Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
Sohel

إتحاد الأقاليم الجنوبية لا "إقليم الجنوب

Recommended Posts

إتحاد الأقاليم الجنوبية لا "إقليم الجنوب"

 

سهيل أحمد بهجت

 

مؤخرا تردني مجموعة مقالات من الكاتب تقي جاسم صادق و لكن إن أراد الكاتب أن أدخل معه في نقاش علني فأنا أرحب بذلك، تدور غالبية مقالات الكاتب حول فكرة أساسية و هي إقامة ما يسميه بـ"إقليم الجنوب الشيعي" و رغم أنني أتفق مع كثير من أطروحاته السياسية و بعض آراءه حول الحكومة العراقية و مظلومية الغالبية الشيعية في العراق، إلا أن طرحه لا يخدم الشيعة خصوصا و العراقيين عموما، فأعداء العراق يسعون الآن إلى إثارة النعرتين الطائفية و القومية، و حين يخسر العراق روحه الوطنية التي تتجسد في الديمقراطية، فإن البعث و من لف لفهم ممن يريد إشعال حرب أهلية سيكونون أول من يستفيد.

 

و المقال الذي يعنيني ها هنا هو موضوع كتبه الكاتب ردا على مقال للكاتب فاضل المياحي الذي رفض ربط 9 محافظات جنوبية ببعضها في فدرالية واحدة و لأسباب مختلفة، لا أريد أن أتهم الكاتب تقي جاسم صادق بنفس المنطق الرجعي القديم الذي يوزع تهم التخوين و التضليل و لكن خطابه طائفي عرقي بلا شك و يهدد فعلا بتحويل العراق إلى جهنم حقيقية، فهو يطرح أشياء متناقضة و يتعامل مع فكرة الوحدة "الطائفية و العرقية القومية بدلا من الوطنية" بمنظور العقل القديم الذي ينظر إلى البشر كمجموع قطعان.

 

الكاتب ينتقد أحزابا شيعية إسلامية بل و يتهجم عليها سواء بالقول أنها فاشلة أو لا تنتمي إلى العراق و تارة بأنها موغلة في الفساد الحكومي، لكن الكاتب يروج في الوقت ذاته لمبدأ "الإقليم الجنوبي" و هو ذات الطرح الذي تطرحه تلك الأحزاب التي اتهمها بالفساد قبل قليل، و هذا التنظير المتناقض هو الذي يدفعنا للقول بأن كل النقد الموجه إلى هذه الأحزاب هو مجرد تحضير لذهن القارئ العراقي "شيعيا كان أم سنيا" لما يحضر له من أفكار تصب لمصلحة جهة بعينها و لكي لا يحكم القارئ على الكاتب سلفا بأنه تابع للحزب أو التيار الفلاني، فكلنا يعلم أن "إتحاد أقاليم الجنوب" لو تحقق فسيكون أقوى من "إقليم الجنوب" الذي سيبقى خاضعا لمركز آخر، ربما النجف، بدلا من التبعية إلى بغداد و بالتالي تكون الفرصة مواتية لعوائل معينة للهيمنة و فرض طابع واحد للإقليم و رئيس "دكتاتور" آخر يمُنّ على المحافظات بالمنح و الهبات.

 

إن إقليم البصرة إذا ما قدر له أن يولد و يصبح حقيقة فإنه و لعدة أسباب سيكون خطوة مهمة باتجاه التقوية الاقتصادية و السياسية للعراق ككل و للجنوب على وجه الخصوص، فإقليم البصرة لن يكون طائفيا و لا قوميا عنصريا يتعامل مع العراقيين بمنطق "الغرباء" و "الوافدين"، و إذا ما كان الكاتب تقي جاسم صادق يصف شخصية وطنية كالدكتور وائل عبد اللطيف بأنه يعرض مخططا مشبوها هو إقليم البصرة المستقل، فإن الاستنتاج الواقعي و العقلي يقول أن إقليم الجنوب الذي نرفضه لأسباب وطنية و آخرون يرفضونه لأسباب "طائفية"، هذا الإقليم سيكون سببا أو حجة لآخرين ليقيموا دكتاتورية أخرى و بأعذار أخرى.

 

إن إدارة مجموعة فدراليات ديمقراطية قائمة على أساس الهوية الوطنية سيعزز لكل محافظة "إقليم" بما يتبعها من أقضية و نواحي بأن تدافع عن حقوقها ضمن الإطار العراقي الديمقراطي و هذا النموذج الفدرالي هو المطبق في جميع أنحاء العالم في الولايات المتحدة و سويسرا و البرازيل و غيرها من بلدان تطبق الفدرالية الإدارية، و إذا ما كان شيعة العراق سينظرون إلى أنفسهم من خلال ثقب الباب الطائفي، كما هو سائد في البلدان العربية القائمة على الطائفية لا على بناء الدولة الحديثة، فإن هذا سيعني أنهم يختارون المضي في التجارب الطائفية و الفئوية الضيقة و خسارة انتماءهم العراقي، هذا الانتماء الوطني الذي اختارته جميع دول الرفاه الاقتصادي و التطور من حيث النظم السياسية و الاجتماعية.

 

كما أن إقليم الجنوب لو قام كبديل عن فدراليات الجنوب التي ستكون أقوى كونها مجموعة إدارات ديمقراطية، فإن هذا الإقليم سيهيء ظروفا مناسبة لحرب أهلية شيعية ـ شيعية، للهيمنة على الإقليم، كما حصل مع الحرب الأهلية الكردية التي أزهقت أرواح الآلاف عدا المعاقين و الخسائر المادية و الاجتماعية، إذن فإن إقليم الجنوب الكبير سيكون هو الاختيار الأسهل للدكتاتور الذي سيقيم بين الحين و الآخر حفلات استقبال لمحافظيه الـ 9 مرحبا بهم بالبذخ و الترفيه بينما المواطنون يعانون الفقر و الحرمان و التهميش و ربما تصلهم صدقة من صدقات العائلة الأموية الحاكمة، لكن حينما تكون هناك إدارة تنظر إلى مصلحة مواطنيها و تطالب بحقوقهم أمام المركز فإن من الصعب جدا أن تستطيع فئة أو يستطيع حزب اللعب بالورقة الطائفية كون المواطنين ينتمون للعراق و للاتحاد الفدرالي الجغرافي اللا ديني و اللا قومي، فمع الطائفة و القومية يكون القهر و الظلم و الصراع، و من يُنظر للإقليم الطائفي أو القومي لا يختلف عن صدام حسين المجرم و نظامه البعثي أو عن ذلك الإرهابي الزرقاوي و المصري، فكل هؤلاء هم نافخون في النار التي تحصد أرواح أبناء العراق و بناته.

 

Website: www.sohel-writer.i8.com

 

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

(الشخصية العراقية) بين التفكيكية و التحليلية..

 

سهيل أحمد بهجت

 

هناك مجموعة إشكالات فلسفية يعيشها العقل العراقي و يريد هذا العقل أن يحصل لها على إجابات و تحليلات تكشف عن سر هذه العقد الفلسفية الاجتماعية المرتكزة على الفرد المغترب في ذاته، و حينما نقول "عقل عراقي" فنحن هنا لا نطرح جملة مواضيع تتعلق بالمجتمع ككل بقدر ما هو سؤال عام يطرحه كل فرد منتم إلى هذه الأرض، و هذا السؤال يشبه السؤال المنطقي الذي تسرب إلى العقل الأكاديمي الأوروبي و في مركزه الألماني تحديدا، و العراق بالنسبة إلى العالم الإسلامي هو كنسبة ألمانيا إلى العقل الأوروبي، هذا المركز مؤثر و متأثر في الوقت نفسه، بمعنى أن الانعكاسات الثقافية و الاجتماعية في هذا البلد لها تأثير على المحيط أكثر من أي شعب آخر، و نحن نريد لهذا الانعكاس الذي سينتج عن الشعور بالذات أن لا ينتهي إلى ما انتهت إليه ألمانيا في بدايات القرن العشرين و قيام الدولة النازية، و لكن لأن الذات العراقية تختلف من بعض الأوجه عن ألمانيا فإن من الجيد أن الفكر القومي كبديل عن الذات الثقافية الحضارية العراقية قد سقطت في العراق حتى قبل 2003 و الإطاحة بالصنم.

 

إن العقل العراقي و الذي انتبه إليه الأولون في العصور الإسلامية بأنه عقل "جدلي" و وجده الجاحظ عقلا إيجابيا لأنه يرفض المنطق السائد في محيطه و هو الخضوع للحاكم دون سؤال أو جواب أو تمحيص و تدقيق، فالعقل العراقي منذ نشأته و بروزه خلال العصور الإسلامية هو عقل يمتاز عن غيره و حتى عن محيطه العربي و العجمي على حد سواء، فالعراقي العربي يختلف و يمتاز بصفات عقلية و منطق يكاد يكون خاصا بهذا العراقي و الشيء ذاته يتعلق بالعراقي الكردي و التركماني و الشيعي و السني و الصابئي و المسيحي، صحيح أن سياسات أنظمة معينة ساهمت في تشويه هذا العقل و جعلته ينخدع بالانتماء الكاذب نحو القومية أو الطائفة، و ما عرض العقل الفردي العراقي إلى الزعزعة هو وقوعه على تقاطع طرق مع أمم و شعوب أثرت فيه كشعور بالذات على العكس من الحالة الألمانية التي اندمجت في الشعور الأوروبي و بفضل الجدار الروسي الذي منع أي موجات غزو بعد أن تم طرد المغول و هزيمتهم و تحولت روسيا إلى جدار طبيعي لأوروبا، من هنا فإن العراق يعاني أكثر من التدخلات و إن كنا الآن سائرين نحو بناء الذات العراقية و ترميمها من خلال إعادة بناء الدولة.

 

العراقي كفرد نشأ منذ قرون على التعامل مع الدولة كعدو و خصم لأنها تمثل بالنسبة له "دولة القهر و الغلبة" بينما تعامل قسم صغير من العراقيين مع السلطة على أنها ظل الله في الأرض و أنها تستعير شرعيتها من الدين و هذه الأقلية التي حكمت البلد بالنار و الحديد و الإرهاب هي نقيض العقل العراقي الأصلي الذي ينظر إلى السلطة بنوع من الشك و الريب و عدم الثقة، و السلطة هنا ليست حكومة بغداد و إنما حتى المحافظون و الولاة و جباة الضرائب و العسكر و السلطات الأمنية و حتى أصغر موظفي الدولة، لقد كان العقل العراقي على الدوام يخاف من فقدان الدولة لكثرة تعرضه لغزوات البدو و الشعوب المجاورة التي كانت على الدوام تطمع في أراضيه الخصبة و ثرواته التي كانت تبني دولا و حضارات، و في الوقت نفسه فإن هذا العقل يكره السلطة و الحكام لأنها كانت في الأغلب سلطة غاشمة لغياب الاستقرار السياسي و الاجتماعي، عدا قرنين من العهد العباسي الثاني، و هذا التناقض بقدر ما هو سلبي من جهة أنه مع العاطفة كارثة و لكن هذا الشعور لو سُخّر في نظام ثقافي متناسق فهو قادر على بناء عقل عراقي يستوعب حس الحب و الكراهية تجاه السلطة، فالسلطة إيجابية كونها تبعد الفوضى و تنسق العمل الإنساني و لكن هذه السلطة سلبية من جهة تحولها إلى آلة بيد المغامرين و محبي الهيمنة و السيطرة.

 

جدلية الفرد و الدولة يجب أن تنتهي باتفاق سايكولوجي نفسي مبني على إعادة النظر في كل المسلمات و أن العقل العراقي بحاجة إلى ثورة عقلية ـ بدل الثورات المسلحة التي حطمت الواقع العراقي ـ تكون بمثابة مراجعة و مواجهة مع كل الموروث الديني و السياسي و حتى الأخلاقي، إن الفرد العراقي لا بد له من أن يُدرك أنه هو المركز الذي تدور في فلكه كل القيم و الأعراف و القوانين، بمعنى أن هذا الفرد هو هدف الدولة و ليس من هوية للعراق غير هذا الفرد و الذي هو مضافا إلى أقرانه ـ الأفراد ذكورا و إناثا ـ يشكلون معا الهوية العامة و إن كان الفرد العراقي يحمل معه ذاتا ترتكز عليه الدولة العراقية و النظام العام، فلا قيمة للأعراف الاجتماعية أو الدين أو حتى الأخلاق إذا ما كانت ستقف حاجزا أمام هذا الفرد لينطلق نحو خطه في الحياة الحرة و التعبير عن الرأي و البحث عن الله و غير ذلك من الأمور الوجدانية التي هي حقوق قائمة بذاتها و ليست مصنفة من قبل حزب أو فئة مرجعية أو قومية عرقية، لأنها بديهة من بدهيات العقل العراقي.

 

ليس من الانعزالية أن يحاول الفرد معرفة ذاته و طبيعة وجوده كذات مفكرة لديها ـ الضمير يعود إلى الذات ـ مهمة و هدف سامي ينتظر الفرد نفسه كيفية استكشاف الوصول إليه في أن يصبح سيد الموجودات عبر تنجيز ـ اشتقاقا م الإنجاز ـ حريته و جعل هذه الحرية جزءا من الوجود و إنقاذا للدين من العقل التبريري الذي جعل الإسلام تبريرا وحشيا للظلم و التخلف، إن الفرد يمثل البعد الداخلي الذاتي بينما المجموع (الشعب) يمثل البعد الخارجي الذي يؤثر في الذات (الفرد) بشكل سلبي أفقده ذاتيته كون هذا الفرد لا يكشف قناعاته الحقيقية بسبب ضغوط خارجية، بينما الفرد الذي هو ذات الأمة و هويتها و هدفها و غايتها مغيب و مقيد بأفكار و معتقدات وافدة غريبة و طارئة على العقل العراقي سواء كان هذا الوافد و الطاريء اعتقادا دينيا أو نعرة و شعورا قوميا أو قيما عشائرية، فالغاية العراقية هو خلق ذلك (الفرد العراقي الحر) الذي يمثل ذات الأمة العراقية الحرة، لذلك كان من ضرورات حركة التاريخ أن يتحول العراقي من أفكار إلى أخرى إلى حين أن نراه يعثر فعلا على ذاته العراقية.

 

هناك الآن مقاومة دينية و قومية و رفض للشعور العراقي – الذي هو حتمية تاريخية – و لكن عبثا يحاول القوميون "عربا أو أكرادا أو تركمانا" وقف هذا الشعور الذاتي بالانتماء و الذي سيتحول بمرور الزمن إلى واقع يغير كل ما هو موجود على الساحة، فالشعور هو إدراك و إحساس بالوجود و التملك الذي يكوّن أساس الدولة الجديدة التي يملك شعبها ذاكرة تاريخية عميقة من الظلم و المعاناة و الألم و بالتالي فإن كل الأطروحات الفكرية الدينية مثلا اضطرت أن تتكيف مع الوعي الوطني الإنساني العراقي و تتخلى عن خطابها الفقهي اللاهوتي نحو آفاق العراق التي تتجاوز الدين و القومية في آن واحد، فالعراق جذوره أقدم من كل الأديان السماوية و الأرضية التي وجدت على أرض العراق و من الطارئ على الفرد العراقي أن يبني دولته على كل ما هو طارئ و جديد و لا يكون عميقا بالمعنى الذاتي للوجود العراقي فيكون من السهل على من يحمل "قناعات طارئة" أخرى أن يهدم بنيان هذه الدولة.

هناك من المرتزقين القوميين – ممن يرتزق عبر الثقافة – من يروج لفكرة مفادها أن القوميات في العراق تعيش حالة من التنافر و أن ما يسمونه "المكونات" تنظر إلى بعضها البعض نظرة كراهية و رغبة في "الطلاق"، هذا الطرح الذي يأتي من خارج التاريخ و من خارج = ضد العقل الباطن العراقي هو طرح فاشل سبق للبعث و مرتزقته من حاول فرضه عكسيا، فالبعث حاول خلق وحدة "إجبارية" مبنية على طارئ – القومية – و من يروج للتقسيم فهو أيضا يستخدم خطة "طارئة" تقسيمية إجبارية، و هذا الفكر ما دام طارئا فهو يحكم على نفسه مسبقا بالفشل لأنه إخبار للذات العراقية بغير حقيقتها و كل ما يستطيع هؤلاء المرتزقة و القوميون أن يفعلوه هو فقط تأخير ساعة الحقيقة، هذه الحقيقة التي هي غاية "بديهية" غائبة في التعقيد اللا واعي و الذي يسعى من خلال علاقاته المتناقضة إلى الوصول إلى غاية اللا وعي التي هي الوعي الحقيقي لكنها غائبة في المتناقض الذي يتكون من جملة طوارئ – جمع طارئ أي محدث – ستنتهي لا بمعنى الإلغاء و لكن الانسجام في الوعي النهائي.

 

إن خلق أي هوية – دينية كانت أم قومية أو حتى أممية تتجاوز حدود العراق كالماركسية – هي هوية كاذبة و مزيفة و تريد خلق نقيض الدولة في الدولة مما سيعني فتح الباب على مصراعيه للعقل التفكيكي لا التحليلي كون الفكيك يختلف عن التحليل بشكل كبير، فالتفكيكية تتعامل مع التنوع بنزعة "انفصالية"، بينما التحليلية تراعي الاختلاف بشرط أن لا تتناول الذات العراقية المقدسة كغاية نبيلة بالأذى أو الانتقاص، فالتنوع هو كائن طبيعي و وليد غير طارئ لنظام الحرية الفردية كون السائل مهما انقسم فهو يتحد بكل سهولة، بينما التفكيك يتعامل مع (مفاصل) أو أجزاء قابلة للكسر و التناقض و التضاد و هو ما يمثل جانبا سلبيا من تكوين دولة قائمة على أجزاء تنظر لنفسها بعين الاختلاف و القسمة كمقدمة كاذبة للحقيقة العراقية التي ستتحول بفعل التفكيكية إلى "كذبة" يجب إلغائها – و إن كان من المستحيل ذلك – فإن هذا الإلغاء سيكون مجرد تأجيل آخر للحقيقة العظمى التي هي الهوية العراقية.

 

Website: www.sohel-writer.i8.com

 

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

(الشخصية العراقية) بين التفكيكية و التحليلية(2)

 

سهيل أحمد بهجت

 

في الحلقة السابقة تحدثنا عن الخطاب التفكيكي القومي و دوره في تشويه و تأخير بلوغ العقل العراقي إلى قمة الذاتية الفردية للوصول إلى حالة البلوغ العقلي في اللا شعور الغائب و الذي يُنتظر ظهور كحتمية تاريخية، و هنا سنحاول كشف ذات الأمة "الفرد" و كيفية إيصاله إلى قمة الحقيقة التاريخية التي سيتمخض عنها ولادة أمة كان لها وجود و لكن كانت في غفلة عن ذاتها الذي هو هدف وجودها و وجودها هو التبرير الموصل إليها، هذه الذات "الفرد" أصيبت من خلال آيديولوجيات القرن التاسع عشر و العشرين بمجموعة التباسات شوهت و ضيعت ذاتها الحقيقية و التي كانت تفسر دوما بأمور طارئة على الذات العراقية.

 

يحاول بعض الكتاب الآن و من خلال عقل ذكوري عشائري قطع الطريق مثلا على حق المرأة العراقية أن تعطي أبنائها – الذين ولدوا من أب غير عراقي – الجنسية العراقية، منطلقين مرة أخرى من عقل طارئ إما قومي أو ديني، متناسين أن الهوية العراقية هي الأصل و أن كل ما عدى ذلك فهو محترم بالإضافة و ليس كأصل، فالشيعي و السني و العربي و الكردي و التركماني كلهم يتساوون في "عراقيتهم" و كونه ينتمي إلى هذا الطرف أو ذاك لا يمكن أن يكون امتيازا أو نقطة قوة ما لم يكن هذا الانتماء في إطار عراقي بحت، و بالتالي لا بد للذات من جهة محايدة تستطيع إشعاره بذاته و هو ما نعني به تجسد هذه الذات في نظام "دولـــة" و لا يتم الحياد ها هنا ما دامت السلطة تنتمي إلى طارئ على العراق (عرق قومي أو مذهب أو حزب).

 

إن الفرد الحر هو أساس كل دولة حرة و لكي يكون الانسجام كاملا بين ذات الأمة الذي هو الفرد و تجسد هذه الذات من خلال المجموع الذي يبني الدولة، الانسجام بين هذين الطرفين لا يتم إلا بعلاقة ضمير مباشر بين الفرد و رؤيته للأمة التي تجسد ذاته من خلال علاقة مباشرة لا تربطه ربطا تفكيكيا بالتجسد و عبر مظاهر طارئة من الممكن تفكيكها في أي وقت كونها مفككة أصلا و لا تمثل الحتمية التاريخية لبروز الذات و الأمة في علاقة منسجمة واضحة و نقية، فالأصل في الفعل الإنساني أنه حر و ذو إرادة نافذة و إذا كان المنظور الديني يعتبر الإنسان أنه مقيد بالإرادة الإلهية و بالتالي فهو مرتبط بسبب خارج إرادته، هذا الفهم نفسه قاصر عن النظر إلى كون الإنسان هو غاية إلهية و بالتالي فلا معنى لكل المصطلحات و المفاهيم و النبؤات الدينية في حال تجاوزت الإنسان، فالإنسان أعظم مخلوق حينما يدرك حريته و التي لا تقل قيمتها حتى لو ربطت بأسباب طبيعية و سايكولوجية خارجة عن الشعور الظاهر للإنسان، فهذه الحرية و من خلال تجسدها كطاعة عن اختيار هي سر عظمة الإنسان، لكن بمجرد أن يبدأ الإنسان و من خلال حريته في إيجاد تبريرات للتشكيك في أثمن ما يملك (الحرية) فهو حينها سينحط ليصبح أحقر مخلوق على وجه الأرض، و على الإنسان أن يدرك أن تحقير الدين للشهوات و ملذات الحياة لا يعني قط أنها قبيحة لكونها المعنى الواقعي للحياة، كاللذة التي يحصل عليها الطرفان الرجل و المرأة، لكن هذه الملذات تفقد معناها حينما يصبح الفرد مستعدا للتخلي عن حريته في سبيل الوصول إلى هذه الملذات، كون الحرية هي قيمة القيم و أنها بلا حدود لو لا تعلق الإنسان بأفراد آخرين مثله يملكون نفس الحق و بالتالي لا بد من تنظيم هذه المتعلقات كون التنازل عن جزء بسيط من الحرية في سبيل حفظ هذه النعمة هو أفضل من الفوضى التي تصبح تبريرا للطغيان.

 

إن الإنسان و ارتباطه بمحيطه و أرضه – الارتباط هنا بالأرض يختلف كليا عما يروج له القوميون و الإسلاميون من ارتباط غير مشروط – هو ارتباط إيجابي بمعنى أن الفرد ينطلق نحو الطاعة عبر علاقة الحرية و الحقوق، فكلما توفرت للذات "الفرد" حريات و حقوق كلما كانت العلاقة أقوى و أمتن و كلما تمسك الفرد بواجباته كلما حصل على حقوق أكثر و كلما قدمت الدولة و هي انعكاس شمولي لهذا الفرد كلما حصلت من هذا الفرد على مزيد من العطاء و العمل و الإنجازات، من هنا فإن إدراك الفرد لذاته كعراقي هو إدراك الأمة العراقية كمجموع أفراد لذاتها كأمة منفصلة عن كل قومية و مذهب أو عقيدة أو حزب، فالعراقية كهوية هي تجسد للذات في الأمة أو بعبارة أخرى تجسد حيادية الفرد – كونه عراقيا – في أمة عراقية محايدة.

 

إن الانعكاس بين الفرد و الأمة الحقيقية – الأمة الحقيقية هنا هي العراقية بينما الأمة المزيفة هي تلك الدينية و القومية – هذا الانعكاس لا متناهي التبادل في التأثير كون الفرد عبر وصوله إلى ذاته يمكن الأمة من تجسيد نفسها و هذا التجسيد يؤثر مرة أخرى على الذات الفردية. إن حركة التاريخ تتجه بشكل تصاعدي نحو ارتقاء العقل البشري "و العقل العراقي جزء من هذا العقل" و هذا التصاعد الفلسفي المنطقي في معرفة الفرد لذاته في الأمة هو ارتقاء حتمي يتكون من خلال الممارسة البشرية للحياة و كل متعلقاتها الثقافية و السياسية و الاجتماعية، فقد بحث الإنسان عن ذاته في الدولة "القومية" فانتهى إلى الفراغ و التناقض في تعريف القومية نفسها و من ثم انشطارها مرة أخرى، كما أن الدولة الدينية وقعت في تناقض مع ذات الفرد كونه دوما على حافة أن يتهم بالخروج على الحقيقة الدينية أو لرفضه عقيدة الدولة التي فرضها أفراد مناقضون له.

 

إن الإنسان في ذاته كهدف إلهي أصيل هو غاية الدولة و هدفها، و نحن هنا حينما نربط هذا الإنسان بالغاية الإلهية فإننا نعني بذلك إله الفلسفة أكثر من كونه ذلك الإله الكهنوتي الديني الذي يبدو لي شبيها بمسؤول متعصب في حزب قومي يتبع تعليمات السيد رئيس الحزب القومي، فحسب الإله الكهنوتي لا قيمة لعمل الإنسان خيرا كان أو شرا بقدر ما يمتلكه من خضوع للطقوس و الشعائر الدينية أو تصنيفه على أساس الجنسية و الوراثة، فالإله الفلسفي هنا و الذي يتطابق مع العمق الإشراقي و الصوفي للأديان هو وحده الكفيل بإيصال الإنسان إلى غايته التاريخية في الانتماء إلى أمة "لا قومية و لا دينية" تتحقق من خلالها أحلامه في المساوات و العدالة و الحرية، فكل الانتماءات الجانبية تجعل من الدولة أشبه بحزب كبير يبدأ في التعامل مع الفرد على أنه كائن غريب عن جسم الدولة.

 

إن الإنسان هو محبوب للإله الذي خلقه في العالم ليكون انعكاس للكمال و الفعل الحر و يدرك بالتالي أنه مطالب ذاتيا بأن يكون أرقى ما في الوجود باعتباره مختلفا عن كل محيطه المتحرك في جملة حتميات غير قابلة للتغيير، باستثناء الإنسان الذي هو حتمية الحتميات و القادر على التلاعب بالقوانين الكونية و يمدها أو يقصر من عمرها، فالإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يدرس أبعاد مشاكله الاقتصادية و الاجتماعية و سبل حلها، بالتالي فإن الفرد العراقي لا بد و أنه سيدرك انتمائه كذات إلى غاية على هذه الأرض و عبثية الانتماءات الطارئة و التافهة التي لم تجلب له – و التجربة التاريخية أكبر برهان – إلا الحرب و الدمار، بينما كان من الممكن بناء تجربة مختلفة إيجابيا عن كل ما مضى لو كان تمّ تعريف الهوية العراقية و تحولها إلى هوية مقدسة بفعل الانحدار الزمكاني الممتد في عمق التاريخ و المستقر في اللحظة الآنية الحالية، لو كان تم تعريف الهوية العراقية بذاتها لا بالطارئ القومي أو الديني لكان من الممكن بناء تجربة تختصر الزمن وصولا إلى معرفة الذات لنفسها كغاية للتاريخ المقيدة للفرد في الأمة اللا دينية و اللا قومية، و نحن هنا لا نعني باللا دينية أنها إلحادية بقدر ما نعني أنها (محايدة) لتستطيع الموائمة بين الذات و تجسدها.

 

Website: www.sohel-writer.i8.com

 

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

حو.."كــــــتلة وطـــــــنية" للمستقبل العراقي

 

سهيل أحمد بهجت

 

كثرت مؤامرات الأحزاب المريضة ذات العقلية المتخلفة بنظريات المؤامرة و المتخمة بالسرقات و نهب المال العام و المعجبة بغطرسة البعث، و هذا لا يعني أن الحكومة و البرلمان العراقي لا يخلوان من أناس وطنيين، لكن حينما يفتقر الوطنيون إلى الموقف الحدي الحاسم و حينما يسعى كل طرف إلى مجاملة الآخرين و شركاء الحكم على حساب القانون و النظام فإن آمال العراقيين تضعف شيئا فشيئا في بناء دولة المواطن و القانون، و الخطير فيما يجري الآن أن هناك من يسعى إلى إفشال قانون انتخابات مجالس المحافظات لكي تجرى انتخابات على أساس قانون قديم استفاد منه اللصوص القوميون و المتاجرون بالدين على حد سواء، و للأسف فإن أغلبية الشعب العراقي لا زالت تتعامل مع السياسي بمنطق "القضاء و القدر" الذي لا يمكن تغييره بينما في الحقيقة فإن الإطاحة بالفاسدين عبر التصويت لهو من أسهل الأمور.

 

و ما حديث نائب الرئيس عن إمكانية حصول "إنقلاب" مزعوم في حال حصل انسحاب أمريكي إلا جزءا من مؤامرة مجموعة أحزاب تسعى إلى تقسيم البلد على أسس طائفية و قومية ليصبح العراق أشبه بألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى – و ألمانيا حينها اختلفت كليا عن ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية – حيث سهل انقسام البلد و بناء ديمقراطية الفايمار الهزيلة و الفاسدة في التعجيل في نجاح الحزب النازي الألماني بقيادة هتلر في إقامة دكتاتورية الرايخشتاغ و التي تسببت في كارثة حلت بأوروبا بأكملها، فتشويه الديمقراطية بفضل الأحزاب الإسلامية و القومية الوراثية سوف يعجل بتغيير سلبي سيطيح بهم و أخشى أن تصبح هذه الأحزاب سببا في نفور عامة العراقيين من الديمقراطية ظنا من العراقيين أن هذه الكلمة لا تعني إلا حكم الفاسدين.

 

على الشارع العراقي أن يقرر الآن أن يعجل في إسقاط الأحزاب الفاسدة و التصويت للعراقيين المؤمنين بالعراق وحده لا بالأمة العروبية و لا الإسلامية أو أمة "أكذوبة" أخرى، فهؤلاء الذين يؤمنون بالعراق، أصنف من ضمن هؤلاء المؤتمر الوطني العراقي و حزب الأمة العراقية و حزب الدولة الذي يقوده القاضي وائل عبد عبد اللطيف، و ما كنت لأقدم أسماء أحزاب أو أشخاص لو لا أن كثيرا من المواطنين العراقيين طلبوا مني أن أوضح أمثلة على من أصفهم بالتيار الوطني العراقي، و من خلال هذا المنبر الإعلامي أدعوا هذه الأحزاب و الشخصيات إلى إنشاء كتلة عراقية خالصة و يكون شعارها (نحن عراقيون قبل كل شيء)، و أنا متأكد أن هذه الكتلة ستكون هي المؤسس الحقيقي لعراق ما بعد الإطاحة بالطاغية.

 

من دون اعتماد المواطنة و أنسنة العقل العراقي و تشجيع الانتماء الإنساني في المواطن العراقي، لن يكون هناك خلاص لمعاناة العقل العراقي من هذا الكم الهائل من الدجل و النفاق السياسي و استغلال المقدس و النعرة القومية البغيضة التي أهلكت الحرث و النسل، فالانتماء العراقي و بدون أضافة أي هوية (إسلامية أو قومية) هو وحده القادر على إدخال العراق و زجه في عالم الحداثة و التطور و احترام المواطنين كبشر دون أي إضافة أخرى، لقد جرب العراقيون كل الآيديولوجيات الدينية و القومية و الشيوعية و اكتشفوا عبر التجربة الحية أن هذه النظريات ليس ورائها إلا الشقاء و العذاب و الفقر، من هنا يتحتم على كل القوى الوطنية المخلصة و المؤمنة بالعراق – و هي ليست معصومة بالتأكيد لكنها أفضل بالتأكيد من القوى الطائفية و القومية – أن تتوحد في كتلة تكون بمثابة المنقذ للعراقيين و في نفس الوقت تنتزع الشرعية الكاذبة للأحزاب المتاجرة بالألم العراقي و هذا ما سيسمح بالتأكيد بإصلاح تشوهات الدستور و العملية السياسية.

 

Website: www.sohel-writer.i8.com

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

العـــــــــــراق... قائمٌ بــــذاته

 

سهيل أحمد بهجت

 

"لا وطـــــــن مــــع فــقر و لا غــــــربة مــع غـــنى" – عـــلي بن أبي طــــالب -

 

ما هي الفلسفة التي يمكن للعراقيين الإستناد لها في بناء دولتهم؟ معلوم أن كل دولة تستند إلى فلسفة تستطيع بناء نظام متطور حقيقي، بينما نرى غالبية دول العالم الثالث لا تمتلك نظرة فلسفية تختصر البعد القانوني و التبريري للدولة لهذا السبب فإن الدول المتخلفة تعيش صراعا مستمرا و دون نهاية لمسألة التعريف الذي تستند إليه أي دولة من الدول، و الدولة المتجسدة في نهاية النظام العالمي – مجسدة في الولايات المتحدة و الغرب – هي دولة معرفة الذات أو هي الدولة التي فرغت من طرح السؤال و الجواب حول مسألة الهوية التي يتعلق بها السؤال، و الإنسان الغربي وصل إلى ذاته عبر شعوره الدائم بالاغتراب و هو طرح السؤال السلماني (نسبة إلى سلمان الفارسي) الذي يريد باستمرار أن يحصل على جواب لكل الأسئلة الكونية: أين و متى و لماذا و كيف و من هو سبب وجودنا.."!!

 

بينما مجتمعاتنا مبنية على اليقين الجمودي المناقض لليقين الديكارتي الذي يبدأ في الشك وسيلة للمعرفة و العلم و كخطوة أولى للتأكد من صحة هذا اليقين الذي قد لا يكون إلا وهما و خيالا، و مشكلتنا أننا نقدس "العقل" و لكننا نسلم بكل استنتاجاته دون أن نعرف ماهية هذه المقاييس و مدى موضوعيتها، و ما دام المجتمع كتجسيد للفرد لا يعيش حالة اغتراب و سؤال و بحث و شك فليس من الممكن أبدا أن نخرج من الحلقة المفرغة للمآسي و الكوارث الاجتماعية و السياسية و كل الجوانب الأخرى، و من ضمن المآسي التي نعيشها كعراقيين هو تعريف الدولة العراقية و هويتها التي يستند إليه القانون و النظام بل و حتى أصل و شرعية وجود هذه الدولة و مدى قابلية استمرارها.

 

و حتى لو كانت النصوص المقدسة و التراث الديني يحويان كثيرا من مواقف اليقين و إدراك العقل للإلهي كطرف آخر في العلاقة الكونية، إلا أن اليقين الديني يختلف عن اليقين الفلسفي و اليقين الفلسفي بدوره يختلف عن ذلك اليقين العلمي الطبيعي كالرياضيات و الكيمياء، إن الفلسفة وحدها قادرة على بناء دولة و نظام قانوني مستندة إلى التجربة الإنسانية التي تستطيع أن تمزج بين اليقين الديني الروحي و العلمي الطبيعي لتتكون فلسفة تستطيع تطوير النظام من دون اعتماد كامل على اليقينين المتضادين الديني و الطبيعي، فاليقين الروحي له مجال مختلف كليا عن ذلك الطبيعي و العكس صحيح، لكن اليقين الفلسفي يقوم بعملية الدمج التي تكون فعلا واقعيا ذا أبعاد روحية لبناء الدولة، اليقين الديني لوحده سيعيدنا إلى القرون الوسطى و التعصب الديني و المذهبي الذي سيندفع بعنف تجاه طبع القانون و النظام بلون لفئة أو جماعة بعينها، بينما اليقين العلمي الطبيعي سيدخلنا إلى عهد الشيوعية و الماركسية أو الاشتراكية القومية و هو ما سيجلب الدمار الأكيد.

 

إن اليقين الفلسفي هو وحده القادر على التعامل مع نسبية اليقينيات الدينية و العلمية الطبيعية من حيث خلق بعد ثالث يزيل التناقض بين النوع و الكم في هذه اليقينيات، فالدين هو ذو بعد روحي يستدل على قضايا شاملة خارج القانون الطبيعي الكوني الذي هو من اختصاص العلم الطبيعي، و لأن بناء الدولة هو تعامل مع هذين اليقينين المتضادين فلا بد من استعمال اليقين الفلسفي الذي لا بد أنه وحده الذي يمكننا اتخاذه مقياسا لرؤية الإنسان الذي يمتلك بعدين متناقضين هما حاجته إلى البعد الديني لافتقاره إلى الخلود و الضمير و البعد المادي الطبيعي الذي ينبغي أن يراعي ظروفه المادية و الاجتماعية، فالفلسفة لها هذه الوظيفة الخطيرة و المهمة، و لافتقادنا في مجتمعاتنا مع مسألة تنوع اليقينيات فإن هذه المجتمعات تستمر في البحث عن الجواب النهائي من خلال الدين – و الدين وحده لا يمكن له أن يقدم الجواب الكامل – فهناك علوم هي بالكامل خارج وظيفة الدين و لكن مجتمعاتنا مستمرة في خلط الوظائف، فالطب مثلا قد يصل إلى علاج مرض ما بدواء معين و الدين بدوره يتحول إلى حجر عثرة فيعتبر أن هذا الدواء حرام أو نجس مع العلم أن أحد أهم أسس الدين هو حفظ النفس قبل أن يكون هناك أي نوع من الحلال و الحرام و ما إلى ذلك، و الأمر الآخر هو أن هناك يقينيات رياضية لا يمكن للدين إلا الإستسلام لها.

 

إن اليقين الفلسفي ليس يقينا من النوع الديني و لا العلمي الطبيعي، فكلا الحقيقتين المتناقضتين الدينية و العلمية تتعاملان مع القضية المنطقية بما يشبه المسلمة البديهية التي لا تحتاج إلى كثير تردد للوصول إليها، لكن بمجرد اختلاطها مع الواقع الإنساني المتشابك العلاقات و المعقد و المتناقض فإنها تصبح أسئلة نكون في حاجة ماسة لمعرفتها، و لأن دولنا الشرقية الإسلامية ذات طبيعة استسلامية و لا تطرح تساؤلات حقيقية لذلك نجد أن هذه الدولة و نخبها الثقافية و السياسية هي ذات بعدين لا ثالث لهما، إما دينية طائفية أو قومية عنصرية، و كلا القضيتين بديهيتان في تعريف الدولة و النظام القانوني، و بسبب هذه الفوضى الفكرية القائمة على البديهة فإن النظام القانوني و الفكري و الاجتماعي و شاملها السياسي يعيش كارثة حقيقية من الركود و الجمود، فتناقض الاجتهادات و حتى التفسيرات التي تدخل في ما يتصل بالفرد و المجتمع و تحول الدين إلى جبال من الواجبات و العقوبات و بدون أي حريات، كل هذا كان سببا كافيا في خلق فوضى لا تصدق.

 

لا بد ها هنا من أن نضع أيدينا على جانب آخر من المرض، فالهوية الإسلامية التي أُلصقت لصقا بالعراق من خلال دستور مليء بالتناقضات خلق فعلا أزمة ولاء تجاه الدولة إذ افترض كاتبوا الدستور مسبقا أن كل العراقيين "متدينون" مع أن الأولى كان فرض نص آخر بدلا من الهوية الدينية هو أن الفرد حرٌّ في التفكير و الاعتقاد بما يشاء على أن يلتزم بحريات الآخرين و الملكية العامة وفق القانون، و إذا قيل أن هذا ما يتضمنه الدستور فإن الإشكال باقي ما دام العنوان هو "هوية" ذات ضبابية و دخان قد يحرق العيون، فالإسلام هو الآخر كتجسيد لكل أفعال الإنسان متعدد الوجوه و الانتماءات و حتى المقاييس، فبدءا من الشيعة الإثني عشرية إلى السنة و الوهابية السلفية التفخيخية و انتهاءا بمذاهب أخرى قد تجد طريقا لها إلى العراقيين في المستقبل، من هنا لم يكن العراق إلا جزءا من مشكلة كبيرة بدلا من أن يكون طرفا أو هو الجواب عن كل الإشكالات.

 

الحرية كعنوان ليست أمرا كافيا إذا لم تقترن بفعل واقعي على الأرض، و نحن كمصلحين عراقيين نتهرب دوما من توضيح الحقائق أمام أعين المواطنين تارة بحجة أن مجتمعنا لا يزال متخلفا و طورا آخر بحجة أنه غير جاهز للحداثة، و الحقيقة أن الحداثة لا بد أن تأخذ طريقها إلى العراقيين و إن تسببت في سلبيات معينة، لأن مشاكل الحداثة أفضل بكثير من محاسن التخلف و الجمود، و التحجج الدائم من قبل رجال الدين خصوصا بالخوف على "أخلاق المجتمع" و تماسكه المزعوم هو مجرد تبرير لاستمرار حكم الخرافات الدينية – نموذج إيران و أفغانستان طالبان - أو القومية – نموذج عراق البعث و مصر – أو فلسفيا أيديولوجيا – نموذج الاتحاد السوفيتي و الصين الدكتاتورية – فالحرية مطلوب إيجادها و خلقها في المجتمع و من ثم يمكن لرجال الدين و المصلحين تربية الإنسان و توجيهه بإخلاص أكبر نحو الدين كونه سيكون كائنا حرا غير منافق عبر ظاهرة الإكراه.

 

الدولة العراقية و هي تجسيد للأمة العراقية التي هي انعكاس للذات العراقية – الفرد العراقي – هي شيء قائم بذاته، و بمجرد أن نذكر كلمة عراق فنحن و العالم نستحضر في أذهاننا سومر و بابل و أكد و آشور و ألف ليلة و ليلة و السندباد و علي بابا و اليهودية و المسيحية و الإسلام، فالعراق يعيش حالة اغتراب إيجابي منذ زمن طويل و لكن محيط البداوة و الوحشية هو الذي منعه من المشاركة الفعلية في طرح حلول للأسئلة الكبيرة و الخطيرة، فالعراقي يمتلك دوما روحا للتمرد و الثورة على التقليد و الجامد فهو يكاد يكون البلد الإسلامي الوحيد الذي شهد صراع المدارس الفكرية العقائدية "الشيعية و المعتزلية و السنية" و حتى داخل المذاهب السنية "المالكية و الحنفية" و صراع المدارس اللغوية "المدرسة النحوية الكوفية ضد البصرية"، فالعراقي إنسان باحث و لكن بحثه هذا بحاجة لظروف موضوعية ليتحول إلى إبداع، فلنعرف الهوية العراقية بأنها حضارة إنسانية قديمة قائمة على حاجات الفرد و حقوقه و مقابل كل حق هناك واجبات يستطيع المواطن القيام بها بمجرد أن تقوم الدولة بأداء هذه الحقوق، و على العراقيين أن يعوا أن الأمريكيين لم يكونوا ليخسروا أمريكيتهم حينما كانوا ضمن التاج البريطاني لو لا أنهم كانوا يدفعون ضرائب من دون مقابل (حقوق) للتاج البريطاني و هو ما أدى إلى الثورة ضد البريطانيين، فمع الحقوق يكون الإنسان مالكا لهويته.

 

Website: www.sohel-writer.i8.com

 

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

دراما للتخدير و دراما للتحرير

 

سهيل أحمد بهجت

 

من خلال متابعتي للدراما العربية و العالمية و إعلام الدول الإسلامية و العربية و ما أشاهده من دراما غربية و أمريكية على وجه الخصوص، وجدت أن الإعلام هو خير مثال و انعكاس لعقلية الشعوب و منطقها و أسلوب عيشها، فمسلسلات "باب الحارة" بأجزائها الثلاث و المسلسلات المصرية مثل "الدالي" و "حدائق الشيطان – الذي عرض في رمضان الماضي" و غيرها، و أفلام محمد سعد – الممثل المصري المشهور – كلها تعكس دورا حكوميا خفيا يقف وراء تشويه الأعمال الفنية، ففي هذه المسلسلات تتركز الفكرة حول نظريات المؤامرة التي يديرها "المحتلون"!! و "عملاء الاستعمار"!! و أن البلاد العربية و الإسلامية تتعرض للغزو العسكري و الثقافي و من خلال هذه الدراما تتكرر عبارات شتم اليهود و الأمريكان و الفرنسيين، و بدلا من أن يستوحي المشاهد العربي و المسلم فكرة واقعية و يشاهد هذه الأعمال بعين الناقد، نجد مجتمعاتنا تنبهر بالقبضايات و الشخصيات المتجهمة و العنفية و تعجب بالمجرم الذي تاب في اللحظة الأخيرة – كما جسد ذلك الممثل جمال سليمان في مسلسل حدائق الشيطان و أحمد ماهر في دور أبو جعفر المنصور في مسلسل أبو حنيفة - من حياته بعد أن أدرك أنه ميت لا محالة، كل هذا يؤكد فشل مجتمعاتنا و سذاجة العقلية الغالبة و هشاشة القيم بل و زيفها.

 

في المقابل نجد الدراما الأمريكية و مسلسلات "كوسبي"، "أكوردينغ تو جيم"، "جورج لوبيز"، "ماي نام إز إيرل" و "ذا كوج"، هذا عدا الأفلام، نجد كلها تحمل حكايات اجتماعية إنسانية هادفة إلى كشف المضمون الإنساني و علاقات المجتمع و كيفية معالجة مشاكله، و إضافة إلى روعة الأفكار التي تتضمنها الدراما الأمريكية و ما تتضمنه من نزعة إنسانية، فهي ذات حرفية عالية و تخلق لدى المشاهد حسا من الاستنتاجات المنطقية و تعدد وجوه الحقيقة و أن على الإنسان أن يتحاشى الحكم المتسرع على الأشياء و الواقع، هذا كله نتيجة طبيعية للديمقراطية و التعددية الحزبية و الفكرية و الاجتماعية، فالمجتمعات الغربية تتنافس سلميا عبر شرعية "حرية التعبير" لكن مجتمعاتنا المفلسة تتنافس عبر ثقافة "المقاومة" و العنف و نظريات المؤامرة و تصفية الخصوم.

 

إن الأنظمة التي تروج لهذا النوع من الدراما التي تضيف إلى عقد المجتمع مزيدا من الفايروسات و الجراثيم، هي في حقيقتها أنظمة تعاني عقدة شعور بالنقص تعكس حقيقة كونهم ناقصين فعلا و لكنهم يسيطرون على زمام الأمور، و في هذه المجتمعات الشرقية المتخلفة يبدو لنا الله ذاته – كما يصوره الوعاظ المتاجرون بالدين – مالكا لشرعيته فقط عبر قوته، و ليس لأنه جميل و يحب الجمال، فالواعظ و الملا و رجل الدين يحب أن يشبّه الله بمالك رزقه (السيد الرئيس القائد أو جلالة الملك) أو العكس، أي أن ينعت الزعيم بصفات الله، من هنا نجد أن الأزهر مثلا و من خلال توجيهه الدراما الدينية يقوم بتشويه حقائق تاريخية بحيث تحيل تاريخ الإسلام إلى شيء مناف للواقع التاريخي، فنجد أن أحد المشركين و هو يدخل على النبي نجده مشركا قبيح الوجه ساخطا و ذا حاجبين ضخمين و ما أن يخرج من خيمة النبي حتى نراه شخصا جميلا مبتسما و مبشرا بالخير، و لو كان هذا متعلقا بشخصية أو مشهد لكان هذا نوعا من الإخبار بأن الإسلام دين تسامح، لكنهم يصورونه و كأنه "سحر" لا أكثر و رغم أن النبي يقول: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام" و هو ما ينفي ما سبق، فلم يكن كل ما في الجاهلية قبيحا و لا كان كله شرا و لم يستطع الإسلام قطعا أن يقضي على كثير من صفات السوء التي طبعت مجتمعاتنا و نحن متمسكون بها لحد الآن كعبادة الحكام و العرف القبلي.

 

تستعين أمم العالم بالفن من تمثيل سينمائي و تلفزيوني و مسرحي لتستلهم شخصيتها و عقلها و حقوقها و حريتها، أما الدراما و الفن عندنا فهو علكة للحكام نحن نمضغها و نعتلكها و نصدق بها و ما فيها من مخدر ينومنا و يمنعنا من الرؤية.

 

Website: www.sohel-writer.i8.com

 

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...