يوم العدوان
غادرتُ منزلي صباح الخميس يرافقني الملازم الثاني محمد ياسين قاصداً الموقع البديل لمقر وزارة الصناعة والتصنيع العسكري - في بناية تسويق إطارات السيارات في موقع السيدية جنوب غربي بغداد - ومن هناك غادرتُ إلى موقع التويثة حيث استقبلني العقيد أحمد المشهداني مدير أمن البرنامج النووي الوطني ثم اتجهنا صوب مقر قوة الدفاع الجوي لجنوب بغداد الذي يقع خارج سياج التويثة من الجهة الشمالية وعلى بعد بضع مئات الأمتار من نهر دجلة فالتقينا بآمر تلك القوة العميد الركن ناجي خليفة الذي طلب منا تزويد قوته بكميات مضافة من الماء والغذاء لتوزيعها على جميع سرايا قوته المتخندقة حول موقع التويثة كما طلب وقود الديزل لتشغيل أجهزة توليد الدخان الذي يؤمّن التشويش على متحسسات صواريخ توماهوك فيحرفها عن أهدافها، ثم توجهنا إلى مصنعي الربيع ودجلة في موقع الزعفرانية القريب من موقع التويثة فالتقينا بمنتسبي الطوارئ فيها وارتحنا لحالهما، ثم بعد ذلك غادرنا بسرعة إلى مركز السيطرة على توزيع القدرة الكهربائية ضمن بغداد وهو يتبع مؤسسة الكهرباء ومن بعد ذلك زرنا المحطة الثانوية بجهد 400 كيلوفولت في شرق بغداد كما زرنا محطات التحويل الثانوية بقدرة 132 كيلوفولت والموجودة في منطقتي المشتل وبغداد الجديدة جنوب - شرقي بغداد وتفقدنا جميع هذه المحطات وأعددنا تقريراً موجزاً بالدمار الذي لحق بها في الليلة الأولى من القصف أرسلناه إلى الموقع البديل لاطلاع الوزير حسين كامل.

يفعلون عكس ما يقولون في القوانين الدولية
مساء يوم الجمعة 18/1/1991 ظهر جورج بوش الأب على شاشة التلفزيون ليعلن للأمة الأميركية وللعالم أجمع أن جميع المنشآت النووية العراقية قد دُمرت بالكامل ولم تعد تشكل خطراً على السلام العالمي. أثار إعلانه ذلك لدينا الاستهزاء والسخرية فنحن نعلم أفضل من أي شخص آخر أن جميع منشآتنا النووية كانت سالمة إلى تلك اللحظة فأدركنا أن العدوان الأميركي على العراق لم يكن قطعاً لتحرير الكويت بل كان هذا (التحرير) ذريعة لتحطيم كل ما بناه العراق من معالم الحضارة الإنسانية المعاصرة وأن أهم معلم يرغب بوش تدميره هو البرنامج النووي لتبقى إسرائيل المدللة الوحيدة في المنطقة العربية والتي تمتلك سلاحاً نووياً ترهب به العرب.
ومما يجدر ذكره أن الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت قد أصدرت قراراً تأريخياً في أعقاب عدوان إسرائيل على مفاعل تموز العراقي في 7 حزيران 1981 وينص على أن العدوان على منشآت نووية يكافئ عدواناً بالسلاح النووي. واستناداً لهذا القرار وظناً منا أن أخلاقيات دول الحلفاء سوف لن تسمح لها بالاعتداء على المنشآت النووية العراقية أثناء هذه الحرب كي لا تعرض العراق والدول المجاورة لأخطار تسرب إشعاعي. وكم كان ظناً خاطئاً فلم تمضِ سوى أيام قلائل على إعلان بوش الأب حتى انقضّت طائرات وصواريخ الأمريكان على مباني موقع التويثة وهو الموقع المعلن والمعروف للجميع بكونه موقعاً نووياً. فدمرت مفاعل 14 تموز للأبحاث والذي كان يعمل بكامل قدرته عشية عدوان عاصفة الصحراء ثم دمرت مبنى مفاعل تموز2 وهو المفاعل قليل القدرة الذي لم تصبه إسرائيل في عدوانها قبل عقد من السنين وربما كانت مدركةً ضمن خططها الشيطانية أنها ستترك تدميره لحليفتها الولايات المتحدة الأميركية. وكاد تدمير هذين المفاعلين أن يخلق حادثة نووية مروِّعة لولا عناية الله جلت قدرته في حماية العراق.

نعمان: إنقاذ ما يمكن إنقاذه
جاء هذا العدوان على موقع التويثة ليضعنا أمام مسؤولية كبيرة تجاه شعبنا وتجاه شعوب العالم فتقرر نقل الوقود من تحت أنقاض المفاعلين المدمرين إلى موقع آمن في مكان قريب من موقع التويثة يسمى جرف الندَّاف ويبعد عنه نحو 7 كم فأجرى جعفر اتصالات مستعجلة وعلم بوجود أحواض كونكريتية لدى منشأة الفاو العامة بحجم 2.5×2×2 متر مكعب كانت المنشأة قد بنتها لخزن الماء لمواقع القوات المسلحة المرابطة في الأراضي العراقية والكويتية فابتاع عدداً منها ووضع كل واحدة داخل حفرة في موقع جرف الندّاف وضمن محيط دائرة واسعة. وتولّى مصنع الربيع الميكانيكي تصنيع أحواض من الحديد المغلفن ثم وُضعت داخل الأحواض الكونكريتية وملئت بالماء اللاأيوني (أي الخالي من الأملاح)... كل ذلك أنجز أيام الحرب ثم جاءت الفعاليات البطولية حيث تطوع عدد من المنتسبين للتسلل إلى أقبية الوقود في أحواض مائية تحت أنقاض المفاعل المدمر وكأنهم محترفو تسلق الجبال تحزموا بحبال يمسك بها رجال خارج المبنى المدمر فأخرجوا قضبان الوقود من مخابئها تحت الأنقاض ونقلوها إلى الموقع الأكثر أمناً ضمن سلالٍ من الشباك المصنوعة من الفولاذ الذي لا يصدأ وأشرف جعفر بنفسه على هذا الإنجاز الكبير الذي تم أثناء النهار وفي فترات متقطعة بين غارات الحلفاء غير آبهين بتساقط القنابل من حولهم يدفعهم إلى ذلك شعورهم الوطني بواجب تجنيب العراق كارثة بيئية محققة هي عندهم أهم بكثير من أرواحهم وسلامتهم.

جعفر: قرار جديد
وفي نيسان (ابريل) 1991 صدر قرار بتفكيك وزارة الصناعة والتصنيع العسكري إلى كيانين: الأول هو وزارة الصناعة والمعادن والثاني هيئة التصنيع العسكري وأبقى القرار على حسين كامل مشرفاً عليهما... إضافة لكونه وزيراً للدفاع ومشرفاً على وزارة النفط آنذاك وعُيِّن عامر السعدي وزيراً للصناعة والمعادن، وحيث أنني كنتُ قبل ذلك مسؤولاً عن قطاع الكهرباء وهو قطاع عائد إلى وزارة الصناعة والمعادن فالتحقتُ بالعمل وكيلاً لهذه الوزارة ومسؤولاً عن قطاع الكهرباء أيضاً فتوطدت صداقتي مع عامر السعدي واقتربت وجهات نظرنا في العديد من الشؤون التكنولوجية والصناعية. وأصبحت هيئة التصنيع العسكري تحت إدارة الوكيل الأقدم عامر محمد رشيد العبيدي والوكيل العميد نزار جمعة قصير العاني.
في 8 تموز 1991 أصدر حسين كامل أمراً بتعييني لهيئة التصنيع العسكري وكالة وهي مؤسسة عملاقة تحتاج إلى مدير متفرغ لإدارتها بالكامل مما أبعدني أكثر فأكثر عن منتسبي بترو-3 مما جعلهم يشعرون بأنهم أصبحوا الآن بلا قائد موجِّه ولا هدفٍ، فأي تحطيم للمعنويات أكثر من هذا لأناس كانوا شعلة وضاءة وجيشاً معطاءً في العلم والتكنولوجيا.

جعفر: وللحديث هذه الصلة
بعد بضعة أيام من مباشرتنا منصب إدارة الهيئة أمرنا حسين كامل بإعداد مسودات لأوامر يُصدرها صدام بنقل عدد من فعاليات بترو-3 إلى الهيئة وأعددنا خمسة فقط وقعها حسين في الحال وبعث بها إلى مكتب رئيس الجمهورية لغرض توقيعها.
في تشرين الأول من العام ذاته استقال حسين كامل من جميع مناصبه من غير أن ينشر السبب عن هذا الحدث المفاجئ غير أننا نستطيع الآن توضيح الأسباب التي أدت لذلك بما يلي:
إثر قصف الجسور في العراق خلال عاصفة الصحراء تضرر العديد منها ومن بينها جسر الجمهورية في بغداد الذي يعد أهم جسر في مركز بغداد ويقع بجوار وزارة التخطيط كما تهدم الجسر المعلق بالكامل وهو الذي يربط الكرادة داخل بكرادة مريم في الكرخ ويقع على مقربة من البوابة الجنوبية للقصر الجمهوري. وكان حسين كامل رئيساً للجنة العليا للحشد الهندسي للطرق والجسور (تشكلت أثناء الحرب العراقية - الإيرانية لدعم المجهود الحربي في إنشاء الطرق والجسور والسواتر الترابية) وهي لجنة تضم عدداً من الوزارات والشركات الإنشائية ذات الصلة وسكرتيرها العام عدنان عبد المجيد جاسم العاني أحد وكلاء وزارة الصناعة والتصنيع العسكري آنذاك. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها أُوكِل لهذه اللجنة مسؤولية وضع الأولويات لإعمار جسور العراق المتضررة كافة بما في ذلك إصلاح الجسرين في بغداد فأُوكِل إصلاح جسر الجمهورية إلى وزارة الإسكان والتعمير في حين أُوكِل إصلاح الجسر المعلق إلى هيئة التصنيع العسكري. بعد الحرب كان إعمار جسر الجمهورية عملاً مدنياً تقليدياً فسارت عملية إعماره بسرعة بينما تطلب إعمار الجسر المعلق تهديمه بالكامل بجهد صنف الهندسة الآلية الكهربائية التابعة للجيش وتطلب إعماره استيراد الحبال الفولاذية وتصنيع الكثير من المستلزمات محلياً. إكتمل إصلاح جسر الجمهورية بوقت قياسي في تموز من عام 1991 فتولى وزير الإسكان والتعمير المهندس محمود ذياب أحمد المشهداني زف البشرى إلى صدام حسين مباشرةً دون إرسالها عبر اللجنة العليا للحشد الهندسي التي يترأسها حسين كامل فكان ذلك سبباً لغضبه لأنه رغب أن يتولى ذلك بنفسه باعتباره مسؤولاً عن الإعمار. إستجاب صدام حسين لطلب وزير الإسكان والتعمير أن يتم حفل تدشين الجسر برعايته (الكريمة)، ورشح عزت ابراهيم لرئاسة الاحتفالية نيابةً عن رئيس الجمهورية. وفي صبيحة احتفالية افتتاح الجسر تولى حاجم خميس مدير مكتب حسين كامل إبلاغ الوزراء ومن هم في درجة وزير ووكلاء الوزارات التي يشرف عليها حسين كامل بعدم حضور الاحتفالية وهو إجراء غير مألوف نظراً لأن أي احتفالية برعاية رئيس الجمهورية تقتضي وجوب حضور جميع المدعوين إلى الاحتفالية، غير أن أمر حسين كامل تغلب على البروتوكول فتخلف جميع من أُبلغ بعدم الحضور.
جرت الاحتفالية في الصباح ثم عبر الجسر صدام حسين راجلاً ليلاًً لتفقد الجسر فأصدر أوامره بتكريم وزير الإسكان والتعمير والعاملين بمعيته في إصلاح الجسر. جنّ جنون حسين كامل وتصرف كطفل مدلل فأرسل ورقة استقالته من جميع مهامه الإشرافية على الوزارات والهيئات واللجان العديدة. وقبِل صدام استقالة صهره وعيّن ابن عمه علي حسن المجيد (وهو عم حسين كامل) وزيراً للدفاع.
وفي اليوم التالي اتصلنا بوزير الدفاع الجديد نستفسر منه في ما إذا يتوجب علينا الاستمرار بمنصبنا مديراً لهيئة التصنيع العسكري وكالة فأبلغنا الوزير أن أمر حسين كامل لم يكن نظامياً وعليه لا يعتقد أن بقاءنا في ذلك المنصب أمر مستساغ فاتصلنا بمكتب رئيس الجمهورية وتسلمنا أمراً خطياً من رئاسة الجمهورية بضرورة التحاقنا بمنصبنا السابق وكيلاً لوزارة الصناعة والمعادن وأن نستمر بتركيز جهدنا لإدارة شؤون قطاع الكهرباء.
وفجأة قرر صدام آخر شباط (فبراير) 1992 إعادة تعيين حسين كامل مشرفاً على هيئة التصنيع العسكري وعلى وزارة الصناعة والمعادن ووزارة النفط وبذلك عاد إلى وضعه السابق، الرجل الثاني في نظام صدام.
في أول أعماله استحصل حسين كامل على أمر من صدام بنقل بترو-3 بكامل معداتها وتجهيزاتها ومنتسبيها إلى هيئة التصنيع العسكري فعقد اجتماعاً على عجل مع الكادر المتقدم لبترو-3 مساء 13/3/1992 وأخبرهم بقرار النقل وأعلمهم بأنه يتضمن احتفاظ منتسبي بترو-3 بكافة امتيازاتهم ودرجاتهم الوظيفية السابقة وأن القرار يقضي أيضاً - واعتباراً من ذلك اليوم - بانتهاء الوجود الرسمي لمشروع بترو-3 مما يعني إلغاء هذا الكيان وإلغاء برامجه وخططه السابقة كافة وأن المنتسبين سيتوزعون على منشآت التصنيع العسكري كل بحسب اختصاصه. فودع أولئك المنتسبون الحاضرون بعضهم بعضاً وأدركوا احتمالية عدم التقائهم لاحقاً وأنهم وبكل تأكيد سوف لن يعملوا مع بعضهم كوحدة متماسكة نظراً لأن هيئة التصنيع العسكري واسعة جداً ومنشآتها منتشرة ضمن رقعة جغرافية كبيرة ولا رابط بينها سوى الإدارة المركزية للهيئة.

نعمان: نعم سيدي... أمرك سيدي
خرجتُ من ذلك الاجتماع في ساعة متأخرة من المساء مكتئباً فلقد أضعتُ أفضل مرحلة من عطائي العلمي ضمن برنامج لم يعطِ ثماره والآن انتقلنا إلى هيئة تنفيذية لا مجال للبحث العلمي فيها وإن وجد فيجرى على وفق مفاهيم المؤسسة العسكرية وأنه سيصعب عليَّ وأنا العالم الباحث الليبرالي المنهج والسلوك أن أعمل بمعية مجموعة من الضباط لم أسمع منهم طيلة ذلك الاجتماع غير كلمات نعم سيدي، أمرك سيدي، و(صار سيدي) مع تبجحات تسهيل الأمور خلاف ما تحتمل ولدينا مثال: أخبرتُ حسين كامل أثناء الاجتماع أن المجموعة الكيميائية التي كانت تعمل في موقع التويثة لم يعد لها مختبرات تعمل ضمنها وهي الان محشورة في بناية لا تصلح حتى كمكاتب للدراسة النظرية فأدار وجهه صوب نائبه نزار جمعة القصير وقال له عليك أن تبني لهذه المجموعة وعلى وفق متطلبات نعمان بناية تلائم عملهم على أن تنجز البناية في غضون ثلاثة أشهر فقال له (نعم سيدي) فعجبتُ لذلك إذ أن خبرتي ترشدني أن هذه المدة قد لا تكفي لتحديد المواصفات وإنجاز التصميم الأساس وفي اليوم التالي استدعاني نزار إلى مكتبه واستدعى المدير العام لتنفيذ المشاريع الصناعية الدكتور علاء محمود حسين التميمي وهو أحد منتسبينا السابقين وقرأ عليه أمر حسين كامل كما مدون في مفكرته وقال له نريد أن نفتتح المبنى في 17 تموز المقبل فأجابه- أمرك سيدي. فالتفت إليّ وقال: "هذا هو فماذا تريد؟! (وكأن المبنى قد اكتمل)...
=====


#6 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:50 PM

المفتشون يطاردون شاحناتنا التي تحاول إخفاء المعدات النووية... والأقمار الاصطناعية تراقب
( 5  من  7)   الحياة    2005/05/13

بعد انتهاء حرب الخليج الأولى وبينما كانت المناقشات تدور في أروقة مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد في شأن العراق، نشرت جرائد العراق النص العربي لمسودة القرار المزمع إصداره، وعند قراءته اتفق عامر السعدي وجعفر أن يتقدما بمذكرتين منفصلتين الى حسين كامل عما يجب اتخاذه في ضوء هذا القرار حين صدوره وقررا أن يتناول عامر السعدي شؤون الأسلحة الكيميائية والبايولوجية وشؤون برنامج تطوير الصواريخ البالستية وان يتناول جعفر شؤون البرنامج النووي.
وفي 3 نيسان 1991 أصدر مجلس الأمن القرار 687 (لسنة 1991) والذي وُضعت بموجبه أكثر البنود تشدداً وصرامة في تاريخ التفتيش وضمنه شروط وقف إطلاق النار بين العراق والقوات المتحالفة فدوّن في الفقرة 12 من الجزء 2 من القرار ما نصه "يتوجب على العراق أن يلتزم دون قيد أو شرط بعدم تطوير أو بناء أو استخدام أسلحة نووية وعدم إنتاج مواد تصلح لتصنيع قنابل نووية وعدم إجراء اي بحوث أو تطوير أو بناء منظومات أو ورش يمكن استخدامها لهذا الغرض"، واشترط على العراق أن يعلن خلال خمسة عشر يوماً من تاريخه عن كميات وأنواع ومواقع هذه الأمور وأن يضعها جميعاً تحت تصرف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) إذ يتوجب عليها تدمير او نقل او إبطال مفعول جميع هذه المواد والمعدات والمنظومات". ووعد القرار في ضوء إكمال كل ما يرد في البنود 8-13 منه وعند حصول قناعة لدى مجلس الأمن من تحقق ذلك بأن تلغى إجراءات الحصار على استيرادات العراق لسد حاجاته وكذلك تصدير البضائع والمواد المنتجة في العراق كما وردت في القرار 661 (لسنة 1990).
وفي 10 نيسان 1991 وافق العراق رسمياً على القرار 687 (لسنة 1991) فتولى جعفر ونعمان إعداد مذكرة إلى حسين كامل أوصيا فيها بإعلان جميع أنشطة البرنامج النووي الوطني المتوقف، وذكرا تفاصيل عن المواقع والمنظومات والمواد والانشطة التي نصحا بإعلانها بموجب شروط هذا القرار.
أعاد حسين كامل المذكرة فوراً موجهاً بها التقيّد بإعلان النشاط النووي المُعلن سابقاً والمعروف للوكالة الدولية فقط والامتناع عن إعلان أي من جوانب البرنامج النووي الوطني السابق (أي إخفاء البرنامج بالكامل). وأصدر توجيهاً مماثلاً إلى عامر السعدي بشأن البرامج الأخرى من أسلحة الدمار الشامل فجاءت توجيهاته صدمة مزعجة وكبيرة لنا دون أن نستطيع تخطِئة القرار بعدم واقعيته لا سيما أننا قدّرنا بأن توجيهاً خطيراً كهذا لا بد أنه قد حظي بموافقة رئيس الجمهورية. ونحن نعتقد الآن بأن حسين كامل لم يشرك غيره من كبار المسؤولين عن العلاقات الدولية من أمثال طارق عزيز أو أحمد حسين خضير وأنه اتخذ ذلك القرار بمفرده أو على الاقل، ربما قد أحاط صدام علماً به، وأفلح آنذاك بإقناعه أن إخفاء مكونات برامج أسلحة الدمار الشامل أمر سهل وممكن. وبموازاة ذلك صدر أمر إلى وزير الخارجية حينئذ أحمد حسين خضير أن يقدم إلى مجلس الأمن إعلان العراق حول أسلحة الدمار الشامل وعلى وفق متطلبات القرار 687 (1991)، أي بموعد أقصاه 18 نيسان عام 1991.
وفي ذلك اليوم بالضبط أرسل الإعلان العراقي الاول إلى مجلس الأمن وفيه ذكر وزير الخارجية أن العراق لم يمتلك أسلحة نووية ولا مواد تصلح لتصنيع سلاح نووي، وأعلن عن امتلاكه كميات محددة من السلاح الكيميائي فقط وامتلاكه 53 صاروخ أرض-أرض من نوع سكود أو صواريخ الحسين كما كانت تسمى... وتضمن الإعلان عدم امتلاك العراق لأي سلاح أو برنامج تسلح بايولوجي.. وكان هذا الاعلان الاول مدعاةً لاستهجاننا جميعاً لاننا على علم بواقع برامجنا ونعلم أنه لن يقنع مجلس الأمن، وأن هذه الكذبة ستجرنا إلى كذبة تليها كذبة، وأن تبعات هذا السلوك الخاطئ سنتحمله نحن العلميين وسيتحمله الشعب العراقي الذي فقد الحال والمال، ولم يبقَ لديه غير الكرامة.

نعمان: المناورة والتمويه
انطلقت لجنة موقع التويثة بإجراءات الغش والتمويه فوجدت أن أهم مبنيين يتوجب إخفاء نشاطهما هو مبنى تجارب الفاصلات الكهرومغناطيسية ومبنى مشاريع تجارب الهندسة الكيميائية. ووجدنا أن تمويه المبنى الأول لم يتطلب كثيراً من العناء فلقد تعرض المبنى إلى قصف شديد وتدمير كبير بقنابل وصواريخ الحلفاء خلال عاصفة الصحراء. فما كان علينا إلاّ نقل الفاصلات إلى خارجها وانتزاع جميع خدمات المبنى، من مولّدات قدرة كهربائية وأجهزة إلكترونية، وتابلوات نقل القدرة الكهربائية وأسلاك نقل الإشارة الكهربائية إلى أجهزة القياس والسيطرة التي نُقلت بالكامل إلى خارج المبنى.
بعد الاطمئنان إلى إجراءات موقع التويثة انتقلتُ إلى موقع الطارمية والتقيتُ مديره العام ظافر سلبي فوجدتُه متشائماً بشأن إجراءات تفكيك مكونات الفاصلات الكهرومغناطيسية الإنتاجية كبيرة الحجم والوزن، فقال إن تفكيكها ونقلها تطلّب مجهوداً لا يقل إرهاقاً عن مجهود نصبها وتشغيلها التجريبي.
سألت المدير العام للموقع عن نشاطٍ بديلٍ غير نشاطهم الحقيقي فأخبرني بأن مباني الفاصلات كانت معدّة لإصلاح المحولات الكهربائية العملاقة العائدة لمؤسسة الكهرباء في وزارة الصناعة والمعادن. أما مباني معاملة اليورانيوم المخصب والمنضب كيميائياً فكانت مخصصة لاستخلاص الفلزات الثمينة من مخلفات تكنولوجيا إصلاح المحولات. وعلى الرغم من كون هذا السيناريو غير مقنع إلاّ اننا لم نستطع اختلاق بديل أفضل، فتمسكنا به.
وانتقلتُ بعدئذ إلى موقع الأثير فاجتمعتُ بمديره العام خالد ابراهيم سعيد وبرؤساء فعاليات الموقع، وعلمتُ أنهم قد نقلوا جميع معداتهم وأجهزتهم الثقيلة إلى موقع إخفاء بعيد وعلمتُ أن الاستخدام البديل لموقعهم كان بحوثاً وتجارب في علوم وتكنولوجيا المواد. وإنهم قد أحكموا قصة للبحوث التي تجرى في كل مبنى من مباني ذلك الموقع ولم يكتفوا بذلك بل طبعوا كراساً أنيقاً يشرح النشاط البديل لموقعهم يحمل تاريخ عام 1989. عدتُ من جولتي وبعثتُ بتقرير شامل إلى جعفر الذي أحاله بدوره إلى حسين كامل.

جعفر: توجيهات حسين كامل المتسرعة
أرسلتُ مذكرة مقتضبة إلى حسين كامل أبلغته فيها بإجراءاتنا في تفكيك البرنامج وإخفائها وأعلمتُه بأن المواقع قد اختلقَت أنشطة بديلة لأنشطتها الحقيقية. وأعلمتُه بأن إجراءاتنا تلك غير محكمة بما فيه الكفاية نظراً لضخامة حجوم المعدات وتنوعها وأعدادها الكبيرة وأعلمتُه أيضاً بهشاشة الأنشطة البديلة التي اختلقنَاها.
لم يأخذ حسين كامل تفاصيل مذكرتي على محمل الجد والاهتمام ولما قابلته وشرحتُ له الموقف، أبلغني بانفعال: "إذا كنتم لا تستطيعون إخفاءها سلمونا إياها لنتولى نحن ذلك". غادرت عصر ذلك النهار إلى الموصل لتفقد محطات الكهرباء المدمرة ولم أنفذ توجيه حسين كامل.
وعندما عدتُ إلى بغداد وجدتُ الأمور في فوضى كبيرة حيث كانت سيارات النقل الخاصة واقفة في طوابير طويلة أمام موقع مصنع الربيع في الزعفرانية وأمام موقع الطارمية، فكانت تحمّل بالمعدات المتنوعة والثمينة والحساسة دون اهتمام بجردها ولا بترتيبها بعناية على ظهر السيارات الناقلة ثم تغادر السيارة بقيادة مالكها وأحد منتسبينا، وحين وصولها موقعاً محدداً في مركز بغداد يتسلم قيادتها شخص لا نعرفه فينطلق بها ويترك موظفنا ومالك الشاحنة لا يعرفان ماذا سيحل الدهر بحمولتهما وبالشاحنة نفسها، وتعود السيارة فارغة صباح اليوم التالي لتسلم لهما وتعاود عملية النقل ثانية وهكذا...

نعمان: هكذا بدأتْ عمليات التفتيش
في مساء يوم 14 آذار 1991 أخبرني مدير مكتب جعفر أن فريق التفتيش الأول التابع للوكالة الدولية قد وصل بغداد، وأنه يتوقع بدء عملية التفتيش في الصباح التالي بموقع التويثة.
وصلتُ موقع التويثة في الساعة السابعة من صباح 15 آذار واتخذنا مبنىً بجوار مبنى الإدارة العامة للمنظمة موقعاً لعمل فريقنا، وأعددنا مبنى استعلامات موقع التويثة المجاور لنا ليكون مقر عمل فريق الوكالة. وفي تمام الساعة الثامنة صباحاً لاحظتُ عدداً من سيارات فارهة حديثة تقف أمام المبنى ذاته يرشدها أحد منتسبي أمن واستعلامات بوابة الموقع الخارجية. ترجّلوا من سياراتهم وكلّفت أحد أعضاء فريقي للترحيب بهم وإرشادهم إلى مقر عملهم.
كان أول عمل بدأوه، هو نصب طبق متوسط الحجم للاتصال الهاتفي بواسطة قمر الاتصالات البحرية (INMARSAT) متمكنين بذلك من إبلاغ مقرهم في واشنطن وفيينا وكذلك مقرهم في منطقة القناة والذي قد حوّروه ليكون مقراً لعملياتهم بعد أن كان فندقاً لتدريب طلاب معهد التدريب الفندقي في بغداد. ثم تولى مسؤول فريق التفتيش ديمتريوس بيريكوس وهو يوناني الجنسية وأحد موظفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية... فأخبر نائبي سرور ميرزا محمود أن فريقه البالغ عدد أعضائه 34 مفتشاً جاءوا إلى بغداد لتنفيذ ثلاث مهمات للتحقق من صحة معلومات إعلان العراق عن برامجه في 18 نيسان الماضي مبتدئين بتفتيش موقع التويثة، ومن ثم قد يزورون مواقع أخرى يحددها لهم فريق أونسكوم في نيويورك. وسلم بيريكوس إلى سرور مخططاً لموقع التويثة مؤشراً عليه بمربعات على مواقع عدة بأرقام متسلسلة، وطلب منه أن يتم إعطاء اسم لكل مربع ووصفاً موجزاً لنشاطه السابق على أن تكون جاهزة نهاية ذلك اليوم أو صباح الغد كموعد أقصى... جاء سرور حاملاً المخطط فأدركنا في الحال أنه مخطط مشتق من صورة جوية مصورة ربما من أحد أقمار التجسس الأميركية العديدة المكلفة بمراقبة العراق وتصوير كل صغيرة وكبيرة على أرضه ولمرات عدة كل يوم... لم نكن نمتلك أي خارطة لموقع التويثة في حينه، فأمضينا ذلك النهار نخمّن ما يشير إليه كل مربع في المخطط، وقدّمنا أسماء الأبنية ومهماتها باللغة الإنكليزية، وسلمناها لهم قبل مغادرتهم الموقع مساء ذلك النهار. جاؤونا صباح اليوم التالي وسلمونا نسخة من مخططهم مرفقاً بها قائمة مطبوعة بما قدمناه لهم من مسميات. وأشاروا إلى مربع صغير في الجهة الجنوبية الشرقية من المخطط وبمحاذاة الساتر الترابي الكبير المحيط بموقع التويثة. وقال ممثلهم لممثلنا بصلافة: (سوف لن نبدأ عملية التفتيش ما لم تعطونا اسم هذا المكان المحدد ومهماته)... أرسلتُ أحد منتسبي دائرة السلامة بصحبة أحد ضباط أمن الموقع لتفقد المكان المؤشر وإعلامي على عجل فجاءا قائلين إنه مكان حفرة تُرمى فيها نفاياتٍ واطئة الإشعاع مكونة من ملابس وأحذية واقية وأوراق تنشيف قبل اتخاذ إجراءات غسلها أو طمرها فأرسلنا لهم المعلومة. وقال رئيسهم مهدداً: (حسناً فعلتم وإلاّ كنا سنتصل حالاً بمقرنا لنخبرهم رفضكم التعاون معنا).

نعمان: جر الحبل مع مفتشي الوكالة
استمر فريق الوكالة الأول بعملية التفتيش للفترة من 15 إلى 21 آذار (مارس) 1991 حيث غادرونا بعد ذلك وتنفس أعضاء فريقي الصعداء وتمتعوا بالراحة. ولكن ما أن قدمنا إلى جعفر عرضاً عن صراعنا مع مفتشي الفريق الأول حتى جاءتنا الأوامر بتهديم بنايتين في موقع التويثة كانت أولاهما تضم المنظومات التجريبية للفاصلات الكهرومغناطيسية والثانية تضم المنظومات الكيميائية الساندة لهذا البرنامج، فتولينا تهديمهما بالكامل ونقل الأنقاض خارج موقع التويثة وتسوية موقعيهما تسوية شاملة... كما أكملت الإشراف على إعداد السيناريوات البديلة لأنشطة المواقع الأخرى للبرنامج النووي الوطني.
جاءنا فريق التفتيش الثاني من الوكالة الدولية في 22 حزيران (يونيو) 1991 واستمر عملهم إلى 3 تموز (يوليو) 1991.
وفي فجر 23 حزيران 1991 توجه الفريق من مقره في فندق القناة لإجراء تفتيش مفاجئ لموقع حددته لهم لجنة الأونسكوم دون أن يخبروا مرافقيهم العراقيين بجهة توجههم. انطلق ركبهم بسياراتهم البيض من نوع تويوتا 4WD الحديثة ولحق بهم الفريق العراقي بسياراته القديمة بدعو الله ألا تتعطل به، وقد انطلقوا بسرعة قد لا تقوى عليها تلك السيارات المستهلكة. كان الركب متوجهاً صوب منطقة أبو غريب فاستنتج منتسبو الفريق العراقي أن المفتشين لا بدّ من أنهم يتجهون إلى موقع حددته لهم الأقمار الاصطناعية نظراً لعدم وجود موقع ذي نشاط نووي في تلك الجهة. وتأكد حدس سرور ميرزا محمود ممثل الفريق العراقي وحدس زملائه ممثلي الجهات الأمنية العراقية (المخابرات والاستخبارات العسكرية والأمن العام والأمن الخاص والأمن العسكري ومنظومة أمن وحماية منشآت التصنيع العسكري).

تهريب المعدات النووية
عندما انحرفت سيارات فريق الوكالة الدولية إلى يسار الطريق العام وسلكت طريقاً ترابياً سيئاً وبعد 15 دقيقة وصل ركب السيارات إلى بوابة معسكر تابع للحرس الجمهوري الخاص فمُنعوا من دخول المعسكر من قبل حرّاسه إذ كانت لديهم تعليمات صارمة بعدم السماح لغير منتسبي الحرس الجمهوري الخاص من دخول المعسكر بتاتاً كونه معسكراً خاصاً جداً لا يدخله إلاّ منتسبوه. ارتبك مرافقو فريق التفتيش الدولي وماذا عساهم أن يفعلوا غير الاتصال بمقرّاتهم عبر الأجهزة اللاسلكية التي معهم؟ ولكن لم تصلهم التعليمات حيث كان ذلك اليوم هو أول أيام عيد الأضحى المبارك ولا يوجد في المقرات غير الخفراء وهم ليسوا أصحاب قرار. وصلني الخبر من ممثلنا سرور ميرزا محمود فأسرعتُ بسيارتي إلى دار جعفر فوجدته يتناول وجبة الإفطار وأعلمته بالخبر السييء، فلم يشأ أن يتخذ قراراً. وارتدى ملابسه ورافقته بسيارته باتجاه وزارة الصناعة والمعادن، فصعدنا مسرعين إلى غرفة الوزير ودخلناها فوجدنا عامر السعدي جالساً في مكتبه. أخبرناه بما يحدث فارتبك هو أيضاً فما كان منه إلاّ أن رفع أحد الهواتف العديدة بجانبه، واتصل عبر رقم صغير كان واضحاً أنه رقم أحد المسؤولين الكبار وافتتح كلامه بالسلام وتقديم التهانئ بمناسبة عيد الأضحى المبارك وأعلمه بخبر فريق التفتيش ولم نسمع من كلامه غير كلمات: (مفهوم سيدي... صار سيدي... سنتصرف هكذا يا سيدي... في أمان الله سيدي)، وكنتُ صامتاً أتحرق لسماع التوجيهات الصائبة غير أنني صُدمتُ حين قال لنا: إن المعسكر يضم بعض معدات البرنامج النووي التي سبق أن سُلّمت للحرس الخاص بأمر حسين كامل وتُركت في العراء في المعسكر لقمة سائغة لتصورها الأقمار الاصطناعية التجسسية. فجاء أمر حسين كامل الآن كسابقات أوامره ليداوي الخطأ بخطأ أكبر منه إذ أمر بعدم السماح للمفتشين دخول المعسكر وأن يتم تحميل جميع المعدات فوق سيارات نقل عسكرية بعد غروب الشمس عندما يغادر المفتشون الموقع وأن تنتقل السيارات بحمولتها في اتجاه الغرب. وإلى ذلك الوقت لم يكن أي من منتسبي البرنامج النووي السابق على علم بمكان تواجد معداتهم التي سلمت إلى جهاز الأمن قبل أكثر من شهر كما سبق ذكره.

جعفر: وللحادثة تبعاتها الثقيلة
عند غروب شمس ذلك النهار غادر مفتشو الوكالة موقعهم إلى مقرهم في فندق القناة فبدأت الناقلات العسكرية تنفذ الأمر بتحميل المعدات وتحريكها بعيداً من المعسكر. وبعد منتصف تلك الليلة رن جرس الدار فعجِبتُ مَن يكون زائر الليل في تلك الساعة المتأخرة. نهضتُ من سريري فأسرعت نحو الباب الخارجي وفوجِئتُ بوقوف اللواء كمال مصطفى سلطان وحاجم خميس (مدير مكتب حسين كامل) فدعوتهما إلى الداخل فاعتذرا كونهما حضرا بأمر مستعجل وهو طلب العون في توفير مكنات رفع ثقيلة يمكنها أن ترفع قطعاً بوزن سبعين طناً وتحميلها على ناقلات الدبابات (من نوع فاون)، وطلبا عوناً آخر بتوفير الفنيين المدربين على رفع القطع الثقيلة وتحميلها ومن ثم إنزالها. ولقد علمتُ لاحقاً أن هذين المسؤولين لم يأتيا إلي لطلب العون إلاّ بعد فشل إحدى الرافعات في تحميل معدة كبيرة فسقطت على الأرض وتسببت في مقتل أحد الجنود وإصابة آخرين. وأدركتُ في الحال أنهما يريدان بذلك نقل الأقطاب المغناطيسية للفاصلات الإنتاجية التي كانت موجودة في موقع الطارمية سابقاً وسُلِّمتْ إلى الحرس الجمهوري الخاص قبل فترة من الزمن لإخفائها، فتيقنتُ من صحة تخوفي السابق عند إصدار الأمر بتسليمها إلى الحرس الخاص من عدم تمكنهم من إخفائها... ولكن كان عليَّ أن أتخذ الإجراء المناسب فاتصلت هاتفياً بمدير هيئة النقل التابع للبترو-3 وأمرتُه بإرسال هذه المعونة إلى معسكر الحرس الجمهوري الخاص في منطقة أبو غريب بصحبة شخص يعرف الموقع. وعلمتُ لاحقاً أن المعنيين بالأمر احتاجوا ليلتين كاملتين لتحميل جميع المعدات على ناقلات الدبابات والتي أُمرت بالتحرك على الطريق العام باتجاه آمرية التموين والنقل في أبي غريب من دون تحديد موقع تسليم الحمولة.
وبعد انتظار ثلاثة أيام سُمِحَ لمفتشي الوكالة بدخول المعسكر الذي أرادوا تفتيشه فلم يجدوا شيئاً يستحق التفتيش، فأدركوا أن المعدات التي أظهرتها صور الأقمار الصناعية قد نُقِلت وأُخفِيتْ مرة ثانية... خرجوا من المعسكر فشاهدوا في مناظيرهم سحابة من التراب تنطلق من غرب موقعهم فأسرعوا بسياراتهم باتجاه السحابة وعند اقترابهم من الركب تسلق أحد المفتشين عموداً للكهرباء وأخذ يراقب السيارات بحمولتها، والتقط صورة لسيارة تحمل كتلة حديد كبيرة (وهي قطب المغناطيس كما نعرفه).
وفي أعقاب هذه الحادثة قدِمَ إلى العراق وفد رفيع المستوى من الأمم المتحدة ضم هانز بليكس المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ورالف إيكيوس المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم وياسوشي أكاشي مساعد الأمين العام لشؤون نزع السلاح. فاجتمع هذا الوفد بطارق عزيز وعدد من كبار المسؤولين عن الأسلحة المحظورة وطلب الوفد السماح الفوري لمفتشي الوكالة من الدخول إلى أي موقع يريدون وأن تتم إعادة جميع المعدات التي تم إخلاؤها من المعسكر لكي يتم تفتيشها بحُريّة ومن دون تدخل من الجانب العراقي. وأعطوا للعراقيين صوراً واضحة لمعدات برنامج التخصيب بالفاصلات الكهرومغناطيسية وهي تُحمَّل على السيارات. وعند ذلك أدركنا عدم جدوى إنكارنا لامتلاكنا برنامجاً للتخصيب بهذه الطريقة كما أدركتُ شخصياً عدم جدوى إنكار الجوانب الأخرى للبرنامج النووي الوطني السابق. فالمفتشون يمتلكون معلومات استخباراتية كثيرة ويتمتعون بدعم فوري من مجلس الأمن وبذلك فلهم اليد الطولى وأن موقفنا ضعيف تجاههم.
أدرك صدام فشل حسين كامل في إخفاء المعدات فاتخذ قرارين أولهما تشكيل لجنة تتولى تصريف شؤون العلاقة بين العراق والوكالة الدولية واللجنة الخاصة برئاسة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء وعضوية صابر الدوري رئيس جهاز الاستخبارات وقصي صدام حسين المشرف على الحرس الخاص والحرس الجمهوري وجهاز الأمن الخاص وأحمد حسين خضيِّر وزير الخارجية ومحمد سعيد الصحاف وزير الدولة للشؤون الخارجية.
وكان أمر تعيين هذه اللجنة رفيعة المستوى إنهاء دور حسين كامل في تسيير شؤون علاقة العراق مع مفتشي الأمم المتحدة واعترافاً واقعياً من صدام بفشل أسلوب تلك المهمة. وأصدر صدام أمراً ثانياً يتضمن تدمير كافة مخلفات برامج أسلحة الدمار الشامل تدميراً أحادي الجانب على أن يتولى منتسبو الحرس الجمهوري الخاص تنفيذ عملية التدمير. كان هذا الأمر بمثابة قرار رسمي بإلغاء جميع برامج أسلحة الدمار الشامل. بدأ منتسبو الحرس الجمهوري الخاص بتدمير جميع المعدات بالمتفجرات في عدد من المواقع ولكنهم لم يدونوا محضراً أصولياً بإجراءات التدمير ولم يعدوا سجلاً بالمعدات والمواد التي دمروها.

جعفر: حكاية مثيرة عن فريق التفتيش
في صباح الاثنين 23/9/1991 حضر إلى داري سامي الأعرجي مسؤول الفريق العراقي المواجه لفريق التفتيش السادس وأخبرني أن مفتشي الأمم المتحدة في مبنى نقابات العمال يحاولون الاستيلاء على الوثائق وتهريبها إلى مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد. غادرتُ الدار في الحال ووصلتُ مبنى النقابات في غضون دقائق قليلة، فهو لا يبعد عن بيتي سوى مئات قليلة من الأمتار، وأخبرتُ ديفيد كي وروبرت كالوتشي بعدم موافقتنا على استيلائهم على الوثائق ما لم نحصها ونضع سجلاً بها ومن ثم نسلمها لهم. وافقوا في الحال على طلبي وتعجبت لاستجابتهم تلك إذ لم أكن أدرك أنهم قد استولوا على الوثيقة الثمينة وهربوها خارجا،ً أما غيرها فأقل شأناً لديهم. وطلبتُ من الفريق العراقي تفحص الوثائق وعزل الحساس منها وإعداد قائمة ببقية الوثائق بغية تسليمها إلى المفتشين لاحقاً تجنباً لإشكالات، كتلك التي حصلت مع الفريق الثالث. وحيث أننا توقعنا قيام المفتشين لاحقاً بالتفتيش على جميع الوثائق والملفات الموجودة في عمارات الخيرات التي تضم عدداً من منتسبي بترو-3، ومن بينهم منتسبو قسم التوثيق ومنتسبو الإدارة العامة مع جميع ملفاتهم الإدارية والأمنية وغيرها، ووافقتُ على طلب خالد ابراهيم سعيد المدير العام للمجموعة الرابعة بنقل وثائق وملفات مجموعته الموجودة في عمارات الخيرات إلى مكان آمن، فتولى مع جماعته تحميلها على ظهر سيارة نقل عائدة إلى منظومة أمن وحماية منشآت التصنيع العسكري، فتولى قيادتها أحد منتسبي تلك المنظومة وأخذها إلى منطقة الزعفرانية ونُقلت هناك إلى سيارة أخرى أخذت تنتقل في شوارع بغداد طوال نهار 24/9/1991. وفي المساء قررتْ المنظمة إرسال السيارة بحمولتها إلى مزرعة في الطارمية وبعد ثلاثة أيام نُقلت إلى مزرعة في المشاهدة ثم إلى مزرعة في الضلوعية ظناً منا أن هذه الإجراءات ستحمي الوثائق والملفات من أعين مفتشي الأمم المتحدة، وما كنا ندري أن المفتشين كانوا أكثر شطارة منا عندما استولوا على وثيقة واحدة تغنيهم عن جميع الوثائق الأخرى.
وعلى رغم ذلك التزمنا بوعدنا وأرسلت الوثائق الموجودة برُمتها في مبنى النقابات، في ما عدا وثائق المجموعة الرابعة، وسلمناها إلى مقر المفتشين في بغداد في الساعة الثالثة من فجر الثلاثاء 24/9/1991.

نعمان: أوامر ارتجالية
في بدايات تشرين الأول 1991 اتصل عبدالحميد محمود السكرتير الشخصي لرئيس الجمهورية بجعفر وأبلغه بإعفائه من إدارة شؤون منتسبي بترو-3 التي أُنيطت برئيس المنظمة همام عبدالخالق إضافة لوظيفته، على أن يستمر جعفر بالإشراف على قطاع الكهرباء ضمن وزارة الصناعة وبمنصب وكيل وزارة الذي كان يشغله سابقاً.
قرر همام أن يتولى الدكتور عبدالحليم ابراهيم أمان الحجاج (المدير العام لدائرة السياسات العلمية في منظمة الطاقة الذرية) رئاسة الفريق العراقي النووي المكلف بالتعامل مع فرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية، وأن يكون سامي الأعرجي ممثلاً لبترو-3 ومعاوناً لرئيس الفريق العراقي. كما أصدر همام أمراً إلى جميع منتسبي بترو-3 أن يسلِّموا جملة الوثائق والتقارير وأي معطيات ذات صلة بالبرنامج النووي السابق إلى الفريق العراقي. وحذر من يُكتَشف حائزاً أي وثيقة أو معلومة فسيواجه أقصى العقوبات... وفي أمسية ذلك اليوم قدِم سامي الأعرجي إلى داري للاطمئنان على صحتي، فأحاطني علماً بالأوامر المستجدة. وقال لي إن اكتشف المفتشون معلومة – مهما كانت قيمتها - لدى أي منتسب فسيكون مصيره الإعدام. فاستفسرت منه: (وماذا لو اكتُشِفتْ لدى أحد منتسبي مكتب حسين كامل أو أحد منتسبي الاستخبارات العاملين في منظومة أمن وحماية منشآت التصنيع العسكري؟). وذكّرتُه بالمثل الانكليزي الذي تنص ترجمته على: (إن كنتُ صائباً لا يتذكرني أحد وإن أخطأت فلن يغفر لي أحد). فأجابني سامي بطيبته المعروفة وحبه لتقديم العون (نحن ننفذ فقط والسلطة تعرف شغلها). فقلتُ له (صدقت).
وعلى رغم أن منتسبينا غادروا البرنامج النووي وانتقلت غالبيتهم للعمل في المؤسسات الحكومية ذات الطابع المدني أو يعملون في القطاع الخاص وبعضهم عاطل بانتظار أي استدعاء أو استجواب والويل كل الويل لمن يتلكأ في الاستجابة فسيتهم حالاً باللاوطنية أو بتعريض أمن العراق للخطر. وفي ضوء تلك الظروف كنا نجد المنتسبين حتى من وصل منهم إلى عمر التقاعد أو كان مريضاً ويستدعى ليجلس ساعات طوال ضمن تجمع كبير ليشرح حادثة تافهة يصر مفتشو الأمم المتحدة على معرفتها، أو يجيب على استفسار محدد وإلاّ سيجتمع مجلس الأمن ويصدر قراراً فورياً بإدانة العراق لانتهاك قرارات المجلس ذات الصلة. استمرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإرسال فرق التفتيش إلى العراق طيلة الفترة من أيلول 1991 وحتى آب 1995. وجاء ترقيم الفرق المتتابعة (من الفريق السابع وحتى الفريق السابع والعشرين) حيث تولوا خلال هذه الفترة إكمال عملية تدمير جميع منظومات ومشاريع ومعدات ومواد برنامج تخصيب اليورانيوم تدميراً شاملاً.
=====


#7 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:51 PM

هرب حسين كامل الى الأردن فأمرنا صدام بأن نكشف للمفتشين كامل خططنا النووية
( 6  من  7)   الحياة    2005/05/14

نجد من المفيد أن نعود قليلاً إلى ما قبل هروبه لنستقرئ المسببات والتبعات. أصيب حسين كامل في شباط (فبراير) 1994 بأعراض مرضية حيث كانت تنتابه فجأة نوبة من فقدان الوعي لبضع دقائق يستفيق بعدها ناسياً كلياً ما حصل أثناء الحالة. تولى فحص حالته الطبيب العراقي المتخصص بأمراض الجملة العصبية سعد هاشم الوتري فرافقه إلى عمّان حيث أجرى له جرّاح فرنسي استقدم خصيصاً، عملية جراحية في مستشفى مدينة الحسين الطبية العسكرية فأزال الورم الذي فُحِص فتبين أنه ورم حميد غير سرطاني. وأخبرني سعد الوتري عند عودته أنه كان باستطاعته إجراء هذه العملية في بغداد إذ سبق له أن أجرى عشرات العمليات الأعقد منها لمرضى عراقيين غير أنه خشي على نفسه من تبعات أية مضاعفات قد تحدث لحسين كامل خلال العملية أو بعدها.
عند عودة حسين كامل إلى بغداد وجد أن قصي بن صدام قد نُصِّبَ مشرفاً على الحرس الجمهوري الخاص وعلى قوات الحرس الجمهوري وأخذ يشعر بأن سطوته أخذت تتقلص يوماً بعد يوم. ولم يبقَ له من إمبراطوريته الواسعة سوى وزارة الصناعة والمعادن وهيئة التصنيع العسكري التي احتفت بسلامة عودته باحتفالات صاخبة حيث دقت طبول الفرح ونُحِرت الخراف في كل مرفق من مرافق الصناعة المدنية والعسكرية إذ تولّى منتسبو مكتبه ومنتسبو منظومة أمن وحماية منشآت التصنيع العسكري تنظيم الاحتفالات والطلب من كل مدير عام أن تظهر دائرته معالم الإبتهاج والزينة.
ثم توالت الأيام وفي شهر حزيران (يونيو) من عام 1995 غادر حسين كامل على رأس وفد من هيئة التصنيع العسكري لزيارة بيلاروسيا من طريق عمّان فموسكو وفي اليوم التالي لمغادرته دعا صدام قيادات فروع حزب البعث لمؤتمر قطري يتولى انتخاب قيادة قطرية جديدة للحزب وفاتت على حسين كامل فرصة الصعود إلى عضوية القيادة القطرية ذات السلطة الواسعة إذ لا يُجيز النظام الداخلي للحزب ترشيح أي شخص للقيادة إن لم يكن حاضراً في جلسات المؤتمر القطري. ولا يمكنني شخصياً أن أتكهن في ما إذا كان إجراء صدام هذا متعمداً لإبعاد حسين كامل عن قيادة الحزب أم لشأن آخر إذ لستُ منتمياً للحزب ولا مطلعاً على ما خفي من دسائسه الداخلية غير أنني أدرك أن صدام لم يكن ليرتضي وجود عضوٍ جريء أو ذي فكر مستقل ليعتلي أي منصب قيادي في الحزب أو الدولة وكان يحيط نفسه بتابعين ضعاف النفوس لا يقوى أحدهم أن يقول لصدام كلمة واحدة قد تغيضه. ولا أزال أروي الأحداث المحيطة بحسين كامل فأستقرئ خبر عقده لقاءً إنفرادياً في عمّان مع الملك حسين بن طلال ملك الأردن ولساعتين كاملتين وأغلب ظني أن هذا اللقاء كان تمهيداً لهربه من العراق وربما يكون قد حصل على الضوء الأخضر من ملك الأردن.
ونعتقد بأن عدي (الإبن الأكبر لصدام) بدأ ومنذ مطلع عام 1995 ينظر بعين الحسد إلى حسين كامل حيث رآه منافساً قوياً على موقع الإبن المدلل لصدام وعلى حسابه بالذات ولا بدّ أن يكون قد اقتنع بأن وجود حسين كامل خطر على مقامه وعلى مستقبله السياسي فبدأ ينبش في أفعال وتصرفات زوج أخته للسنين الماضية إذ لم يكن خافياً على أحد أن حسين كان يستغل الإمكانات المادية والبشرية لهيئة التصنيع العسكري لبناء قصوره الخاصة وتنظيم مزارعه العديدة والصرف على حفلاته الخاصة وعلى مجونه، فبدأ عبد حميد محمود (المعروف بعبد حمود) منذ بداية 1995 يتحرى عن مخالفات حسين كامل وتصرفه السابق غير القانوني بالمال العام وربما فعل عبد حمود ذلك بتحريض من عدي ولكن لا بدّ أن يكون قد استحصل موافقة رئيسه صدام على إجراءاته تلك إذ كيف يجرؤ على طرح أسئلة على حسين كامل من دون إسناد قوي من صدام؟! وإثر تزايد الضغوطات عليه لا بدّ أن يكون قد أطلق العنان لتصوراته بإمكانية قيادة المعارضة في الخارج مع الحصول على دعم أميركي لعلّه يستطيع يوماً أن يطيح برأس عمه صدام ويعتلي سدة الحكم في العراق لا سيما وأنه كان قد اطلع على عدد من التقارير الصحافية التي تشير إلى أن الإدارة الأميركية تبحث عن جنرال تكريتي يستطيع قيادة المعارضة والإطاحة بصدام وتراءى له بأنه ذلك الجنرال ناسياً أو متناسياً أنه كان شرطياً قبل أن يعينه صدام ضمن طاقم حراسته وأن رتبة فريق أول التي يحملها على كتفيه لا تساوي أكثر من ثمن معدنها أو رمزه من القماش وأنه ربما لا يفهم من الشؤون العسكرية غير تسلسل الرتب.

قرار الهروب
وفي ضحى يوم الإثنين 7/8/1995 غادر حسين كامل بغداد في طريقه إلى عمّان في موكب ضمّ زوجته (رغد بنت صدام) وأولاده وضمّ أخاه صدام كامل (ومعه زوجته أيضاً- رنا بنت صدام) وعدداً من أركان حاشيته ونقل معه جميع موجودات هيئة التصنيع العسكري من العملة الصعبة ومقدارها 9.5 مليون دولار أميركي نقداً ولم يكن باستطاعة أحد تفتيش حمولاته من الخزائن عند حدود البلدين كما أنه غادر بطريقة رسمية بحجة اصطحاب عائلته في فسحة صيفية في جيكيا. وفي مساء الثلاثاء 8/8/1995 ذهبتُ إلى صالة الاحتفالات في مقر هيئة التصنيع العسكري بصحبة عامر السعدي لحضور إحتفالية ذكرى انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في 8/8/1988 ظناً مني أن وزير التصنيع العسكري حسين كامل سيكون حاضراً مما يقتضي حضورنا ومضت الدقائق والساعات ولم يحضر الوزير إلى الحفل ثم اعتلت راقصة عراقية المسرح وبدأت شوطاً من الرقص الشرقي الماجن وسط صفير المدعوين وتصفيقهم فحاولتُ مغادرة المكان غير أن عامر السعدي أصر على بقائنا لاحتمال تشريف الوزير مكان الاحتفال وما كنا ندري أن وزيرنا الآن تحت أضواء الإعلام هارباً من جحيم صدام على حد تعبيره.
وقد بدأ يطلق العنان لتصريحات ناقدة وكأنه لم يكن الشخص الثاني في سلطة اتهمها بالديكتاتورية والتسلط والغباء السياسي وبدأت جموع رجال المخابرات العربية والأجنبية تنهال عليه في مقر إقامته الفخم في عمّان لاستطلاع ما يحمل من أنباء ومعلومات وهو يتباهى بالأضواء المسلطة عليه وبالاهتمام الذي أولاه له رجال الإعلام والسياسة والمخابرات في عمّان، وخشيَ صدام أن يطلق صهره العنان لتصريحاته فيكشف ما كان قد أخفاه من معلومات تتصل ببرامج أسلحة الدمار الشامل (ولم تبقَ سوى بعض المعلومات التي أُخفيت إذ أن جميع الأسلحة سبق وأن دُمرت خلال صيف 1991) ويخلق للعراق أزمة جديدة مع مجلس الأمن لا سيما وأن الأمور كانت قد أوشكت على الانتهاء فأصدر أمره بدعوة الرئيس التنفيذي للجنة الأونسكوم والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق للتباحث مع الجانب العراقي وأصدر أمره إلينا جميعاً بالإعلان إلى المفتشين عن كل ما كان حسين كامل قد أمرنا بإخفائه وعدم البوح به وظن بذلك أنه قد سحب البساط من تحت أقدام حسين كامل.
وثمة أمر ثانٍ شعر به صدام وهو أن حسين كامل كان يدير أنشطة القطاع الصناعي بهمة ونشاط وكان حلقة الوصل بين منتسبي القطاع وبينه ويعرفه معظم المنتسبين بكونه صاحب قرار ومتابع جيد وصاحب ذاكرة حادة فغالباً ما كان يستفسر من أحد المسؤولين عن مسألة فنية كانت موضع نقاش قبل أشهر أو سنين، وبهربه لا بدّ أن يحدث فراغاً تنسيقياً كبيراً فقرر تشكيل لجنة صناعية ترتبط بمجلس الوزراء تتولى الإشراف على جميع القطاعات الفنية التي كان حسين كامل يشرف عليها.

نعمان: من اجتماع  صدام إلى مزرعة حيدر
بعد حوالى أسبوعين من هروب حسين كامل تم تبليغي وتبليغ المديرين العامين القريبين من مقر هيئة التصنيع العسكري الذهاب إلى مكتب مدير الهيئة... وعند وصولنا وتجمع ما يقرب من العشرين شخص قادنا سكرتير المدير إلى باحة مقر الهيئة فركبنا سيارة ذات ستائر سميكة على جميع شبابيكها وقبل تحركها أُسدلت ستارة كبيرة بيننا وبين السائق كي لا نتعرف على الطريق الذي ستسلكه السيارة وبعد نصف ساعة أو ما يزيد وقفت السيارة أمام صالة اجتماع صغيرة ضمن مجمع القصر الجمهوري. وبعد أن خضعنا إلى تفتيش أمني شامل ودقيق وبعد أن أودَعنا جميع حاجياتنا الخاصة داخل دواليب خاصة، دخلنا الصالة فجلسنا على الكراسي قبالة خشبة مسرح قديمة لا تليق أن تكون مسرحاً في حي فقير من أحياء بغداد...
بعد عشر دقائق دخل صدام واعتلى كرسياً على خشبة المسرح وابتدأ حديثه معنا والذي استغرق نحو الساعة فقال: "جمعتكم لأعتذر إليكم مرتين: مرة كوني قد عينتُ حسين كامل مشرفاً عليكم ومرة ثانية كونه صهري ومحسوباً على عائلتي" ثم كرر قوله هذا ثلاث مرات خلال لقائه بنا. ومن جملة ما قاله عن حسين كامل إن ذلك الشخص كان مغروراً أو مصاباً بداء العظمة وأن العملية التي أجريت لانتزاع ورم من دماغه قد أثرت سلباً على تصرفاته واستشهد بما أخبره به وزير الصحة الدكتور أوميد مدحت مبارك حول تلك العملية وتبعاتها. ثم أخبرَنا صدام بأن السلطة سوف لن تحاسب أي منا على أي عمل سبق أن نفذه بأمر من حسين كامل إلاّ إذا كان ذلك العمل قد سبب ضرراً بليغاً للمصلحة الوطنية أو عرّض أمن البلد إلى الخطر، ثم طلب منا جميعاً أن نستمر بأعمالنا بحسب سياقاتها إذ لا وجود لتغيير في البرامج أو في أساليب تنفيذها. كان صدام هادئاً جداً أثناء الاجتماع وغير مبالٍ بهذا الحدث الذي اعتبرناه نحن حدثاً سياسياً خطيراً كما أنه لم يلصق بحسين كامل أي وصف مثل الخائن أو المجرم وهو ما اعتدنا سماعه من بعض المسؤولين في هيئة التصنيع العسكري حيث كنا قد سمعنا من عامر العبيدي (وزير النفط آنذاك والمشرف على هيئة التصنيع العسكري) بعد أيام قلائل من هروب حسين وفي اجتماع رسمي دعانا إليه حيث تحدث إلينا لساعة ونصف الساعة مكرراً مرات ومرات أن حسين كامل خائن ومجرم ومتسلط، علماً بأن عامر العبيدي بالذات كان قبل هروب حسين كامل يمتدحه بإعجاب ويصفه بأنه رجل ذكي ومتمكن وصاحب قرارات صائبة وكان يوصي بالاستفادة من وجوده على رأس هيئة التصنيع العسكري لننطلق بهمة ونشاط في تنفيذ برامج الهيئة واختصار الوقت. وللحقيقة نقول إن ثمة بوناً شاسعاً بين صدام ووزرائه فقال أحدنا "يا ترى بماذا كان يفكر عامر العبيدي وهو يستمع إلى حديث صدام وهل ارتعدت فرائصه وهو يقارن الحديث المتزن لصدام مع حديثه المتهوِّر قبل ذلك بأيام".
وفي 17 آب من عام 1995 وصل إلى بغداد كل من رولف إيكيوس (المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم) وهانز بليكس المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية وبقيا في بغداد مدة ثلاثة أيام. وفي أول لقاء فني معهما أبلغناهما بتفاصيل البرنامج المعجّل الذي كان حسين كامل قد أمرنا بتنفيذه في 17 آب من عام 1990 وكما شرحنا في الفصول السابقة. وسلّم الجانب العراقي إليهما المجموعة الضخمة من الوثائق والتقارير التي كان حسين كامل قد أخفاها في موقع حساس ثم نقلت بعد هروبه وعلى عجل من ذلك الموقع إلى مزرعة بيت حيدر ومن ثم سلمت إلى مفتشي الأمم المتحدة فعُرفتْ منذ ذلك باسم (مجموعة وثائق مزرعة حيدر) أو باسم (مجموعة وثائق قاعة الدجاج في مزرعة حيدر).

اجتماع عمان وكشف الأوراق
في 22 آب 1995 تم عقد لقاء في عمّان مع حسين كامل حضره رولف إيكيوس والبروفسور موريزيو زيفيريرو ممثلاً للوكالة ونيكولاي سميروفيج الخبير الروسي في الصواريخ الباليستية وكان يعمل ضمن مفتشي الأونسكوم كما حضر اللقاء ممثلاً عن الديوان الملكي الأردني والذي تولّى مهمة الترجمة أيضاً.
عندما سُئِل حسين كامل عن سبب امتناع الجانب النووي العراقي من التصريح بأن برنامج الطارد للتخصيب كان يُجرى ضمن موقع الراشدية وليس ضمن موقع التويثة أجاب بأنهم فعلوا ذلك لتحويل أنظار المفتشين عن ذلك الموقع. وعندما سُئل عما إذا كان العراق لا يزال يمتلك نشاطاً نووياً. أجابه كلاّ لا يوجد ولكن الوثائق والخرائط لا تزال موجودة ضمن مجموعة من المايكروفلم وعندما سُئِل عما إذا كان نشاط التسلح النووي الذي سبق إجراؤه في موقع الأثير لا يزال قائماً. أجاب نعم ولكن قبل حرب الخليج. وعند سؤاله عما إذا كان الهدف من القنبلة النووية العراقية الأولى هو تجربتها فقط أم استخدامها في الحرب أجاب أن العلماء كانوا في مراحل البحث والتطوير ولم يكونوا قد وصلوا إلى مرحلة تصنيع القنبلة وبالتالي كانوا بعيدين جداً عن تجربتها.

جعفر: مصير حسين كامل
وبعد أن أكملتْ الجهات المخابراتية الأجنبية مهمتها وحصلت من حسين كامل على جميع ما بجعبته من معلومات، وبعد أن يئِسً من تزعمه المعارضة العراقية في الخارج قرر العودة إلى العراق وحصل على وعد بالعفو من صدام نفسه وفي شباط من عام 1996 عاد وأخوه صدام كامل وعائلتاهما إلى العراق فاستقبلهما عدي عند الحدود وأخذ أختيه وأولادهما معه إلى بغداد وترك حسين وأخاه يعودان إلى بغداد بمفرديهما. وفي اليوم التالي لوصول رغد ورنا إلى بغداد بصحبة عدي صدرت وثيقتا طلاقيهما من زوجيهما بالطريقة التي عرضت في حينها على شاشات التلفزيون.
وبوصول حسين كامل وأخيه إلى بغداد إلتقيا مع إخوتهما وأخواتهما وأمهما في بيت أختهما في منطقة السيدية ببغداد ولم يمضِ غير يومٍ أو يومين حتى أُحيط المنزل بمجموعة مسلحة بقيادة علي حسن المجيد وعدي صدام فحصلت مواجهة مسلحة بين المهاجمين ومَن في الدار الذين قُتِلوا جميعاً كما قُتِل بعض المهاجمين فخرج عدي على رأس موكب تشييع جنازة أحد المهاجمين الذي قُتِلَ برصاص المدافعين. وبموت الجميع يكون علي حسن المجيد قد أوفى بعهدٍ قطعه عبر شاشة التلفزيون إثر هروب حسين بأن شرف العائلة الذي تدنّس بالعار (بحسب وصفه)، لن يُغسل إلاّ بإراقة الدم وكان له ما أراد.

نعمان: أحداث ذات علاقة بالتفتيش عن البرنامج النووي السابق
وفي الفترة المحصورة بين هذه المجزرة العائلية وبين نهاية عام 1998 شهِدنا حدثين أساسيين قدر تعلق الأمر بشؤون التفتيش، أول الحدثين هو قدوم فريقي تفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى العراق وهما الفريق 28 والفريق 29 وقد كان أول الفريقين برئاسة كاري ديلون في الفترة 9-20 أيلول 1995 وثاني الفريقين برئاسة بول ستوكس في الفترة 17-24 تشرين الأول 1995 وجاء في تقريري الفريقين إلى مجلس الأمن أن الجانب الفني العراقي كان متعاوناً إلى أبعد الحدود، وأظهر المنتسبون العراقيون سلوكاً بيّناً من الارتياح والانفتاح وكانوا مستمتعين بإعلام المفتشين عن أمور كانوا في الأمس القريب يتخوفون من مجرد الاستماع إلى أية استفسارات عنها إذ كانوا في السابق يصرحون بأمر ويتمسكون به على رغم ضعف حججهم.
أخبرنا المفتشون في جولتي الفريق 28 و29 عن البرنامج النووي الوطني ما يلي:
- تفاصيل البرنامج المعجّل للفترة من 17 آب 1990- 17 كانون الثاني 1991.
- نشاط المجموعة الرابعة كان بحق بهدف إنتاج قنبلة نووية.
- تم تنفيذ برنامج منذ عام 1987 في منشأة القعقاع العامة التابعة لهيئة التصنيع العسكري يهدف إلى تصميم وإنتاج وفحص عدسات تفجير من مادة شديدة الإنفجار بهدف استخدامها في إنتاج قنبلة نووية من نوع الانفجار إلى الداخل.
- كان موقع الراشدية مكاناً لإجراء بحوث وتجارب التخصيب بالطارد المركزي الغازي وليس موقع التويثة كما كنا نقول سابقاً. وتم تزويد فريقي التفتيش بمعلومات مستفيضة عن برنامج التخصيب.
وإثر تسلمها لهذه المعطيات ولغيرها كتبت الوكالة إلى مجلس الأمن ما يلي:
- برنامج التخصيب بالفصل الكهرومغناطيسي كان على بعد سنين من إكتمال إنتاجه لليورانيوم عالي التخصيب.
- برنامج التخصيب بالطارد المركزي كان لا يزال يراوح ضمن تجربة جهاز طرد واحد فقط وأنه كان بعيداً جداً عن مرحلة تصنيع وبناء سلسلة واسعة بمقدورها إنتاج كميات من اليورانيوم عالي التخصيب صالح لإنتاج قنبلة نووية.
- عمليات القصف أَوقفت إمكان إعادة النشاط ببرنامجي التخصيب.
- لقد تولّت الوكالة نقل جميع قضبان الوقود النووي إلى روسيا منذ عام 1994 وعليه لم يعد العراق يمتلك أي وقود يستطيع استغلاله للحصول على يورانيوم عالي التخصيب.
- تمتلك الوكالة إمكانات رقابة تجعلها تعلم بأي محاولة عراقية لإنتاج يورانيوم مخصب.
- لا يزال العراق يحتفظ بقدراته البشرية العلمية والتكنولوجية في مجال البرامج النووية.
- إن مسلك العراق السابق ضمن البرنامج المعجّل يعد مخالة لبنود معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
- يتوجب على الجانب العراقي إعداد تقرير شامل وكامل ونهائي عن برنامجه النووي السابق يكون وثيقة تُقرأ لذاتها من دون الحاجة إلى مراجعة التقارير والوثائق المعدة سابقاً.
ختمت الوكالة تقريرها بالقول إن تجربة العراق قد ولدت القناعة بأن أية دولة لا تلتزم ببنود معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يمكنها تطوير إمكاناتها لإنتاج أسلحة نووية ضمن وقت قصير نسبياً وذلك من خلال تصرفها بالمواد النووية الخاضعة للرقابة.
ونعترف أن ما كتبه المفتشون من رأي حول سلوك الجانب العراقي بما سبق هروب حسين كامل وما تبِعه هو عين الصواب ويؤيد ما ذكرناه من فصول وما نذكره الآن أن حسين كامل كان سيفاً مصلتاً على رقابنا ويأمرنا بإخفاء المعلومات ويجبرنا على اتباع مسلك الخديعة والامتناع عن التعاون مع المفتشين الدوليين. وكنا ندرك أن البرنامج النووي الوطني قد انتهى وأصبح تماماً في خبر كان فلماذا لا نبوح بكل تفاصيله ومن اليوم الأول كي نُجنب أنفسنا عناء الكذب والتمويه ونُجنِّب الشعب العراقي ما ترتب على كاهله من مآسي إطالة أمد الحصار...

نعمان: التقرير يكتمل والتعقيبات بالتقسيط
اكتمل التقرير في غضون ثلاثة أشهر بالضبط وسُلِّمت نسخة منه إلى مكتب الوكالة الدولية في بغداد في 1/3/1996 وبحسب الموعد المحدد إلاّ أن الوكالة لم تلتزم بقراءته والتعليق على محتوياته على رغم تذكيرنا لها بضرورة سرعة استجابتها حيث تولى عامر العبيدي وزير نفط العراق حينئذ زيارة هانز بليكس المدير العام للوكالة الدولية في فيينا وحثه على قراءة التقرير وتقديم التعقيب إلى الجانب العراقي بأسرع وقت فتذرّع بأن مفتشي وكالته يتفحصون التقرير بكل عناية وأنهم سيركزون في تعقيباتهم على الجوانب الأساسية في التقرير ذات العلاقة بالفهم العام للبرنامج النووي العراقي.
بدأت تعقيبات الوكالة على التقرير تصلنا مجتزأة وعلى وجبات متباعدة استغرقت 17 شهراً بالكامل ففي 13-19 آذار 1996 قدمت الوكالة 300 طلب تغيير في التقرير معظمها في الجوانب اللغوية وفي الفترة 17 حزيران- 8 تموز 1996 قدّم الجانب العراقي إلى الوكالة الطبعة المنقّحة الأولى وأدخل فيها التصحيحات المطلوبة مع ملحق عن مشتريات البرنامج الخارجية وآخر عن مصير المعدات والأجهزة والمواد العائدة للبرنامج سابقاً. وذكرت الوكالة في تقريرها الموحّد الثاني المُقَدّم إلى مجلس الأمن في 7 تشرين الأول 1996 أن التقويم النهائي للتقرير العراقي سيستغرق بضعة شهور أخرى وأنها ستركِّز على تلك الجوانب من البرنامج التي قلّل العراقيون من شأن التقدم والإنجاز الذي حققوه ضمنها.
قدمنا إلى الوكالة الدولية 24 رسالة خلال الفترة 4 آب - 16 أيلول من عام 1997 تضمنت إجاباتنا على جميع ملاحظات البعثة الخامسة للفريق رقم 30 ولكننا رفضنا تقديم فصل أو ملحق عن الإنجازات المتحققة ضمن البرنامج نظراً لأن جدول محتويات التقرير الذي قدمناه إلى الوكالة في كانون الأول 1995 لم يتضمن هذا الموضوع وأن جدول المحتويات قد أقرّته الوكالة من دون تعليق عندما قدّمته إلى مجلس الأمن الذي أقره أيضاً.
بعد ذلك وافق الجانب العراقي على إصدار طبعة جديدة لتقرير FFCD يتضمن جميع التصحيحات والإضافات التي أُدخلت تلبية لطلبات الوكالة الدولية متضمناً وثيقة عن أهم الإنجازات الفنية للبرنامج فزار العراق فريق فني من الوكالة للفترة 19-22 كانون الأول 1997 للتباحث معنا حول أسلوب إعداد التقرير بصيغته الجديدة وقدمنا إلى الوكالة في 25 مارس 1998 طبعة موحدة جديدة لتقرير FFCD يرتكز على الطبعة المنقحة FFCD-F المقدّمة في 7 أيلول 1996 مع جميع التغييرات والتنقيحات التي أُعِدّت على وفق مقترحات الوكالة التي قُدِّمت إلينا في شباط وآذار وتموز من عام 1997.
وفي صيف 1998 إجتمع جعفر في بغداد مع كل من كاري ديلون وجاك بوت لمناقشة الأمور المعلَّقة نظراً لأن ديلون كان قد قدّم إلى مجلس الأمن تقريراً في نيسان من ذات السنة لم يذكر فيه أن الوكالة قد أنهت مرحلة نزع السلاح النووي وأنها قد انتقلت إلى مرحلة التحقق والرقابة المستديمة.

جعفر: سين وسوف... وصبرنا يغضبهم
كان صبري قد نفد من مماطلة الوكالة فقلتُ لديلون: "ألم يحن الوقت لتخبروا مجلس الأمن بالحقيقة؟ أنتم تعرفون جيداً أن مرحلة نزع السلاح قد انتهت وتقولون لنا أن الأمور القليلة المتبقية يمكن معالجتها ضمن مرحلة التحقق والرقابة المستديمة فلماذا لا تقولون الشيء ذاته إلى مجلس الأمن بدلاً من التسويف والمماطلة المتواصلة" ولكن ديلون لم يجِب على تعليقي واكتفى بطلب لقاء طارق عزيز.

القرن الأميركي الجديد
بنهاية عام 1997 كان يبدو لنا أن العراق أخذ يسير بطيئاً باتجاه إقناع المفتشين أن عملية نزع أسلحته قد اكتملت ولم يعد يمتلك أية نوايا لإعادة الحياة لأنشطته السابقة في مجال أسلحة الدمار الشامل... وبعبارة أخرى كنا نشعر بوجود أمل ضئيل بأننا سنخرج من هذا النفق، حالك الظلام. ولم نكن نتصور أن عام 1998 سيعيدنا إلى قعر هذا النفق لا لسبب إلاّ لانحدار العلاقة العراقية الأميركية بالاتجاه السيء. إذ كانت مجموعة سياسية محافظة نشطة تعمل في الولايات المتحدة الأميركية لصياغة سياسة خارجية أميركية ضمن ما سمته مشروع القرن الأميركي الجديد (Project for the New American Century PNAC) وهي مجموعة تأسست في 3 حزيران من عام 1997 من شخصيات سبق أن عمِلت ضمن إدارة جورج بوش الأب وتوصلت هذه المجموعة السياسية إلى قناعات سطرتها ضمن مذكرة بعثت بها إلى بيل كلنتون في 26 كانون الثاني 1998 تحثه فيها على جعل إزاحة صدام حسين حجر الزاوية للسياسة الخارجية الأميركية. فكتبت مجموعة PNAC ما نصه: "نعتقد بأن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلطة ضمن قرارات مجلس الأمن بشأن العراق لاتخاذ إجراءات حاسمة بما فيها عمليات عسكرية لحماية مصالحنا الحيوية في منطقة الخليج". وطالبت هذه المجموعة زيادة التخصيصات المالية للدفاع وألحت على استخدام القوة الأميركية الهائلة للتدخل في الأحداث أينما تجد ذلك ضرورياً.
في 13 كانون الثاني 1998 أبلغ ريتشارد بتلر مجلس الأمن أن العراق قد أعلن عن عدم تعاونه مع فريق التفتيش لكون غالبية المفتشين من مواطني الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
وفي 22 كانون الثاني أعلن بتلر أن نائب رئيس الوزراء العراقي لا يسمح لمفتشي الأونسكوم دخول أي من المواقع الرئاسية الثمانية في العراق.
وفي ضوء ذلك بعث الأمين العام للأمم المتحدة فريقاً فنياً إلى العراق لإجراء مسح لمساحات وحدود المواقع الرئاسية المذكورة ولاحقاً لهذه المهمة تولى الأمين العام زيارة بغداد للفترة 22-23 شباط من العام ذاته توصل أثناءها إلى الإعلان عن التوصل إلى مذكرة للتفاهم مع الحكومة العراقية بشأن تفتيش المواقع الرئاسية في العراق وعلى وفق بنود هذه المذكرة ستسمح السلطات العراقية لمفتشي الأونسكوم والوكالة الدولية من الدخول الفوري وغير المشروط لتفتيش هذه المواقع بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بأسلحة الدمار الشامل العراقية وفي المقابل تتعهد جميع دول الأمم المتحدة باحترام سيادة العراق واحترام وحدته الوطنية كما تلتزم لجنة الأونسكوم باحترام مشاعر العراقيين في الأمن والسيادة والكرامة. ونصّت مذكرة التفاهم هذه على ضرورة الاتفاق على أساليب إجراء التفتيش في المواقع الرئاسية حالياً ومستقبلاً.
وفي 3 آب من عام 1998 اجتمع بتلر مع طارق عزيز في بغداد وطلب منه طارق أن يبلغ مجلس الأمن بأن العراق قد نفذ جميع التزاماته تجاه الجزء/ج من القرار 687 (لسنة 1991) وبذلك يتوجب على المجلس تنفيذ التزاماته تجاه العراق بموجب هذا القرار غير أن بتلر قال لطارق عزيز إنه غير مستعدٍ لإبلاغ المجلس بذلك.
=====


#8 Safaa

Safaa

    Advanced Member

  • Members
  • PipPipPip
  • 213 posts

Posted 15 May 2011 - 10:52 PM

حملة «ثعلب الصحراء» ...صدام يُبدل نظام حمايته تضليلاً للأقمار الاصطناعية
( 7  من  7)   الحياة    2005/05/15

يمكننا أن ندرج في أدناه أحداثاً أوصلتنا إلى 17 كانون الأول من عام 1998 يوم بدء عملية ثعلب الصحراء:
- في 5 آب 1998: قرر العراق إيقاف تعاونه مع لجان التفتيش ريثما يقرر مجلس الأمن رفع الحصار عن مبيعات النفط العراقي.
- في 9 أيلول: أصدر مجلس الأمن القرار 1194 الذي طالب فيه العراق بإلغاء قراره المتخذ في 5 آب. ودعا قرار مجلس الأمن الجديد إلى عودة التعاون الكامل بين العراق ولجنة الأونسكوم والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- في 31 تشرين الأول: أعلن العراق عن قراره بإيقاف تعامله مع لجنة الأونسكوم ولكن العراق أبلغ الوكالة الدولية أن في إمكانها الاستمرار في أعمالها غير أن الوكالة امتنعت عن ذلك بحجة حاجة مفتشيها إلى إسناد لوجستي من الأونسكوم.
- في 5 تشرين الثاني: أصدر مجلس الأمن القرار 1205 والذي طالب العراق بإلغاء قراره الصادر في 31/10.
- في 14 تشرين الثاني: قرر العراق التعاون الكامل مع لجنة الأونسكوم ومع الوكالة الدولية بعد إبلاغه أن مجلس الأمن سيجري مطلع عام 1999 استعراضاً شاملاً لجميع أنشطة نزع الأسلحة ومنذ 1991 بمشاركة فاعلة من الجانب العراقي.
- في 15 تشرين الثاني: أكد مجلس الأمن استعداده لإجراء تقويم شامل حيث أدرك أهمية التعرف بدقة إلى كل ما جرى منذ عام 1991 بهذا الشأن.
- في 17 تشرين الثاني: أعادت لجنة الأونسكوم والوكالة الدولية نشاطها في العراق.
- في 15 كانون الأول: أحال الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن تقريري الأونسكوم والوكالة الدولية عن نشاطهما في العراق منذ استعادة عملهما في 17 تشرين الثاني وذكر الأمين العام في رسالته إلى المجلس أن تقرير الوكالة أُحيل إليه من المدير العام للوكالة الدكتور محمد البرادعي في 14 كانون الأول بينما تقرير الأونسكوم أُحيل إليه في 15 كانون الأول من المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم ريتشارد بتلر.
وعلّق الأمين العام أن التقريرين احتويا معلومات متناقضة بينما الوكالة الدولية تقول إنها حصلت على قدر مقبول من تعاون الجانب العراقي ولكن تقرير الأونسكوم عن نشاطها للفترة ما قبل 17 تشرين الثاني وأعطى انطباعاً بأن الأونسكوم لم تحصل على تعاون كامل من الجانب العراقي. وبسبب هذه الحالة السلبية في تقرير الأونسكوم عرض الأمين العام على مجلس الأمن ثلاثة خيارات:
الأول: يبين أن ما تم إنجازه منذ 17 تشرين الثاني لا يوفر أرضية جيدة لإجراء الاستعراض الشامل مطلع العام 1999.
الثاني: يبين أن العراق لم يظهر قدراً كافياً من التعاون لحد الآن ولكن يجب إعطاؤه المزيد من الوقت لإظهار نياته الحسنة بالتعاون الشامل.
ثمة معلومات أخرى سربها أصحاب القرار من قوات التحالف أن بتلر كان قد أبلغ سلطات الولايات المتحدة بمضمون توضيحي في يوم الجمعة 11 كانون الأول من عام 1998 أي قبل إرسال تقريره إلى الأمين العام بأربعة أيام وأنه استقبل مكالمة هاتفية صبيحة 16/12/1998 من بيتر بيرلي سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يطلب منه التعجيل بسحب مفتشيه من العراق ولم يظهر بتلر أي قدر من الاستغراب من طلب السفير الأميركي فنفذ التعليمات الصادرة إليه بكل إخلاص وتفانٍ في خدمة ولي أمره. ومهما تباينت الرؤى عن تفسير سلوك بتلر غير أن من المتعارف عليه أن تصرفه ذلك أعطى الضوء الأخضر لعمليات ثعلب الصحراء التي تسببت في زوال لجنة الأونسكوم ذاتها وإقالة بتلر من منصبه كرئيس تنفيذي لها.
وبعد أقل من ساعة واحدة فقط من بدء عملية ثعلب الصحراء (أي في تمام الساعة السادسة مساءً بحسب التوقيت المحلي يوم الأربعاء 16/12/1998) أعلن بيل كلينتون (أنه قد أمر تنفيذ ضربات جوية قوية ومتواصلة على العراق وأنها مصممة على تجريد صدام من إمكان تطوير وإطلاق أسلحة الدمار الشامل ولتجريده من إمكان تهديد جيرانه وفي ذات الوقت نرسل رسالة قوية إلى صدام مفادها: إذا نفذت أعمالاً متهورة ستدفع ثمنها غالياً).

تداعيات ثعلب الصحراء...
لم تقتصر عملية ثعلب الصحراء على قتل الأنفس وتدمير الممتلكات بل قضت على الآمال المعقودة على إجراء تقويم شامل لملف نزع أسلحة الدمار الشامل المخطط إجراؤه من مجلس الأمن وكان سيتيح للعراق بيان وجهة نظره في رغبته الدائمة بالحصول على قائمة من الأمور العالقة على وفق تقديرات لجنة الأونسكوم والوكالة لكي يتمكن من تناولها وحسمها مرة واحدة إلى الأبد وقد غدا شماعة جاهزة تعلق عليها أميركا جميع نياتها المعلنة والخفية ضد العراق ونظامه كما أصبح في ذات الوقت شماعة يعلق عليها النظام العراقي جميع مشاكل الشعب العراقي المتراكمة، فإن اشتكى العراقيون من الجوع والحرمان قال النظام إنه الحصار الجائر وعدوانية لجان التفتيش، وإن نوّه العراقيون عن حرمانهم من أبسط متطلبات العصر الحديث ومن الأجهزة الحديثة والخدمات، أجاب أركان النظام أن كل ذلك سيتحسن حال رفع الحصار.
وحين يسأل مواطن: كيف سيتم رفع الحصار ومتى؟ فهو ما لا يصرح به أحد لسبب بسيط، هو أن صدام نفسه يجهل الجواب فكيف لببغاوات نظامه أن يعرفوا ما لا يعرفه القائد (الضرورة)؟... تحول صدام بعد عملية ثعلب الصحراء إلى حاكم شديد التشكيك بكل إجراءات الأونسكوم والوكالة الدولية. وترسخت لديه القناعة بأن مفتشي هاتين المنظمتين ليسوا أكثر من جواسيس للإدارة الأميركية والحكومة البريطانية وأن مسؤوليهما لن يتوصلا إلى قناعة بتنفيذ العراق لجميع متطلبات قرارات مجلس الأمن مما يعني عدم رفع الحصار بقرار من المجلس ثم اقتنع بالرأي القائل بعدم وجود جدوى من استمرار عمليات التفتيش وبدأ يصرح علناً بأن أميركا وبريطانيا سوف لن يسمحا باستصدار قرار من مجلس الأمن برفع الحصار عن العراق بموجب الفقرة 22 من قرار المجلس 687 (لسنة 1991)، وتبنى صدام مبدأ (عدم رفع الحصار بقرار بل أنه سيتآكل بصبر العراقيين وعزيمتهم). أما كيف سيتآكل الحصار فعلمه في الغيب ولم يظهر صدام أي برنامج واضح لإسناد استنتاجه وكل ما تفتقت عبقريته عنه هو وضع إتاوة بنسبة 10 في المئة على جميع عقود التوريد إلى العراق بموجب برنامج مذكرة التفاهم (النفط مقابل الغذاء والدواء) على أن يدفع المبلغ نقداً وقبل وصول البضاعة المستوردة. وكذلك فرض أتاوة بمقدار 15 سنتا أميركيا على كل برميل من النفط العراقي الذي يتم تصديره بموجب مذكرة التفاهم مما يعني حصول الخزينة المركزية للدولة على سيولة نقدية تصل إلى ثلاثمئة ألف دولار أميركي يومياً من مبيعات النفط فقط... إضافة إلى تحميل المواطن ما يمكنه حمله من التكاليف المختلفة. وسعى صدام إلى استمالة دعم الحكومات العربية بدءاً بسورية وكما غدا واضحاً من إعمار السفارة العراقية في دمشق بمبلغ ثلاثة ملايين دولار أميركي كما أمر بتزويد سورية بمشتقات نفطية ومنتجات عراقية أخرى خارج نطاق مذكرة التفاهم وبأسعار مخفضة على أن توضع الموارد المالية من جراء ذلك في المصارف السورية ولحساب المؤسسة العامة لتسويق البترول العراقي (سومو)، وهي إحدى مؤسسات وزارة النفط العراقية... وأصبح في إمكان الوزارات والدوائر الرسمية العراقية الحصول على العملة الصعبة التي تحتاجها من خلال مفاتحة سومو وبعد حصول الموافقة يتم تزويدها بالمبلغ من الحساب المصرفي في دمشق.
وجرت محاولات لعقد اتفاقات تجارية مع عدد من الدول العربية بما في ذلك مصر والأردن وسورية وتونس والجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة ولبنان واليمن وتضمنت الاتفاقات إزالة الضرائب والتعريفات الجمركية على تجارة البضائع المنتجة في كل من بلدي الاتفاق غير أن هذه الاتفاقات كانت لمصلحة تلك الدول نظراً لأن القاعدة الصناعية في العراق كانت وصلت إلى أدنى مستوياتها (أي نحو 30 في المئة مما كانت عليه قبل حرب 1991) مما لا يتيح للعراق تصدير بضائعه إلى تلك الدول.
وحاولت السلطة العراقية كذلك فتح أجوائها وتسهيل أمور استخدام الطائرات العربية لخدمات مطار بغداد الدولي، فأمر صدام بتقديم الوقود للطائرات مجاناً وكذلك تقديم كافة الخدمات التي تحتاجها الطائرات مجاناً في مطار بغداد الدولي. وفي ضوء ذلك تم عقد إتفاقات لتسيير رحلات جوية للمسافرين في الفترة 2001-2003 بين بغداد وعمّان على طائرات الخطوط الملكية الأردنية وبين بغداد ودمشق على طائرات صقر الخليج.
أما مجلس الأمن فلم يأبه بامتناع العراق عن التعامل مع الأونسكوم ومع الوكالة الدولية، فأصدر رئيس المجلس مذكرة قال فيها (مع التأكيد على أهمية الالتزام بكل قرارات المجلس ذات الصلة، سيستمر المجلس مناقشة كل الخيارات التي تقود إلى تنفيذ القرارات. ولقد قرر المجلس أن من المفيد تشكيل ثلاث لجان استشارية منفصلة تناقش الأمور وتقدم توصياتها إلى المجلس في موعد أقصاه 15 نيسان 1991)[19]. وقرر المجلس أن يتولى سفير البرازيل سيلسو أموريم رئاسة اللجان الثلاث على أن تعنى اللجنة الاستشارية الأولى بمسألة نزع أسلحة الدمار الشامل ونشاط الرقابة والتحقق المستديم وأن تهتم اللجنة الاستشارية الثانية بالمسائل الإنسانية وتعنى اللجنة الثالثة بموضوع أسرى الحرب ومسألة الممتلكات الكويتية. وقرر المجلس أيضاً أن تضم اللجنة الاستشارية الأولى خبراء من لجنة الأونسكوم ومن الوكالة الدولية ومن منتسبي سكرتارية الأمم المتحدة وخبراء آخرين من ذوي العلاقة على أن تقدم توصيات إلى مجلس الأمن عن كيفية إعادة تأسيس نظام محكم لنزع السلاح وللرقابة المستديمة في العراق. مع إتاحة الفرصة للعراق للاشتراك في هذه اللجان الثلاث غير أن العراق لم يعر أي اهتمام لإيحاءات السفير أموريم لأن صدام قد أغلق أذنيه وصرف اهتمامه عن كل ما له علاقة بمسألة أسلحة الدمار الشامل.

الجانب النووي في تقرير أموريم...
قدم السفير أموريم توصيات اللجنة الأولى المؤلفة من 20 عضواً إلى مجلس الأمن في 27 مارس 1999، وجاء فيها ما يلي قدر تعلق الأمر بالجوانب النووية التي تخص العراق:
الإنجازات:
أجرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال الأعوام الثمانية الماضية تفتيشاً موسعاً وكونت صورة متجانسة ومترابطة للبرنامج النووي العراقي السري وشمل جميع الجوانب من محاولات العراق لشراء اليورانيوم الطبيعي وإنتاجه محلياً إلى تنقيته وتحضير مركبات اليورانيوم المتنوعة ومن ثم محاولات العراق لتخصيب اليورانيوم وإلى الدراسات والتجارب ضمن برنامج استخدام اليورانيوم عالي التخصيب في التسلح النووي.
- حظي البرنامج العراقي السابق بدعم مالي سخي من الحكومة العراقية وكان يهدف إلى تطوير وإنتاج عدد قليل من الأسلحة النووية. ولا توجد أدلة على وصول العراق إلى تحقيق هذه الأهداف.
- أنجزت الوكالة في نهاية عام 1992 أعمال تدمير أو انتزاع أو تحييد جميع معدات ومواد البرنامج النووي العراقي.
- أكملت الوكالة في شباط 1994 نقل جميع أنواع الوقود النووي المتواجد في العراق.
- لا توجد أدلة على امتلاك العراق أسلحة نووية ولا امتلاك أي مقادير ذات أهمية من المواد النووية التي يمكن استخدامها لإنتاج أسلحة نووية كما لا يمتلك العراق أي قدرات واقعية من (مكونات أو مواد) لإنتاج هكذا مواد.

صدام حسين... إحباط وغضب...
لم نكن نحن الذين جُهدنا طويلاً في البرنامج النووي بأفضل حال من أبناء شعبنا فبعد أن كنا نشعر بالفخر والاعتزاز بعملنا العلمي ونجني ثمار أبحاثنا كل يوم لنحيا مع متعة الإنجاز... وهي متعة كل عالم وفنان ومفكر عبر العصور وسنبقى هكذا ما دام الإنسان يحيا ويعمّر هذه الأرض التي استخلفنا الله عليها.. نقول بعد تلك المتعة العلمية وبعد أن أمضينا نوعاً من بحبوحة العيش مع غيرنا من العراقيين قبل الحصار اللعين أصبحنا الآن كغيرنا نملأ بطوننا بغذاء الحصة التموينية السييء والذي أصاب أمعاءنا بأمراض ما كنا نعرفها ونشكو من أمراض لا نجد من يشخصها ويعالجها ولا نجد من الدواء إلاّ ما تستورده لنا الدولة من أرخص وأدنى أنواع الأدوية في العالم ووجدنا أنفسنا ننشغل ببحوث علمية دون مستوى قابلياتنا ودون مستوى العلم المعاصر بكثير وتدفعنا متطلبات الدولة للبحث عن بدائل لهذه المادة أو لتلك ولهذه الآلة والمُعَّدة. ويأتي الإنجاز في الغالب سيئاً لا يقاوم قسوة متطلبات المكائن ولا يرقى لمستوى أسوأ المواد المصنعة عالمياً ولكنه يسد الحاجة الآنية فقط فغادر الوظيفة عدد من منتسبينا السابقين وهبطوا إلى أعمال مهنية في القطاع الخاص يتنافسون مع عمال مهَرة اكتسبوا مهاراتهم منذ الصغر وتعودوا على قسوة ظروف العمل كما هاجر البعض إلى خارج العراق يصارعون ألم الغربة وقسوة ظروف معيشية لم يألفوها.

صدام... بدأ يناور عن نفسه
في هذه الأجواء الكالحة توطدت قناعة صدام بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية صارت تستهدف حياته وعلم أن مفتشي لجنة الأونسكوم قد زرعوا أجهزة تنصت متطورة داخل العراق للتجسس على مكالماته، وساوره القلق من احتمال تسريب صهريه عند هربهما إلى الأردن معلومات تفصيلية عن الإجراءات الأمنية المشددة التي أحاط بها نفسه مما جعله يغيرها جميعاً. كما أجرى تغييرات شاملة في أفراد حمايته الشخصية. ومما يؤيد المسلك التجسسي لمفتشي الأونسكوم ما صرح به رالف إيكيوس في مقابلة مع راديو السويد في 28 تموز 2002 نشرت وقائعها في صحيفة داغبلاديت في اليوم التالي حيث قال: إن الولايات المتحدة تمكنت من زرع جاسوسين ضمن طاقم لجنة الأونسكوم باعتبار كونهما خبيرين ووجهتهما لجمع معلومات استخباراتية عن التشكيلات الأمنية في العراق وعن أماكن تواجد صدام من خلال زرع أجهزة بث بالصوت والصورة في أماكن عدة داخل العراق بافتراض كونها أجهزة مراقبة ضمن نظام الرقابة والتحقق المستديم، وخصصت مركزاً لتحليل تلك المعلومات الاستخباراتية داخل مقر الأونسكوم في بغداد. كما أعلن إيكيوس أن الولايات المتحدة الأميركية حاولت ربط هذه الفعاليات التجسسية ضمن أنشطة الأونسكوم الاعتيادية. واعترف إيكيوس بأن أربعة أعضاء دائمين من مجلس الأمن (في ما عدا الصحافي) حاولوا في السابق الضغط على مفتشي لجنة الأونسكوم بشتى الأساليب لتنفيذ أعمال تجسسية لمصلحة بلدانهم.
وفي أحد الأيام من عام 1996 استفسر صدام من مستشاريه عن الوقت اللازم بين استلام الأجهزة الاستخباراتية في أميركا لصور الأقمار الاصطناعية وبين تنفيذ هجوم على المواقع التي حددتها تلك الصور، فتم إخباره أن أقل فترة زمنية هي ساعتان وفي ضوء ذلك أمر سكرتير صدام مركز بحوث الفضاء التابع لهيئة التصنيع العسكري تزويده بجدول زمني عن تواجد الأقمار التجسسية الأميركية فوق سماء العراق.
واتخذ صدام إجراءً احترازياً آخر بعدم الإعلان المسبق عن أماكن اجتماعاته الرسمية والشعبية فغدت ومنذ ذلك الحين تصدر التبليغات عن اجتماعاته الرسمية بأقصر ما يمكن من وقت قبل موعد الاجتماع.
وأصبح واجباً على الوزراء أن يلتزموا بهذه الإجراءات فاقتصرت اجتماعات المجلس على الوزراء الذين يعنيهم جدول أعمال الاجتماع إذ كان تبليغهم يتم قبل موعد الاجتماع بساعتين أو ثلاث ويطلب منهم التجمع في قاعة ضمن مبنى وزارة التخطيط، ثم يتم نقلهم بسيارة واحدة ذات شبابيك مغطاة بستائر سميكة إلى موقع الاجتماع. وبعد خضوعهم للتفتيش الدقيق يدخلون إلى المكان المعين ويصل صدام بعد دقائق ليترأس الاجتماع بأقل عدد من الأشخاص. ثم تقلصت لقاءات صدام العامة إلى حد الصفر فلم يعد يظهر أمام تجمعات جماهيرية ولم يعد يزور بيوت الناس ليشاركهم أفراحهم أو أتراحهم كما كان يتظاهر في السنين السابقة لا سيما أيام الحرب العراقية - الإيرانية أو في الفترة التي تلت انتهاء تلك الحرب وإلى حين بدء تداعيات حادثة الكويت. وعلى رغم قلة تواجده الجماهيري إلاّ أن صورته لم تغادر شاشات التلفاز.

صدام... محاولات فشلت في رفع الحصار...
وبعد أحداث عملية ثعلب الصحراء حاول صدام دعوة عدد من رؤساء الدول لزيارة بغداد على أن يأتوا إليها بطائراتهم ظناً منه بأن ذلك سيسهم برفع الحصار عن السفر جواً من وإلى بغداد. غير أنه خاب لعدم استجابة أي من الحكام العرب لدعوته، فسمع بخبر قيام بعض القادة الأفارقة بتحدي حظر السفر الجوي إلى ليبيا ملبين دعوات الرئيس الليبي لزيارة طرابلس فأراد أن يفعل ما فعله القذافي وأوفد سفير العراق إلى الفاتيكان وسام الزهاوي (وهو دبلوماسي محترف منذ عام 1955 وغير مرتبط بتنظيمات حزب البعث) لحمل رسائل دعوة إلى رؤساء أربع دول من غرب أفريقيا هي النيجر وبوركينا فاسو والكونغو- برازافيل وبنين.
حمل الزهاوي رسائل دعوتهم لزيارة بغداد وحضور المعرض التجاري الدولي في تشرين الثاني من عام 1999. وكانت المحطة الأولى ضمن جولته في النجير حيث اجتمع برئيس جمهوريتها إبراهيم ميناسارا الذي قبل الدعوة واعداً بزيارة بغداد في ربيع ذلك العام غير أنه اغتيل في 9 نيسان 1999 في مطار عاصمته نيامي ولم تتحقق الزيارة، كما لم تتحقق بقية الدعوات.

معالم على طريق نزع أسلحة العراق
أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التقرير الموحد السابق عن فعاليات نظام الرقابة والتحقق المستديم للفترة تشرين الأول 1998 وإلى نيسان 1999 فذكرت في الفِقرة 31 ما نصه: "أظهر نظام الرقابة المستديمة عدم وجود أي دليل لامتلاك العراق أسلحة نووية أو أي مقادير ذات شأن من المواد النووية التي يمكن استخدامها لتصنيع سلاح نووي كما لم يحتفظ العراق بأي إمكانات واقعية (أجهزة ومواد) للتمكن من إنتاج هكذا مواد نووية". وذكرت في الفِقرة 34 ما نصه: "إن الشكوك وعدم الموثوقية الشاملة التي لا تزال قائمة نتيجة بعض الأمور العالقة لا تؤثر سلباً على تنفيذ نظام الرقابة المستديمة".
ولعدم وجود مفتشي الوكالة في العراق للفترة منذ 16/12/1998 ولغاية تشرين الثاني 2002 لم تتمكن الوكالة من تنفيذ التفويض الصادر إليها بشأن العراق بحسب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة غير أنها استمرت بإرسال تقارير نصف سنوية إلى مجلس الأمن لتذكره بأن التزامات الوكالة تجاه العراق لا تزال قائمة.
وفي 17/12/1999 أصدر مجلس الأمن القرار 1284 الذي ألغى بموجبه لجنة الأونسكوم وأوجد بديلاً لها لجنة الأمم المتحدة للرقابة والتحقق والتفتيش (UNMOVIC) والتي عرفت اختصاراً بلجنة الأُنموفيك. وتم تعيين هانز بليكس (المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والمتقاعد في ذلك الوقت) مديراً تنفيذياً لهذه اللجنة الجديدة لا سيما أن بتلر كان قد استقال (أو أُقيل) من منصب المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم منذ حزيران 1999 وتولى هانز بليكس تكوين لجنة الأُنموفيك بموجب ما ورد وفي قرار مجلس الأمن 1284 والتي تضمنت:
- اعتماد توصيات لجنة أموريم بشأن الرقابة المستديمة حيثما كان ذلك ضرورياً.
- أن يكون للجنة الأُنموفيك إدارة كفية وجماعية.
- أن يتم اختيار موظفي اللجنة من أوسع رقعة جغرافية بما في ذلك من لجان الحد من التسلح وأن يعتبر هؤلاء المنتسبون موظفون في الأمم المتحدة وليسوا منسبين من دولهم كما كان الحال في لجنة الأونسكوم حيث كان معظمهم من موظفي الدول الغربية.
- أن يتم اختيارهم بموجب خبرتهم وكفايتهم وأن يتم تدريبهم لاكتساب مهارة عالية ومعلومات ثقافية عامة.
- تضمن القرار رغبة مجلس الأمن أن يجمد قرار الحصار لمدة 120 يوماً قابلة للتجديد حال استلامه تقريري لجنة الأُنموفيك والوكالة الدولية بوجوب الإشارة إلى التنفيذ الدقيق لنظام الرقابة المستديمة.
ولكن العراق رفض العمل بهذا القرار رفضاً قاطعاً ورفض التعاون مع تنظيمات مجلس الأمن بشأن مسألة نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية.
لم يقف السكرتير العام كوفي عنان مكتوف الأيدي تجاه المسألة بل استخدم كل الوسائل الدبلوماسية لحث العراق على الموافقة على عودة المفتشين كمدخل لرفع الحصار عن العراق وانتهز فرصة حضوره اجتماع قمة الدول الإسلامية الذي عُقد في قطر في تشرين الثاني 2000 فعرض على القمة وجهة نظر مجلس الأمن بموضوعية ومهارة كما أوصلها إلى عزت ابراهيم نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي الذي مثّل العراق في مؤتمر القمة حيث وعد بتقويم الموقف في العراق بدون شروط مسبقة على رغم أن الموقف الرسمي للعراق كان وما زال حينها رفض استقبال المفتشين (أو الجواسيس كما كان يشار إليهم في وسائل الإعلام الرسمية العراقية) وفي ضوء تلك المبادرة تم الإعلان في 29 تشرين الثاني من عام 2000 في نيويروك أثناء لقاء كوفي عنان مع سعيد الموسوي (ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة) عن عقد اجتماع في نيويورك في مطلع عام 2001 بين وفد رفيع المستوى من العراق وكوفي عنان وآخرين يمثلون سكرتارية مجلس الأمن. وفي 6-7 شباط 2001 عقد أول لقاء بين الجانبين منذ أواخر 1998 حيث أصرّ الوفد العراقي على موقف بلده المعلن من أنه قد أوفى بكامل التزاماته تجاه هذه المسألة وحان الوقت لكي ينفذ مجلس الأمن التزاماته تجاه العراق بموجب الفِقرة 22 من قرار مجلس الأمن 687 (لسنة 1991). وتم الاتفاق على استئناف اللقاء في 7 آذار من العام ذاته في نيويورك.
وفي 27 آذار 2001 حضر كوفي أنان اجتماع قمة دول الجامعة العربية المعقود في عمّان وبدعوة من الملك عبدالله الثاني ملك الأردن. وفي خطابه إلى القمة عبّر أنان عن عميق أسفه لاستمرار معاناة الشعب العراقي وأنه يتطلع مع الجميع لرفع الحصار عن العراق في أسرع وقت وعبّر عن اعتقاده بأن القيادة العراقية ستجني ثمار تعاونها مع المجتمع الدولي ومع دول الجوار أكثر مما تسببه سياسة المجابهة والعناد.
=====

* فصول منتقاة من كتاب سينشره مركز دراسات الوحدة العربية في اواخر الشهر الجاري.





0 user(s) are reading this topic

0 members, 0 guests, 0 anonymous users