كيف لنا أن نقضي على ألطائفية ؟
ألدكتور عبد أللطيف ألجبوري
دانفيل, كاليفرنيا
موضوع الطائفية ومنذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرناً يبدو مشكلة مستعصية كخنجر في جسد الأمة الإسلامية . ونشهد هذه الأيام ما يُمارس من توجهات خطيرة من خلال تغذية الطائفية وهذه دون شك تساهم في تقهقر وضع المسلمين وانكفائهم السريع . ويقف وراء هذه المشكلة أناس ومنظمات منتفعة لها اهداف تخريبيه واضحه. وعلاوة على ذلك فهناك المنتفعون ضيقو الأفق والجهلة من المتطرفين الذين يتم استخدامهم وتشجيعهم على تمزيق أواصر الأمة ألأسلاميه دون أن يدركوا فداحة الأخطاء التي يرتكبوها بحق ألإسلام . ومما يدعو للأسف فإن بيننا الكثير من المسلمين الجهلاء الذين يودون توظيف الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة وفي نفس الوقت يذهبون بعيداً في تشجيع أعمال العنف وتغذية الكراهية بين شتى فئات ألمجتمع. وهناك أيضاً المتطرفون الجهلة الذين يظنون أنه بإمكانهم فرض آرائهم على الآخرين بحد السيف معتقدين أن الله تعالى قد فوضهم بأن يعمموا معتقداتهم التي لا أساس لها ولا تمت للأسلام بصله فكرا كان أم منهجا.
إن ألتفكير القائل "أسلوبي ولا غيره" يتناقض كلياً مع ما أمر الله به المؤمنين في سورة ألبقره ألآيه 256 أن "لا إكراه في الدين" . وهذا المنحى أدى إلى المزيد من التباينات في كيان الأمة وإلى انحراف المسلمين في متاهات غير مجديه اذ يحدث ذلك كله أمام أعيننا وعلى امتداد العالم الإسلامي . وزيادة في ألطين بله , نشهد كل يوم أعمال القتل التي يرتكبها المسلمون من الفئات المختلفة ضد بعضهم البعض دون مراعاة للجنس أو العمر . إن التضليل غير مقبول ويقودنا إلى الهلاك كما هو واقع المجتمع الإسلامي حالياً
لقد أصبح لزاماً على كل واحد منا يتحسس هذه الكارثة أن يسلط الضوء على هذه ألحاله وما يحيط بها من مآسي وعدم أدراك للأمور و أن يثبت أن الإسلام لا علاقة له بهذه الحالة الشاذة.
مما لا شك فيه أن الناس هم أعداء ما جهلوا . وأن كشف الغطاء عن الجهل الذي أوصلنا إلى هذه الأوضاع يعتبر الخطوة الأولى نحو إيضاح حقيقة أن الإسلام لا علاقة له بما نرى من فوضى طائفيه .وكما سيظهر في هذا السياق فإنه لا وجود للطائفية في تعاليم الدين الإسلامي الأساسية كما أنها لا تتفق مع ماجاء في القرآن الكريم أو السنة الشريفة.
والإسلام ومنذ بزوغ فجره كان يدعو ألمسلمين ألى ألتآلف وعدم ألتفرق كما ورد جلياً في القرآن الكريم وكما كرس حياته سيدنا محمد (ص) من خلال أقواله وأفعاله . وفي واقع الحال فإن القرآن الكريم قد حذرنا من الغرق في مستنقع الطائفية كما يظهر بكل وضوح مما يلي من ايحاءات ينبغي فهمها على أنها نبؤات جلية عن واقعنا الحاضر كما ورد في الآيات الكريمة التالية وهي
من سورة آل عمران ، الآية 103
"واعتصوا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا"
وفي سورة ألأنعام ، الآية 159
"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما آمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون"
وكذلك في سورة ألأنعام ، الآية 153
"وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"
والآيتان ألأخيرتان المشار إليهما أعلاه هما اشارتا نبوة بكل ما تحملان من معاني للنبوة الصادقة عن حال المسلمين في يومنا هذا . وقد سار بعض المسلمين دون وعي أو إدراك وراء فئة منهم ضالة منحرفين بذلك عن صراط الله المستقيم ومنقسمين إلى فئات عدة أو شيعا متناحره.
ومن وحي هاتين الآيتين تبدو إدانة لكل أنواع الطائفية . أن المسلمون يرتكبون خطأ فادحاً عندما يقرنون الطائفة التي ينتمون إليها بالإسلام عندما يحددون ديانتهم . وهذه الغلطة الفاحشة قد عجلت بخلق هذا الشرخ بين أفراد المسلمين وغيرهم ممن يفسر تعاليم ألأسلام كما يروق للطائفه وتنعت ألطوائف الأخرى بالأنحراف و ألضلال. وبدل أن يستفيدوا من هذا التباين بالأفكار للوصول إلى حلول مناسبة لحاجاتهم فإنهم وبتزمت شديد تبنوا هذه التفسيرات على أنها دون غيرها ألطريق ألصواب.
ولا يغب عن بالنا أنه من الخطأ مناداة أنفسنا بأي تسمية غير مسلم كأن نقول مسلم سني أو شيعي . ونحن بذلك نعبث بالمعتقد الأساسي لإسم الدين الذي ننتمي له جميعاً . وعليه فإننا وتحديداً مسلمون ولا غير ذلك . وهذا ما نادى به ربنا كلاً من آدم ونوح وإبراهيم والحقيقة هي أن جميع الأنبياء مسلمون .
ففي سورة ألأنعام، الآية 128
"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك"
وفي سورة ألبقره ، الآية 132
"ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون"
وفي سورة ألبقره ، الآية 135
" وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"
وفي سورة ألبقره ، الآية 136 تنص بالتحديد
"قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط وما أوتي موسى و عيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"
وما دمنا أتباع رسله ابتداءْ من آدم وانتهاءْ بخاتم ألرسل محمد (ص) يصبح من المنطق تبعاً لذلك أن ندعو أنفسنا مسلمين ولا شيء غير ذلك .
إن أسم دينه جل جلاله هو الإسلام و" ان الدين عند الله الإسلام", سورة آل عمران ألايه 19, وهذه هي التسمية لنبؤاته للبشرية. وكيف لنا أن نتجرأ ونسمي أنفسنا بأكثر من مسلمين ؟ بكل تواضع أن كل التسميات ألطائفيه التي يحدد فيها المسلم مذهبه هي غريبة عن روح الإسلام ويجب رفضها من جميع المسلمين الصالحين .إن المسلم وعن جهل منه يبث الشقاق بين المسلمين عندما يدعو نفسه بطريقة بعيدة عن أسس الإسلام وهي تبني أسم ألطائفه .
والمسلم وبسبب جهله في أساسيات الإسلام أو سبل تطبيقها في حياته اليومية ربما رأى حاجة إلى السعي للبحث عن إرشادات أو نصائح من الذين هم أكثر معرفة منه في ذلك الشأن من شؤون الدين وهناك العديد من الدعاة الصالحين الملمين بالدين ممن كرسوا حياتهم في شرح وتفسير القرآن وإبداء وجهة نظرهم في أفضل سبل التطبيق . ونحن بحاجة بصفة مستمرة في يومنا هذا وفي الأجيال القادمة إلى المزيد من الدراسات والدارسين في هذا العالم المتسارع في ديناميكياته وتقلباته . إن آراء تلك المدارس وتفسيراتها المرتبطة بزمن ما تختلف بطبيعتها عن أساسيات الدين كما وردت في القرآن الكريم والسنة الشريفة والتي تنطبق على مدى ألزمن . إن الإلتحاق أو الإنتساب يجب ألا يجر المرء إلى تسمية نفسه بإسم ألمدرسه أو الفكر الذي ألحق نفسه به، ويبقى ولاؤنا لله عز وجل وليس للمدارس أو ألأفكار .
وإذا كنا نريد أن نكون صادقين في دعوتنا لنشر ألوفاق و ألتآخي بين ألمسلمين فإن الطريق المستقيم الواجب علينا أتباعه يكمن في القرآن والسنة وذلك بتسمية أنفسنا بالطريقة التي أسمانا بها ذوا ألعزة و ألجلاله أي "مسلمين" . غير أننا إذا ذهبنا إلى دعوة أنفسنا بأسماء لم يستعملها نبينا في حياته ولا هي واردة في القرآن الكريم نكون بذلك ودون أدنى شك قد أنخرفنا عن ألطريق ألقويم . وصحابة الرسول عليه السلام الذين عاشوا حياة إسلامية مثالية لم يطلقوا على أنفسهم أسماء كالتي يسمون بها مسلمو هذه الأيام أنفسهم . وبإصرارنا على تسمية أنفسنا بالإسم الوحيد والصحيح الذي أسبغه الله تعالى علينا نكون بهذا وببساطة قد تخلصنا من تلك الآفة التي نتج عنها الإنشقاق والطائفية والتي أوصلتنا إلى هذا المستوى من الإنحدار والتأزم .
هذا وبتحررنا من التبعية المصطنعة لفكر مدرسة ما ستكون لنا الحرية في اختيار حلول هي الأنسب لأحوالنا وحاجاتنا الخاصة مما هو متوفر من مختلف الأفكار والتفسيرات الصادرة عن دعاة المسلمين الأتقياء .
نعم ! نحن بحاجة إلى مذاهبنا للأنشغال بشرح الحالات الجديده التي تواجهنا مثل علوم الفضاء وأبحاث سلالات الخلايا والبيئة وما إلى ذلك من مواضيع تواجهنا بألحاح في هذا الزمن لأيجاد ألحلول لها بما يتماشى و أطار ألعقيده ألأسلاميه ألسمحاء.
ونحن دوماً بحاجة إلى المزيد من هذه الأفكار لأن زمننا يتغير باستمرار وهناك الجديد والرائع في كل يوم كما ورد بكل وضوح في القرآن الكريم في سورة ألرحمن ، الآية 29
"كل يوم هو في شأن"
بل كل ساعه وكل دقيقه وكل ثانيه هنالك متغيرات جديده في حيلتنا في هذا الكون ألعظيم.
نحن نرحب بالمذاهب الإسلامية والتباينات في آرائها في شتى المواضيع حيث تضع أمامنا الخيارات ضمن الأفكار بآفاقها البعيدة من أركان الإسلام والتي لم تكن لتخدم المسلمين وتهديهم منذ زمن الرسول إلى يومنا هذا فحسب بل وللأجيال القادمة أيضاً . الإسلام بمعناه التسليم لمشيئة الله هي الرسالة الوحيدة لا غيرها أرسلت للبشرية من يوم آدم إلى يوم الحساب.
و سيدنا محمد قد علمنا من خلال سيرته ألقويمه كيف نتعامل عند أختلاف آراء ألمسلمين حين تنازل عن رأيه( وهو رسول ألأمه) و ألأخذ بالرأي ألمغاير في ألتوصل لأختيلر ألمكان ألمناسب لواقعة أحد. بهذا الأسلوب يجب النظر إلى مختلف آراء المذاهب بدلالاتها حيث أن النصائح المذهبية التي تصب في تيار الفكرالإسلامي الديناميكي يفترض فيها ألمرونه كما ويجب أن تجاري المتغيرات الزمنية على أن تنحصر دائما بحدود الإسلام الأساسية والتي هدانا الخالق العظيم لإتباعها في صراطه المستقيم . وما دام الزمن يتغير والمذاهب تتبدل فإنه وتبعاً لذلك ومن دواعي الحاجة لا بد من أن تتماشى مختلف آراء المذاهب مع ألزمن . وكل يوم هو يوم آخر كما ورد أعلاه في ألآيه ألكريمه . وإن اختلاف الآراء في المذاهب يقتضي بالضرورة أن يكون ذو طبيعة شورى فقط ولا ينظر إليها على أنه لا يوجد غيرها في هذا الكون وهي بالضروره ذات صله بزمانها و مكانها . والمسلمون أحرار في اختيار ما يناسبهم من هذه التفسيرات المتباينة لتتلائم مع مفهومهم للإسلام كي يتمكنوا من أن يعيشوا حياة تتناسب مع مبادئهم الإسلامية مراعين المتقلبات الزمنية . ولا ننسى قوله عز وجل في سورة ألبقره ألآيه 256 "لا إكراه في الدين" بعد أن بدا جلياً دون أي لبس أن معتقدات الإسلام الأساسية هي أن تسلك حياة إسلامية صحيحة على هدى سيدنا محمد (ص) الذي كان مسلما ولم ينعت نفسه بأي صفة أخرى . إن طريق المسلمين الخاضعين لمشيئة الله هو الصراط المستقيم والعمل ألصالح الذي هدانا الله إليه فدعونا نسلكه دون غيره وكما أوعز الله لنا بذلك في سورة ألأنعام ألآيه 153 . "وأن هذا صراطي مستقيما..." وباتباع الصراط المستقيم الذي رسمه لنا رب العالمين إنما نقدم خدمة جليلة للأسلام و ألمسلمين . ونحن بذلك نضع الحجر الأساس للوحدة التي عناها الخالق لنا عندما دعانا إلى الإعتصام بحبله وألا نتفرق وهكذا عندما ينادى كل منا نفسه بالمسلم ونكون بذلك قد أجهضنا الإنشقاق الذي كان السبب الرئيسي لحالة عدم الإستقرار الذي نعيشه منذ 1350 سنة . وإنه بالإشارة إلى أنفسنا بالمسلمين فقط إنما نحمي المجتمع من هذا الإنشقاق والوهن الذي يصعب علينا تحمله .
وها قد وصلنا إلى لحظة الحقيقة في تاريخنا ولم يعد مقبولاً الإنقياد الأعمى والذي أصبح السبب المباشر لحروب طائفية منهكة وإلى قسمة المسلمين وتخلفهم . فمن أهم مقومات الدين هو إرشادنا إلى كيفية التعامل مع بعض من خلال التفاهم والتسامح.
ألم يحن الأوان لنفيق من سباتنا ونرى الحقيقة ونتولى مصيرنا بأنفسنا . ربما كان هذا ولا زال ممكناً فدعونا نرجع إلى المنطق ونتسامح وندرك أن المطلوب منا أن نبدو كبشر يدّعون الإسلام . إن من واجبنا بوصفنا وكلاء الله في أرضه أن نحسّن العالم الذي نعيش فيه ونساعد على نشر الإنسجام والتسامح والسلام في هذا العالم ... وهذا كل ما يهدف من ورائه الدين ألحنيف فالدين عند نهاية ألمطاف هو ألأخلاق.