Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
abusadiq

الإرث المنسي للعرب

Recommended Posts

الإرث المنسي للعرب

 

جيل جديد من المفكرين الفرنسيين ينقب في تاريخ الحضارة العربية ـ الإسلامية

 

 

 

هاشم صالح

 

يعتبر آلان دوليبيرا احد كبار مؤرخي الفلسفة، وبخاصة تلك الفلسفة التي ظهرت في القرون الوسطى. وهو لا يمر على الإسهام العربي في هذا المجال مرور الكرام كما يفعل الكثيرون هنا في الغرب. بل على العكس انه يتوقف عنده طويلاً ويوفيه حقه، بل ويبدي اعجابه به في اكثر من موضع. وهذا دليل على ظهور جيل جديد من الباحثين الفرنسيين الشباب المتحررين من العقلية الاستعلائية التي كانت سائدة في زمن الاستعمار.

 

كتب آلان دوليبيرا اصبحت الآن مراجع لجميع الباحثين في فكر القرون الوسطى، وفي التفاعل الثقافي بين كلتا ضفتي المتوسط، وفي مدى تأثير الحضارة العربية الاسلامية على الحضارة اللاتينية ـ المسيحية أو الأوروبية. ومن اهم كتبه يمكن ان نذكر كتابين اثنين هما: "الفلسفة في القرون الوسطى"، ثم "التفكير في القرون الوسطى". ويتحدث في الأول عن جملة مواضيع مهمة منها: الفلسفة في المشرق الاسلامي، ثم الفلسفة في المغرب الاسلامي. وفي الكتاب الأول يقول بما معناه: لقد حصلت في القرون الأولى للاسلام حركة ترجمة واسعة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وأدت الى انتاج موسوعة فلسفية ضخمة في اللغة العربية لأول مرة في التاريخ. وقد تحقق ذلك خلال بضعة عقود من السنين. وكان الفضل في ذلك يرجع إلى الإرادة السياسية المتحمسة للخلفاء العباسيين. صحيح ان الحركة ـ حركة الترجمة ـ ابتدأت في عهدي الخليفتين المنصور والمهدي، ولكنها لم تبلغ ذروتها ولم تنطلق حقيقة إلا في عهد المأمون (813 ـ 833م).

 

ففي عهد الخلفاء العباسيين الأوائل كان الاهتمام يتركز على العلم أكثر من الفلسفة. وقد ارسل المنصور بعضهم إلى جنديسابور للبحث عن كتب علمية مفيدة من اجل ترجمتها، وبخاصة كتب الطب، والفلك، والرياضيات. واما ترجمة الكتب الفلسفية فلم تحصل فعلاً إلا في زمن المأمون. فقد ارسل المبعوثين الى بلاد الروم (أي بيزنطة) لكي يشتروا المخطوطات اليونانية ويجلبوها إلى بلاد الاسلام. وكان ذلك في أواخر القرن الثاني الهجري/ وأوائل القرن التاسع الميلادي. وكانت هذه المخطوطات الفلسفية الاغريقية موجودة في بلاد الروم منذ زمن طويل. ولكنها لم تؤد هناك الى توليد أي انتاج فلسفي محلي، أو تفاعل خصب. على العكس من ذلك، فإن العرب إذ استملكوا الثقافة الاغريقية عن طريق ترجمة الفسلفة فانهم اصبحوا مبدعين في هذا المجال. ولم يبقوا مجرد نَقَلة او مترجمين. لا ريب في ان الترجمة سبقت مرحلة الابداع الذاتي، وهذا أمر طبيعي، ولكنهم لم يكتفوا بالترجمة. والواقع ان السفراء الذين أرسلهم المأمون الى بلاد الروم كانوا هم أصلاً فلاسفة وليس فقط مترجمين. وأسس المأمون عندئذ معهداً للترجمة والبحوث لا مثيل له في ذلك الزمان هو: بيت الحكمة. وقد وظف فيه جميع مترجمي تلك الفترة كالحجاج بن مطر، ويحيى بن البطريق، وحنين بن اسحاق الأب، ثم حنين بن اسحاق الابن، ثم حبيش بن اسحاق، وآخرين عديدين. ماذا ترجموا آنذاك؟ تقريباً جميع كتب أرسطو بالإضافة إلى مؤلفات أخرى علمية وطبية وفلكية...

 

بعد ان قضي على الفلسفة في المشرق بسبب انهيار الحضارة العباسية والبويهية وسيطرة السلجوقيين، راحت تنتقل الى المغرب بالمعنى الواسع للكلمة: أي الغرب الاسلامي وبخاصة اسبانيا الاسلامية أو (الأندلس). يقول آلان دوليبيرا: ابن سينا مات عام 1037م. واما الفيلسوف الكبير الأول في الغرب الإسلامي فكان ابن حزم القرطبي الذي مات عام 1064. وهكذا توافرت الظروف لكي تنتقل شعلة الفكر الفلسفي من المشرق الى المغرب. بمعنى آخر فان قرطبة حلت محل بغداد كمركز للاشعاع الفكري للعالم الاسلامي. لا ريب في ان الازدهار الفلسفي الذي شهدته الاندلس في منعطف القرنين العاشر/ والحادي عشر للميلاد عائد الى انتقال مراكز البحث والدراسة من المشرق الاسلامي الى المغرب الاسلامي. وكما ان اول امير للاندلس كان سورياً، فان الفسلفة انتقلت ايضا الى اسبانيا من سوريا، بل ومما هو أبعد من سوريا. فالكتب، والنصوص، والترجمات، والثقافة العقلانية، والعلم، كل ذلك وصل الى قرطبة، كما كان العلم الاغريقي قد وصل الى بغداد سابقاً. وحتى بعد ان انهارت اسبانيا الاسلامية (أو الاندلس) أمام الجيوش المسيحية، فانها انتصرت فلسفياً على مهاجميها تماماً كما حصل لليونان مع روما. فالمهزوم عسكرياً كان هو المنتصر فكرياً. كيف؟ عن طريق انتقال الفلسفة العربية الاسلامية الى بلدان اوروبا المسيحية اللاتينية. فمراكز الدراسات والبحوث والترجمات راحت تنتقل مرة ثالثة من العرب الى الاوروبيين. وعندما ماتت الفلسفة العقلانية (او الرشدية) في كل انحاء المغرب الاسلامي راحت تزدهر بشكل لم يسبق له مثيل في اسبانيا، وايطاليا، وفرنسا، وانجلترا، الخ.. هكذا انتقل مركز العلم والاشعاع الحضاري من قرطبة الى طليطلة. فمن هذه المدينة بالذات انطلقت الفلسفة اللاتينية لأول مرة وساهمت في نهضة اوروبا وتفوقها على العالم الاسلامي لاحقاً. فقد حصلت فيها حركة تثاقف هائلة بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي من خلال ترجمة أمهات الكتب الفلسفية من العربية الى اللاتينية. ثم يطرح آلان دوليبيرا هذا السؤال: هل كان ابن حزم أول فيلسوف قرطبي؟ يجيب على ذلك قائلاً: ربما كان قد سبقه أو مهَّد له بعض الفلاسفة الآخرين. والواقع ان ابن حزم ليس فيلسوفاً بالمعنى المحض للكلمة، وانما كان فقيهاً ومتكلماً بالدرجة الأولى. أو قل بانه كان فقيهاً يتفلسف. وكان ينتمي إلى علية القوم. ومعلوم ان الطبقات العليا في المجتمع الاسلامي لم تكن معادية للفلسفة. فوحدها العامة او ما ندعوه حالياً بالجماهير الشعبية كانت معادية لها. نقول ذلك ونحن نعلم ان الخليفة المنصور العامري أمر بحرق كتب الفلسفة إرضاء للعامة والفقهاء الذين يجهلون العلوم الدنيوية أو المنطقية.

 

وكان عهده بمثابة نقطة انطلاق سيئة لشن حملة هائجة وعنيفة ضد الفلسفة والفلاسفة. فقد أمر بتدمير الكتب والمكتبات، بل وتصفية الفلاسفة جسدياً بحسب رأي بعض المؤرخين. وهذا مخالف لما حصل في عهد الخليفة الموحدي ابو يعقوب يوسف الذي كان بلاطه في اشبيليا مركزاً مشعاً للعلم والفسلفة. فقد استقبل فيه كبار الفلاسفة من امثال ابن الطفيل، وابن رشد، وابن زهر، وشجعهم على مواصلة أبحاثهم العقلانية. وكذلك فعل ابنه ابو يوسف يعقوب المنصور الذي يختلف كثيرا عن المنصور الأول المذكور آنفاً. فقد شجع الفلسفة في بداية عهده ثم انقلب عليها في نهايته عندما اضطهد ابن رشد إرضاء للعامة ايضاً. هكذا نجد ان مصير الفلسفة ـ أي الفكر العقلاني ـ كان مرتبطا بنوعية الخليفة الحاكم، وبنوعية الظروف الاجتماعية والتاريخية السائدة. والواقع ان الصراع بين أنصار الفلسفة والمعادين لها ما انفك يتأجَّج في المجتمع الاسلامي حتى انتهى اخيراً بهزيمة الفلسفة في المشرق والمغرب على السواء والدخول في عصور الانحطاط الطويلة التي لم نخرج منها حتى الآن. او قل اننا نحاول ان نخرج منها عن طريق بذل جهود هائلة من اجل النهوض والانبعاث. والعملية ليست سهلة لأن من نام ستة قرون على التاريخ (أي من القرن الثالث عشر إلى القرن التاسع عشر) لا يستطيع ان ينهض بسهولة من كبوته. فيلزمه وقت طويل لكي يستدرك ما فات ولكي يلحق بركب الحضارة المعاصرة. من هنا سر الاحباط والتمزق والاختلاجات الهائجة التي نشهدها حالياً في مناطق شتى من العالمين العربي والاسلامي. فالفلسفة لم تمت فقط في بلداننا وانما نسينا انها كانت موجودة اصلاً. نسينا اننا كنا اساتذة للعالم يوما ما. نسينا اننا كنا مركزاً حضارياً مشعاً طيلة عدة قرون. وبالطبع فقد كان للآخرين مصلحة في نسيان ذلك أيضاً وطمسه لكي يقولوا بانهم هم وحدهم الذين صنعوا الحداثة، وانهم غير مدينين للعرب بأي شيء. وهذا ما يعيبه عليهم آلان دوليبيرا عندما يتحدث عن "الإرث المنسي للعرب". يقول هذا الباحث الموضوعي الذي يتعصب للحقيقة فقط لا للانتماءات العرقية او الدينية أو المذهبية. يقول في كتابه "التفكير في القرون الوسطى" ما معناه: اثناء القرون الوسطى الأولى انتقلت مقاليد الاسلام من أيدي الأمويين الى أيدي العباسيين. وقام هؤلاء الأخيرون باجراء انقلابات عميقة على المستوى الثقافي. وهذه المتغيرات تتلخص بكلمتين اثنتين: ازدهار علم الكلام، وكذلك الفلسفة. ففي بغداد راحوا يترجمون النصوص ويشرحونها، أقصد نصوص ارسطو وسواه. وترجمة النصوص الفلسفية وشرحها لا يمكن ان يحصلا إلا في بيئة متسامحة نسبياً، وكذلك في بيئة متعطشة للفكر الفلسفي.

 

فلو لم يكن هناك طلب على الفلسفة والعلم لما فكر أحد في ترجمتهما. ولو كان التزمت يسود الساحة كلياً لما تجرأ أحد على ترجمة كتب الفلسفة. صحيح ان العديد من التقليديين والفقهاء نهضوا ضدها وهاجموها بحجة انها علوم دخيلة، لكنهم لم يستطيعوا منعها. لنقارن الآن بين وضع أوروبا في عهد شارلمان، ووضع العالم الإسلامي في عهد هارون الرشيد، وهما متزامنان. فالإصلاح الذي قام به شارلمان لم يتجاوز تلبية الحاجيات الدينية والإدارية للدولة. صحيح أنه كان خصباً في إنجازاته الجزئية، لكنه كان متواضعا في الإنجاز العام. كان يهدف فقط إلى تعليم النخبة الكهنوتية (أي رجال الدين المسيحيين)، القراءة والكتابة، ثم تشكيل طبقة من موظفي الإمبراطورية للقيام بالشؤون الإدارية. لكن في نفس اللحظة، كان هارون الرشيد يقوم بسياسة ثقافية مختلفة تماما وأوسع بكثير. كانت سياسته أكثر إشعاعاً، وطموحاً، وتطوراً. فقد راح العرب المسلمون يترجمون كل التراث الفكري للبشرية تقريباً. وأقصد بذلك ليس فقط التراث اليوناني من علمي وفلسفي، إنما أيضا التراث السرياني، والفارسي، والهندي، واللاتيني.. إلخ، وكانوا يرسلون البعثات إلى بلاد فارس، والهند، والقسطنطينة من أجل البحث عن الكتب والمخطوطات. ما الذي كانوا يترجمونه؟ كل شيء تقريبا، وبخاصة النصوص الفلسفية الكبرى للإغريق. ماذا فعلوا بهذه النصوص بعد ترجمتها؟، كانوا يقرأونها أولا، ثم يشرحونها ويعلقون عليها ثانيا، ثم في خط الرجعة، كانوا يؤلفون نصوصا جديدة انطلاقا منها، وبالتالي فلم يكتف العرب بالنقل والترجمة كما يتهمهم بعض المستشرقين، إنما راحوا يبتكرون بشكل ذاتي ويبدعون. وهذا هو الإرث المنسيّ للعرب: أقصد الإرث الذي نسيته أوروبا أو تجاهلته، على الرغم من أنه غذّاها طيلة عدة قرون وساهم في نهضتها. والواقع أن العرب ظلوا يشكلون المرجعية الفلسفية لأوروبا من القرن الحادي عشر وحتى القرن الخامس عشر على الأقل. بعدئذ راحت أوروبا تنطلق بسرعة صاروخية وتتفوق علينا. وفي ذات الوقت توقفنا نحن عن العطاء والإبداع، ودخلنا في عصور الانحطاط الرتيبة التي لم نستفق منها إلا في القرن التاسع عشر على وقع سنابك جيوش نابليون بونابرت..

 

لقد قدم العرب مثالاً رائعاً على كيفية التثاقف أو التفاعل الفكري مع الثقافات المختلفة. وأثبتوا أنهم قادرون على فهم الفكر الفلسفي والعلمي، بل واستيعابه والإبداع فيه. ثم أخذ المسيحيون والأوروبيون العلم عنهم وانشغلوا بترجمة كبار مفكرينا طيلة أكثر من قرن. لكنهم أخطأوا أحيانا في فهمهم. وهذا دليل على مدى صعوبة انتقال الفكر من بيئة إلى أخرى، ومن لغة إلى أخرى. فليس كل شيء يُنقل، وليس كل شيء يُفهم ويُستوعب على حقيقته إذا ما نقل. نضرب كمثل على ذلك، ترجمتهم للغزالي. فقد اعتقدوا أنه فيلسوف محض مثله في ذلك مثل ابن رشد، أو الفارابي، أو ابن سينا، لماذا؟، لأنهم ترجموا كتابه "مقاصد الفلاسفة" ونسوا أن يترجموا كتابه الآخر "تهافت الفلاسفة".. والواقع أن الغزالي ما استعرض عقائد الفلاسفة في كتابه الأول، إلاّ لكي يدحضها ويفنّدها في كتابه الثاني. ومعلوم أن الغزالي كان ذا علم كبير كالبحر، وكان يشمل العلوم الدينية والعلوم الدنيوية على السواء، وبالتالي فلم يكن يدحض شيئاً لا يعرفه كما يفعل بعض الشيوخ التقليديين حالياً عندما ينتقدون العلم الأوروبي أو الغربي عموماً. ثم جاء ابن رشد بعده بحوالي السبعين سنة، لكي يرد عليه في كتاب لا يقل شهرة هو "تهافت التهافت". وهذه المجادلة التي جرت بين الغزالي وابن رشد تعتبر من أكبر المناقشات الفكرية التي جرت في العصور الوسطى. وهي دليل على مدى نضج الفكر العربي ـ الإسلامي وتفوقه وثقته بنفسه. فها هما مفكران كبيران ينزلان إلى الساحة: الأول يهاجم الفلسفة، والثاني يدافع عنها. وكل واحد يستخدم العديد من الحجج العقلانية والأساليب المنطقية في النقاش والمجادلة. ولم يحصل أي سِباب أو شتم، لأن ابن رشد كان يحترم الغزالي ويعرف قيمته. فالحجة تقارع بالحجة، ومن ينتصر أمام الجمهور المثقف فحلال عليه.. لكن الدائرة كانت قد دارت على الفلسفة، وظروف العالم الإسلامي أخذت تتدهور في المشرق كما في المغرب، فهزم الفكر العقلاني الفلسفي وانتصر الفكر اللاهوتي الصوفي، وكذلك الفقهي الجاف والناشف. انتصر التقليد والتكرار والاجترار..

 

ولا نزال ندفع ثمن هزيمة الفلسفة حتى هذه اللحظة. فلو أنها بقيت حية لما انتصر ذلك الفكر الضيق والمتزمت الذي يهيمن علينا اليوم من خلال الحركات المتطرفة التي شوهت صورة الإسلام والحضارة العربية الإسلامية في كل أنحاء العالم. فهم يقومون بأعمال ما أنزل الله بها من سلطان، ثم ينسبونها إلى الإسلام، والإسلام الحق من ذلك براء. نعم لقد ساهمت الفلسفة سابقا في تقديم قراءة ذكية وعقلانية لتراثنا الديني وعرفت كيف توفق بين العلم والإيمان، أو بين العقل والنقل. وأما اليوم، فلم يعد هناك لا علم ولا عقل، إنما تيارات لاعقلانية كاسحة تفسر الإسلام على هواها وتطلق الفتاوى شمالاً وجنوباً، وتكون النتيجة كارثة حقيقية، إنهم يفتون بقتل الأبرياء بكل تهور ولامسؤولية ودون أن يرفّ لهم جفن!..

 

بل إنهم يقدمون الذرائع والحجج الذهبية لأعداء الإسلام في الغرب والشرق لكي يهاجموه وينالوا منه ومن حضارته.. وبالتالي فإني أدعو إلى محاسبة النفس ونقد الذات قبل الرد على الآخرين، وبخاصة إذا كان هؤلاء الآخرون لا يستحقون حتى مجرد الرد.. كما وأدعو إلى الاطلاع على ما كتبه الباحثون الكبار في الغرب الأوروبي والأميركي عن تراثنا العربي الإسلامي بكل علم وموضوعية. فهذا أجدى لنا من الانشغال بأناس سطحيين لا معنى لهم.. ينبغي العلم بأنه توجد في اللغات الأجنبية كالألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، عشرات الكتب ومئات البحوث التي لم يسمع بها أحد حتى الآن في العالم العربي، على الرغم من أنها متركزة على التراث الإسلامي. فهل يجوز ذلك؟ هل يعقل؟. إن آلان دوليبيرا ليس الباحث الوحيد الذي يتحدث بموضوعية واقتدار عن تراثنا، إنما هناك عشرات غيره، وقد آن الأوان للاطلاع على ما كتبوه ليس من أجل التصديق عليه حرفياً، إنما من أجل الاستئناس به ومناقشته والتفاعل معه، إما سلباً وإما إيجاباً.

 

مأساة الفكر في العالم العربي والإسلامي هي أن الجدلية الخصبة التي كانت سائدة في الفترة الكلاسيكية بين العقل الديني والعقل الفلسفي، انقطعت أو انتهت بعد موت ابن رشد (1198). وهكذا سيطر الفكر اللاهوتي الضيق وطرق الدروشة الصوفية على الساحة كلياً تقريباً، ولم يعد يُفسح أي مجال للفكر العلمي أو الفلسفي. ونحن ندفع ثمن ذلك الآن. صحيح أننا حاولنا أن نستدرك الوضع عندما استيقظنا في القرنين التاسع عشر والعشرين، وابتدأنا النهوض الصعب، لكن الركب ـ ركب الحضارة والتقدم ـ كان قد سبقنا كثيراً، وأصبح متعذراً اللحاق به بين عشية وضحاها، فالتركة الموروثة عن الماضي ثقيلة، وقوى العطالة الذاتية والجمود تعرقلنا كلما حاولنا النهوض، وقد حاولنا أكثر من مرة، ولا نزال نحاول حتى هذه اللحظة، وسوف نظل نحاول حتى ننجح بإذن الله، فإذا كان العرب المسلمون قد أثبتوا قدرتهم في الماضي على استيعاب الحضارات والعلوم والفلسفات، فلماذا لا يستطيعون ذلك الآن أو مستقبلا؟. يكفي أن يستوحوا (أو يستلهموا)، أسلافهم الكبار في العصر العباسي أو الأندلسي ويقوموا بحركة ترجمة شاملة للعلم الحديث. والواقع أن وضع أسلافنا تجاه الفلسفة اليونانية لا يختلف كثيراً عن وضعنا نحن الآن تجاه الفلسفة الأوروبية. الفرق الوحيد بيننا وبينهم، هو أنهم عرفوا كيف يترجمون العلم الإغريقي ويبنون عليه ويضيفون إليه، في حين أننا لا نزال نتخبط دون أن نستطيع التوصل إلى بلورة سياسة متكاملة لعملية الترجمة والتفاعل الثقافي. لقد كانوا أكثر جدية منا في ما يخص احترام العلم والفلسفة وكيفية استيعابهما. من يستطيع الآن أن يترجم كتاباً واحداً في الفلسفة إلى اللغة العربية؟، اقصد يترجمه بشكل صحيح ومسؤول ناقلاً حيثياته وظروفه وليس فقط نصه الأصلي. أكاد أسمع بعض المثقفين العرب يقهقهون إذ أقول هذا الكلام. فهم يعتقدون أن الترجمة فعالية ثانوية لا تليق بالمثقف المبدع الذي يخترع كل شيء من عدم!. لكنهم لا يعلمون أن ترجمة الفكر هي من أصعب الأعمال، وينبغي أن تتوافر عدة شروط لكي تنجح فعلاً. فالترجمات الرديئة أو المبهمة تملأ الأسواق العربية، ونتيجتها ستكون تشويه أجيال بأسرها.. نعم اني اتفق مع آلان دوليبيرا على القول بأن النهضات الكبرى لم تحصل إلا على أكتاف الترجمات الكبرى. وينطبق ذلك على الأوروبيين، مثلما ينطبق على العرب المسلمين، أو اليابانيين، أو الصينيين، أو الهنود، أو بقية العالمين.. نعم ان المستقبل هو للتفاعل الثقافي بين الحضارات وليس لصدام الحضارات كما يحاول أن يقنعنا المتطرفون في الغرب أو في الشرق.

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...