Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
salim

إيضاحات حول المرجعية الشيعية

Recommended Posts

http://www.daralhayat.com/opinion/01-2005/...83cc/story.html

 

 

إيضاحات حول المرجعية الشيعية

هاني فحص    الحياة    2005/01/14

 

من غير الزيدية والاسماعيلية، الذين لا يحرصون كثيراً على نعتهم بالتشيع، ينصرف لفظ الشيعة الآن الى أكبر فرقهم المتبقية، بعدما تلاشت تماماً فرق اخرى منهم في فترات تاريخية مختلفة، وهذه الفرقة او الطائفة هي الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، الذين يسمون كذلك بالجعفرية نسبة الى الإمام جعفر بن محمد الصادق، والذين تبلور مذهبهم فقهياً في عصره (أوائل العصر العباسي) ومن خلال نشاطه العلمي الواسع في الكوفة حيث كان أبو حنيفة النعمان إمام الحنفية من تلاميذه.

 

وكان أهل بلاد الشام حتى منتصف القرن العشرين يسمونهم المتاولة - أي الموالين أو المتولين لأئمة اهل البيت (ع) - ومن خصائصهم انهم يقولون بوجود اثني عشر إماماً معصوماً ومنصوصاً على كل واحد منهم بالإمامة من سابقه. وهؤلاء الأئمة يبدأون بعلي بن أبي طالب وينتهون بمحمد بن الحسن العسكري، المهدي المنتظر، الذي ولد في اواسط القرن الثالث الهجري وغاب وما زال حياً وسيخرج ليملأ الدنيا عدلاً وقسطاً، بحسب الاعتقاد. ومرجعهم او مراجعهم المجتهدون هم نواب هذا الإمام المنتظر ومختلفون على سعة مساحة هذه النيابة وضيقها التي يصل بها بعضهم الى الشمولية اي ولاية الفقيه/ العامة او المطلقة ويحصرها اكثرهم في الامور الحسبية - الولاية على القاصر، طلاق المرأة الغائب عنها زوجها، وراثة من لا وارث له ألخ. والشيعة الإمامية الاثنا عشرية البالغ عددهم في العالم مئتي مليون منتشرون في اصقاع عدة، من تايلاندا وبورما وشبه القارة الهندية الى شرق افريقيا مروراً بالبلاد العربية وأكثر الدول الاسلامية. وتربط بينهم منظومة عقائدية محددة، ومختلف بين علمائهم على بعض تفاصيلها، الى مجموعة من الذكريات المكونة وأهمها استشهاد الإمام الحسين في كربلاء عام 60 للهجرة. كما يلتزمون بفقه علمائهم المؤسس على الكتاب والسنة في رواية الأئمة. وهذا الفقه يلزمهم بالولاء والمعاملة الصحيحة مع اخوانهم المسلمين من سائر المذاهب ويلزمهم كما يلتزم به المسلمون على أساس التوحيد الابراهيمي بالتعامل الشرعي الودود مع أهل الأديان السماوية والمسيحية منهما بصورة خاصة ومميزة.

 

هذا كله على نسبة من الاختلاف العلمي، كما بين أي مذهب اسلامي وآخر، وإن كانت هذه النسبة من الاختلاف بين الاثني عشرية والمذاهب الاربعة والزيدية والاسماعيلية تتسع هنا في المجال العقدي او هناك في المجال الفقهي، من عقيدة الإمامة والعصمة مثلاً الى عدم الأخذ بالقياس والرأي فقهياً، كما هو عند الحنابلة مثلاً، وفي واقع حياتهم وسلوكهم وعباداتهم ومعاملاتهم والاحكام الفقهية العائدة لها، يجتمعون في ظل مرجعيتهم الدينية، التي كانت مدينة النجف في العراق، ومنذ منتصف القرن الخامس الهجري، اي منذ بداية الحكم السلجوقي للعراق، مكان الحوزة العلمية والمرجعية الشيعية الاولى وشبه الحصرية، بعدما اضطر كبير علمائهم جعفر بن الحسن الطوسي (ت460هـ) الى مغادرة بغداد عندما وصلها السلاجقة بقيادة طغرلبك وأسقطوا الدولة البويهية... هذا مع وجود مراكز وفروع كانت ولا تزال تغيب وتحضر تبعاً للظروف (كربلاء - الحلة - الهند - خراسان - اصفهان وجنوب لبنان/ جبل عامل) الى قم التي أعيد تأسيسها في عشرينات القرن العشرين على يد الشيخ عبدالكريم الحائري المجتهد وخريج النجف.

 

وعلا شأن قم كجامعة دينية (حوزة) قبل الثورة (1979) ولكن هذا الشأن تعاظم بعد انتصار الثورة في ايران وفي ظل الدولة الايرانية الاسلامية الجديدة متزامناً مع نجاح النظام العراقي السابق، في تشتيت الحوزة النجفية وتحجيم دورها من دون ان يستطيع إلغاءها تماماً، بفضل صمود المرجعية فيها مع عدد محدود من العلماء والطلاب الذين عانوا مرارات الحصار والتجويع والسجن والتعذيب والقتل. ومنذ اواسط تسعينات القرن الفائت أصبح السيد علي السيستاني هو مرجعها الاول بعد وفاة السيد أبو القاسم الخوئي، مع عدد من المراجع (3) وترجع أكثرية الشيعة الى السيد السيستاني حتى شيعة ايران. ما يؤكد ان المرجعية لدى الشيعة ما زالت تقوم على شروطها التاريخية (الكلاسيكية المتجددة) وان السلطة او السياسة لم تؤثر تأثيراً عميقاً في هذا المجال. وهذا يجرنا الى الكلام عن الشروط الدينية العلمية لهذه المرجعية وكيفية التحقق من توافرها في المرشح للمرجعية او المتصدي لها.

 

وفي البداية لا يشترط في المرجع ان يكون عائداً في نسبه الى أي فرع من الهاشميين او اهل البيت (ع). اي لا يشترط ان يكون من السادة اي الاشراف الذين يعتمرون العمة السوداء منذ اوائل العصر العباسي، وإن كان بعضهم بقي حتى الآن، وفي حدود ضيقة، يعتمر العمة الخضراء او يضع لفافة خضراء على غطاء رأسه (الطربوش). علماً ان الفقة الشيعي والاسلامي عموماً، واستناداً الى عدد من المرويات، يؤكد استحباب العمة البيضاء، التي يعتمرها رجال الدين الشيعة من غير السادة، وهذا لا علاقة له بالمرجعية، أي انه لا يدخل النسب او العمة السوداء في شروط المرجعية، ويمكن ان يكون المرجع من السادة الهاشميين ومن غيرهم بشرط الاسلام والبلوغ والعقل والذكورة وطهارة المولد كشروط طبيعية، يضاف اليها الشرط العلمي وهو ان يكون مجتهداً اي قادراً على استنباط الاحكام الشرعية الفرعية من مصادرها (الكتاب والسنة وغيرهما) بما يعني ذلك من ضرورة اتقان العلوم الضرورية لفهم النص والدليل، من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وتاريخ ودراية ورواية وعلم رجال وهيئة (فلك) الخ. وتأميناً لأقل احتمالات الخطأ في تعيين الحكم الشرعي للواقعة، يتفق علماء الشيعة او اكثريتهم الساحقة على ان يكون المرجع المجتهد الذي يقلده ويعود اليه غير المجتهدين في الاحكام، هو أعلم المجتهدين، اما من يعين ان هذا مجتهد اعلم فالمعوَّل فيه على الخبرة الشخصية لكل عالم من العلماء، اي معرفة العالم بالعالم علمياً، او البينة بمعناها الشرعي والعلمي، اي ان يشهد اثنان من العلماء الموثوقين في علمهم ودينهم، بأن فلاناً هو المجتهد الاعلم، ويجب أو يجوز الرجوع اليه فيرجع اليه من يطمئن الى شهادتهما فيه، ويكتفي البعض بأن تكون الأعلمية شائعة بين المعنيين بالمرجعية مع الاطمئنان الى عدم وجود عصبية او محاباة حتى يصح التقليد.

 

هذا السياق هو الذي يسمح او يقتضي تعدد المراجع، على اساس ان المرجع هو الذي يختاره المكلف ليرجع اليه بمحض ارادته، فلا يمنع ذلك ان يختار مكلف آخر مرجعاً آخر يرى ان الشروط متحققة فيه اكثر من الاول. والشرط الثاني للمرجعية هو العدالة، اي الاهلية الراسخة بالخبرة والتجربة والمعرفة والسلوك الاختياري على اتباع العدل في نفسه وأهله ورهطه والناس اجمعين، وفي كل حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله، اي انه ذو ملكة مكتسبة تمنعه من ارتكاب الكبائر او الإصرار على الصغائر مع التواضع والزهد والعفة. والمرجع يتواصل مع مقلديه (اتباعه بالمعنى الفقهي) في الحوزات العلمية مباشرة، او بقليل من الوسائط، وخارجها يتواصل من خلال وكلاء موكلين خطياً من جانبه، وهم عادة من زملائه او تلامذته الموثوقين علمياً وخلقياً، وبعد انتشار الطباعة، اصبح المرجع يتواصل من خلال كتاب الاحكام الذي يسمى «الرسالة العلمية» ويتضمن فتاوى المرجع وردوده على الاستفتاءات التي ترد اليه من سائر الاقطار في وقائع محددة...

 

وتستفيد المرجعية حالياً من وسائل الاتصال الحديثة، من الهاتف حتى الانترنت. وأهم الادوار التي تكرس مرجعية المرجع استمراره في التدريس اليومي للطلاب في المراحل العليا (درس الخارج او الأبحاث المعمقة والممهدة للاجتهاد). إذاً فالمرجع في المحصلة هو تلميذ عدد من المجتهدين وأستاذ عدد من المجتهدين، ومن دون ذلك يبقى اجتهاده او مرجعيته موضع شك او رفض او إدانة، ولا تنفع معها دعاية إعلامية منظمة او اي اسلوب استقطاب آخر (مالي مثلاً او سياسي)... هذا الى إقامته صلاة الجماعة مع توفر الظروف، وإشرافه عبر فريق عمل متخصص، على المدارس الدينية القريبة والبعيدة مع تصديه لكل المشكلات الشرعية في مختلف الابواب والاقطار، ومع هذا كله يرعى المرجع عبر مؤسساته ومعاونيه ووكلائه الشؤون الثقافية والعلمية والاجتماعية ويتحول الى ملاذ في الظروف الصعبة للجميع.

 

وفي السنوات الاخيرة، اي منذ اكثر من عشر سنوات تقريباً، أبدى المرجع السيستاني اهتماماً مميزاً وواسعاً بالمؤسسات الثقافية والدعائية ومراكز الابحاث والتحقيق والطباعة وإعداد البرامج للتعليم الديني، ونشر معاونوه ووكلاؤه هذه المؤسسات في عشرات الاقطار الاسلامية والعربية والغربية، إضافة الى المؤسسات الخيرية المتعددة الاهتمامات.

 

والحوزات الدينية لدى الشيعة قامت وتقوم على الاستقلالية المالية التامة عن الدول، وتكاد مصادرها المالية ان تكون محصورة في المجال الشعبي او الاهلي، من خلال الالتزام الطوعي بالتبرعات والهبات، وريوع الاوقاف على الحوزات، والزكاة والأخماس التي يوجبها الفقه الشيعي في فاضل المؤونة من ارباح السنة لدى اي مكلف بالغ، وترسل الاموال الى المرجع من طريق وكلائه في الامصار او تقدم اليه مباشرة، ويتسلم من يقدمها ايصالات موقعة، وتعطى الاولوية في الصرف والنفقة لبناء المدارس ورواتب الطلاب المحتاجين في شكل يتناسب مع احتياجاتهم وجديتهم في الدراسة وانضباطهم المسلكي، وكذلك يصرف قسم من المال على التبليغ الديني في المدن والاحياء والقرى في اوطان المبلغين وفي المهاجر. وللفقراء والمحتاجين من الناس العاديين حصتهم التي تصلهم من طريق الوكلاء، اضافة الى المشاريع العلمية والعمرانية التي تعود على الفقراء بالنفع، وبناء المؤسسات الصحية، وغير ذلك. وتتسع قدرات المرجع المالية تبعاً لاتساع مساحة مقلديه، ومن هنا يأتي تعبير المرجع الأعلى، اي الاكثر انتشاراً، وإلا ففي الواقع يعتبر كل مرجع هو المرجع الاعلى لدى من يقلدونه.

 

ختاماً نشير الى ان المرجعية لا بد فيها من التصدي، اي ان المجتهد لا بد من ان يعلن عن قناعته بصلاحيته لأن يكون مرجعاً ويصرح لمن يسأله بأنه هو الذي يصلح للتقليد، والمرجعية لا تورث ولا تمنح من احد لأحد، ولا يفيد فيها إعلام ولا دعاية ولا عصبية سياسية او اجتماعية او قومية او عائلية، جل ما في الامر ان المرجع لا بد من ان يكون متقناً للغة العربية اتقاناً علمياً عميقاً وشاملاً يمكنه من فهم النص فهماً صحيحاً، من دون ان يكون بالضرورة متمكناً من التحدث بها بطلاقة، او من دون لكنة اذا لم يكن عربياً، لأن ذلك يتأتى عادة من الاختلاط اليومي بالحالة الشعبية، ما لا يتوافر للذين ينكبون على الدراسة في اوائل سنوات عمرهم وحتى عمر متقدم، ومن هنا، ولصعوبة الوصول، قلّ في تاريخ الشيعة الحديثة ونتيجة لاتساع حقول المعرفة وتنوعها، ان يصبح المرجع مرجعاً في سن مبكرة إلا في حالات نادرة (حالة السيد محمد باقر الصدر مثلاً) هذا وأكثر فقهاء الشيعة يقولون بوجوب ان يكون الذي يقلده المكلف ابتداء، اي يتخذه مرجعاً من دون ان يكون مسبوقاً بتقليد أحد غيره قبل البلوغ او لإهماله في سن البلوغ لذلك... يقولون بوجوب ان يكون هذا المرجع حياً ويفصلون في هذه المسألة بين من يجيز تقليد الميت وهم نادرون، ومن لا يجيز مطلقاً، ومن يجيز في حدود المسائل التي تعلمها الشخص من المرجع الميت وعمل بها، دون ما لم يتعلمه ويعمل به والذي يجب فيه الرجوع الى أعلم العلماء من الاحياء، وهذا لا بد فيه كذلك من ان يكون مطابقاً لفتوى الاعلم من هؤلاء الاحياء (أي البقاء المشروط على تقليد الميت جزئياً).

 

ومن مراجع الشيعة خلال القرن العشرين من خريجي حوزة النجف إضافة الى الاحياء الآن: السيد علي السيستاني (ايراني) والسيد محمد سعيد الحكيم (عراقي) والشيخ بشير النجفي (باكستاني) والشيخ اسحاق الفياضي (أفغاني) والسيد محمد سعيد الحبوبي (عراقي) والسيد محسن الأمين (لبناني) والسيد حسين الحمامي (عراقي) والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (عراقي) والشيخ محمد حسن المظفر والشيخ محمد حسين المظفر (عراقيان) والشيخ محمد حسين الاصفهاني (ايراني) والشيخ محمد حسين النائيني (ايراني) والميرزا محمد تقي الشيرازي (ايراني) والشيخ مرتضى ياسين (عراقي) والشيخ محمد طاهر الراضي (عراقي) والشيخ عبد الحسين الحلي (عراقي) والسيد أبو الحسن الاصفهاني (ايراني) والسيد ابو القاسم الخوئي (ايراني) والسيد محمود الشاهرودي (ايراني) والسيد محسن الحكيم (عراقي) والسيد محمد باقر الصدر (عراقي).

 

رجل دين لبناني.

Share this post


Link to post
Share on other sites

الطائفية .. وطيوف السياسة!

 

مشاري الذايدي

 

 

لو كنا في غير هذه الظروف السياسية الساخنة، هل كان بالإمكان أن يثير كتاب للشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين جدلا في قاهرة الأزهر وسيدنا الحسين؟

 

هذا الشيخ الشيعي اللبناني، الذي يمثل صورة من أرفع صور الاعتدال الديني، أصبح موضوعا إشكاليا وشائكا، ورأى البعض في بلاد الكنانة، أن «ترويج» كتابه شكل من أشكال التبشير بالمذهب الشيعي في قلعة من قلاع الإسلام السني!

 

لو كنا في غير هذه الظروف والغليان السياسي في المنطقة، والذي تسهم إيران في تصعيده بسهم وافر، هل كان بالإمكان أن يثار هذا الجدل الديني، والتاريخي، والاجتماعي، حول المذهب الشيعي، أو حول مذهب أهل السنة ؟!

 

في كثير من الأحوال، فتش عن العامل السياسي في الاشتباكات والصراعات ذات الطابع الديني، وإلا فما الذي يفسر لك تقارب منظمة حماس (السنية) مع نظام إيران ذي (الصبغة الخمينية) ؟، أو يفسر لك من قبل سرعة مساندة الإخوان المسلمين للخميني منذ أن كان في باريس، كما في اعترافات يوسف ندا «رئيس حكومة الظل» للإخوان المسلمين في العالم، حسب لقاء احمد منصور معه في برنامج «شاهد على العصر» في وقت سابق.

 

الصراع السياسي هو وقود كثير من الخلافات الطائفية والمذهبية في التاريخ، وليس وقفا على تاريخنا الإسلامي وحسب.

 

وبالعودة الى تاريخنا الإسلامي، والى رحى الخلاف الشيعي السني، الذي اندلع مع بداية أول سطر في التاريخ الإسلامي بعد وفاة نبي الإسلام، وانفجر بشكل دموي في معارك الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية، واستمر يشطر مياه الذاكرة الإسلامية إلى ضفتين... منذ تلك الحقبة إلى يومنا المعاصر، لم يتغير شيء، تهدأ الأمور وتثور تبعاً لميزان القوى بين الطرفين.

 

الصراع السياسي، والتهديد المباشر، هما أكبر ما يحرك مياه الأدبيات الطائفية، والتاريخ يخبرنا الكثير في هذا الصدد. ومن ذلك ملحمة الصراع بين العثمانيين والصفويين، تلك الملحمة التي دشنت بدايتها الهائلة في معركة«جالديران» الشهيرة في أغسطس سنة 1514 ميلادية بين الشاه إسماعيل الصفوي، مؤسس الدولة الصفوية ومكرس الثقافة الصفوية، وبين السلطان العثماني سليم الأول، وهي المعركة التي كان دافع السلطان سليم الأول فيها هو حشر «الإمبراطورية» الصفوية الطامحة للتوسع، تحت شعار الطائفية الشيعية، والغريب في الأمر أن جد الأسرة الصفوية، الولي صفي الدين الاردبيلي، كان زاهدا صوفيا سنيا، ثم بالتدريج بدأت سلالته بالتحول إلى المذهب الشيعي، وفق تعقيدات معينة، لنصل إلى لحظة الشاه إسماعيل الصفوي.

 

بالغ الشاه اسماعيل في تشيعه، وقمع السنة، ونشر المذهب في إيران، وطمع في العراق وفي الأراضي المجاورة لإيران من جهة الشرق والشمال، ولطمعه في العراق دوافعه المعلومة حيث العتبات المقدسة.

 

والأمر المثير الآخر في القصة، أن والد السلطان سليم الأول، وهو «بايزيد» كان يتراسل مع الشاه الصفوي، وكان محبا للشعر والفلسفة، ولم يكن يشعر بوجوب منازلة الصفويين، ولما تواترت الأنباء عن القمع الذي يقوم به الشاه ضد السنة، بدأ السلطان العثماني ينصحه بالرفق وعدم الاعتداء على السنة، بحكم مسؤولية السلطان عن رعيته، لكن السلطان سليم الأول لم يكن يرى الأمر كذلك، وكان تقديره أن الامبراطورية الصفوية تشكل خطرا حقيقيا على الدولة العثمانية، وأن حماسة الشاه في نشر الصيغة المتشددة من التشيع تأتي في إطار سعي إسماعيل إلى توفير أرضية ثقافية ملائمة لتمدد الدولة الصفوية. وهنا يشتبك السياسي بالديني والاجتماعي. وفي الأصل فربما كان سبب، أو قل من بين الأسباب، اختيار أسلاف إسماعيل للتشيع ، وتكريس إسماعيل له ، الهاجس السياسي ، في سياق خلق هوية ثقافية للإمبراطورية الجديدة ، هوية تقوم على التمايز المذهبي والاختلاف في المرجعية التاريخية والذاكرة المحلية من أجل استكمال أدوات الهوية المختلفة... ولنا هنا أن لا نستغرب ذلك، فأطماع الإنسان، على كثرتها، لا حدود لها، ولا محرمات عليها، حين تقترن بالسلطة.

 

على كل حال، نجح العثمانيون في محاصرة التمدد الصفوي في حدوده الحالية، لكن جبهة الصراع المفتوحة ظلت في العراق، فمرة يدخل الشاه الصفوي الى بغداد فينكل بالسنة، ومرة يدخل السلطان العثماني فينكل بالشيعة، ويعمر قبر أبي حنيفة ... وهكذا.

 

التشيع بالنسبة لـ«دولة» إيران، أيا كان النظام الحاكم فيها ، حتى ولو كان علمانيا تقريبا ، هو قناة توسع سياسي قومي خارج الحدود الإيرانية ، وبالذات في العراق، ومن هنا كانت أهمية الأصوات الشيعية الوطنية التي تؤكد دوما على التمييز بين التشيع العربي والتشيع الإيراني أو «الصفوي».. بصرف النظر عن تجسيد هذا الفرق على الأرض.

 

يحدثنا معروف الرصافي في كتابه «الرسالة البغدادية» كيف كان شاه بهلوي، وهو رجل علماني، أو هو «أتاتورك إيران» لكنه مع ذلك كان شديد النصرة لحوزة النجف وللخط الشيعي المرتبط بإيران لأسباب سياسية بحتة، مع انه كان يحارب علماء الدين الشيعة في الداخل، أي أن الأمر برمته يشتعل بمحرك الطموح السياسي، حتى ولو بدا لنا ذا صبغة دينية بعيدة.

 

هذا الأمر لم يكن محصورا بالصفويين ، فسلاطين بني عثمان حاربوا الصفويين بكل الأوراق المتاحة، واشتدت في تلك المرحلة من الصراع بين الصفويين والعثمانيين حرب الفتاوى المتبادلة، وكانت حربا منهجية، ولذلك فإن أكثر الأدبيات الشيعية المتطرفة، والتي «ثقفنت» التشيع ومنحته موسوعاته الكبرى، مثل «بحار الأنوار» للمجلسي ذات المجلدات التي ناهزت المائة، تنتمي لتلك الحقبة، وهو أمر لو منح المجلسي كل عمره لما أطاق كتابته، خصوصا ان كتاب «بحار الأنوار» ليس إلا كتابا واحدا من كتب المجلسي، الأمر الذي يدل على وجود جهد (دولتي مؤسسي) كما يلمح الى ذلك علي الوردي.

 

وأيضا في تلك اللحظة تواترت فتاوى شيوخ الإسلام في «الاستانة» وغيرها ضد الشيعة، تبعا لسخونة المواجهة أو برودتها بين السلطان والشاه، ويذكر الوردي أيضا كيف انه في إحدى فترات الهدنة خرجت فتوى من الاستانة لينة الجانب وتتحدث عن الشيعة بلغة ودية، ثم لما خربت الهدنة وتوتر الوضع مجددا بين الطرفين، اشتعلت حرب الفتاوى مجددا.

 

لماذا نتحدث عن الماضي البعيد؟! دعونا نشير إلى القريب والحاضر، فمشروع التقريب بين السنة والشيعة تحمس له شيوخ الأزهر في مصر، وجماعة الإخوان حينما كان التشيع لا يمثل هوية سياسية، بالنسبة لشيوخ الأزهر مثل الشيخ شلتوت، أو يمثل حليفا سياسيا في الجماعات ذات النهج الحركي مثل جماعة نواب صفوي، الذي ألقى محاضرة شهيرة برعاية الإخوان في القاهرة أول الخمسينات.

 

وحينما نجحت الثورة الخمينية «الإسلامية الحركية» نظر لها الإخوان المسلمون بود، كما في حديث يوسف ندا، وخبر وفود الإخوان لطهران، لكن حينما أصبحت الثورة تريد تصدير نفسها، واندلعت الحرب، باردة وساخنة بين الخليج والعراق من طرف ، وبين إيران الخميني من طرف آخر، انكفأ مشروع التقريب، وتقدم مشروع المواجهة، وتقاطرت الأدبيات المتبادلة التي تهاجم الطرف الآخر مستندة الى ارث الصراع الطويل بين السنة والشيعة. ولكن أيضا، وحينما وصل رفسنجاني إلى الحكم لاحقا، وتعب رجال الثورة، وبدأت الثورة تصبح دولة، عادت لغة التقريب و«ثقافة التقريب» بين العالم السني والعالم الشيعي، وظل «شهر العسل» هذا حتى اندلعت مشكلة العراق، ودخلت إيران أحمدي نجاد بقوة على الخط وألقت بظلها على رجالها هناك، وبزغ «الهلال الشيعي» ـ بالمعنى السياسي للتشيع ـ حتى انبعثت معارك الماضي مجددا ...

 

نحن الآن في بداية فصل جديد من فصول الحكاية السنية الشيعية، وهي حكاية، في كل فصولها، كانت مطلية بالدين والعقائد والخلافات اللاهوتية... الخ ولكنها مبطنة بالخلاف السياسي.

 

المثير للسخرية، أننا نكرر أساليب الماضي بحذافيرها، والمثير للسخرية أكثر أن هذه الأساليب دائما تنجح وتفعل فعلها ! فهل المشكلة في انه قد قدر على العرب والمسلمين أن يخففوا في استيعاب وهضم هوية وطنية عابرة للطوائف والأعراق... أين الخلل ؟

 

ستنتهي المشكلة مع إيران، إما بالحرب أو بالسلم ، او يقضي الله ما لا تعلمون داخل إيران ... لكن من ينهي هذه الحرب الخالدة بين المسلمين أنفسهم، هذه الحرب التي وقودها الناس والأمن والنور....؟!

 

 

mshari@asharqalawsat.com

 

 

 

التعليــقــــات

كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 09/01/2007

بارك الله بكم على هذه المقالة القيمة. لما لا نسمع ونقرأ مثل هذه التحقيقات الخلابة والقيمة التي تكشف السبب وراء اشتداد التطاحن بين المذهبين من قبل الذين يطلقون على انفسهم رجال الدين ليقودوا الناس الى الطريق المستقيم وكشف الحقيقة التي مؤداها بانه لا فرق بين المذاهب الاسلامية والمسلم من نطق الشهادتين وعبد الله وخدم اهله وبلده والعالم اجمعين بدلا من تأجيج النار وجعلنا اضحوكة العالم.

وهل كتب علينا ان نكون عبيدا لفقهاء السياسة والسلاطين دائما .

 

مصطفي ابو الخير-مصري-نيوجرسي-امريكا، «الولايات المتحدة الامريكية»، 09/01/2007

فائق الشكر والتقدير للاستاذ الذايدي على المقالة المحترمة التي توضح وتكشف الكثير من معالم التاريخ البعيد والقريب ايضا وان خير تعليق عليها هو انني اهديها لكل من يدافع عن ايران من السادة الشيعة منهم والسنة ايضا

لنعلم جميعا ان ما تقوم به ايران دائما قديما وحديثا ما هو الا الشر تجاه العرب السنة.

فهل يقبل العرب الشيعة موقف ايران الجديد القديم ، استسمح الاستاذ الذايدي واهدي هذه المقالة للجميع لتكون نورا لمن لم ذهب نوره.

 

فكري الجزيري، «المملكة العربية السعودية»، 09/01/2007

سؤال للكاتب والقراء معا:

لماذا عندما يأتي ذكر دول اسلامية غير عربية (الباكستان النووية، افغانستان الطالبانية، ...) لا يشار لها بمذهبها السني، لكن عندما ياتي ذكر ايران يضاف له مذهبها الشيعي؟! وهل الموقف ضد المذهب الشيعي ام القومية الفارسية، ام كليهما؟

 

 

منصور المعيرفي، «المملكة العربية السعودية»، 09/01/2007

الاعتدال مهم ...

أحسنت يا أستاذ مشاري بغض النظر عن أصول التشيع في العراق والخليج ولكنه مقال شامل ورائع يدق في العظم .

الطائفية هي الشغل الشاغل للكثير من الناس الآن ولكنني واثق من أن ثمة ماسيتوحد عليه المسلمون والعرب بالتحديد بالقريب العاجل إن شاء الله ...

أنا على الأقل سألغي مصطلحات طوائف ومذاهب ولكن سأقول طرق توصل إلى الله (وأنا لا أتنكر للواقع ولا أدفن رأسي كما تفعل النعامة ) وأقول مثلا يتعبد المسلمون بعدة طرق منها :

الحنفي والجعفري والمالكي والإسماعيلي والشافعي والزيدي والحنبلي ويوجد متصوفة في كل المذاهب .

تبقى محاولة على الأقل وشكرا .

 

عزة هاشم، «الامارت العربية المتحدة»، 09/01/2007

السيد الكاتب: تحيه طيبة ، اتفق معك تماما في ان الشيخ مهدي شمس الدين من ابرز كتاب ومجتهدي الشيعة في القرن العشرين بل ومن رموز التقريب الحقيقي السني الشيعي، حيث جاءت غالبية مؤلفاته موثقة بمراجع سنية في إشارة إلى وحده التراث والثقافة الإسلاميين، فضلا عن أن كتابه المذكور بمقالكم المعروف بالوصايا يؤكد فيه على منع التبشير بالتشيع في اوساط السنة، والغريب انني التقيت الشيخ الراحل في القاهرة حينما منح جائزة على اسهامه في التقريب بين المذاهب في التسعينيات وعلى جهوده العلمية وكان اللقاء في الازهر!، وما أحوج الأمة الآن إلى إبراز شخصيات مثل شمس الدين ومحمد جواد مغنية وغيرهم من الشيعة العرب الوطنيين لخنق الفتنة المحاكة بين شيعة العرب وسنتهم ولبيان أن ما يحدث انما بفعل السياسة لا المذاهب.

 

عبدالله سعيد الغامدي، «المملكة العربية السعودية»، 09/01/2007

ان مشكلة السنة عبر التاريخ برغم أكثريتهم عددا وعدة وبرغم ان السلطة بأيديهم في أغلب البلاد الإسلامية ـ الا انهم متخاذلون عن نصرة بعضهم البعض وغير مكترثين بما يجري في غير دولهم وبلدانهم لإخوانهم السنة ؛ يضاف الى ذلك أن وسائل اعلامهم ـ سطحية واقصائية ولاتهتم أو تتوجس من المخاطر التي تحيط بالإسلام ، بل انها في أغلب البلاد الاسلامية تتولى محاربة الإسلام والدعوة الى التغريب والعلمنة نيابة عن الأعداء.

لقد ذهب الكاتب يقلب صفحات التاريخ ويحاول ان يقنعنا ان المشكلة بيننا وبين الروافض أو الخلاف بيننا وبينهم ـ سياسي ـ بحت وليس ـ عقدي ـ ولم تهزه بعد ،أو تزكم انفه رائحة المجازر الصفوية المجوسية الرافضية التي ترتكب ضد اخواننا أهل السنة في العراق.

أود تذكير الكاتب بحديث يرويه الروافض ويؤمنون به ومعناه: ان من أستطاع منهم ان يقتل ناصبي سني او يلقي عليه حائطا ويأخذ ماله ويدفع الخمس فان له أجر.

ان الروافض شر مستطير ، وقد أدرك خطرهم و كذبهم القاصي والداني ، بما في ذلك امريكا التي ركبوا على ظهرها لتحقيق مأربهم.

 

خالد الركابي بغداد العراق، «فرنسا ميتروبولتان»، 09/01/2007

شكرا للسيد مشاري الذايدي على هذا المقال التحليلي، واود ان أضيف بان امتنا مصابة بعقم فكري، وعقولنا غير قابلة لانتاج الافكار الجديدة بما يتلائم مع روح العصر، ولهذا نركز على استنساخ الماضي، أفكارا واحداثا واخطاء. وما يحصل الان في العراق هو استنهاض واستنساخ كامل لحقب قديمة تجلت بابشع صورها بالمصطلحات المقيتة المستخدمة اليوم على الساحة السياسية والاعلامية، كالصفوية، الاموية، الروافض والنواصب...الخ. نعم انها ازمة فكر وسياسة. مالم نخرج من دائرة الاستنساخ والاجترار الفكري لثوابت اكل الدهر عليها وشرب، سنبقى امة متخلفة ماضوية بامتياز.

 

محمد الموالي، «المملكة العربية السعودية»، 09/01/2007

نعم كان الخلاف ومازال سياسيا منذ يوم السقيفة الى الآن، و ربما يقضي الله ما لا نعلم و لكن داخل الطرف الاضعف و هو الانظمة العربية التي تفتقد الى ابسط مقومات البقاء من غياب للمؤسسات المدنية و الحريات العامة و سيادة القانون و الفشل في تصنيع اي شيء من الابرة الى الصاروخ.

 

مريم علي، «المملكة العربية السعودية»، 09/01/2007

سؤال بسيط : ماذا يعني تصدير الثورة ؟

إن كان يعني الإنقلاب على الحكم .. فليس إيران أو أمريكا أو غيرها من يساعد على حدوث الانقلاب بل سوء إدارة الحكام هو السبب الرئيس لذلك دائما .

أما إن كان المقصود به تصدير الفكر الشيعي .. فالناس أحرار يختارون أي فكر أرادوا ولا أحد وصي على أحد .. فلا داعي للخوف من هلال شيعي فكري ..

أشكرك سيدي الذايدي على مقالك الرائع وفكرك الحر.

 

محمد الكعبي، «المملكة المتحدة»، 09/01/2007

سؤالي للأستاذ الذايدي بما أن المسألة مسألة تأرجح تاريخي عمره ألف وأربع مائة سنة فبأي ميزان اخترت أن ينتهي الصراع في داخل ايران أو في ايران أو على ايران؟ ماهو المرجح لذلك؟ ولماذا لا ينتهي في الدول المعادية لإيران مثلا؟

 

محمد عبدالعزيز، «المملكة العربية السعودية»، 09/01/2007

أين الخلل؟ سأل الأستاذ الذايدي في نهاية مقاله عن الخلل؟ وأزعم ان كاتبا مثل الأستاذ يعرف بالتحديد اين يكمن الخلل. نحن نعرف جميعا ان الخلل ليس بسبب واحد و انما بعدة اسباب من اهمها في اعتقادي الشخصي هو الفكر الأصولي الأحادي الذي ادى الى الخلط بين ما هو شخصي ( الدين ) و بين ما هو عام ( السياسة ) وبالتالي كل شيء يجب ان يكون دينيا او ذا مغزى ديني من وجهة نظر ذلك الفكر وما عدا ذلك مرفوض. عليه اصطبغت السياسة بالدين و العكس صحيح ثم اختلفوا - وذلك منطقي - على من هي الفرقة ذات الفوز العظيم الأمر الذي ادى الى ما نحن فيه.

الفكر السليم الذي يجب ان يسود هو ان ما يخص الدين يبقى شأنا شخصيا أخرويا و ما يخص السياسة يبقى شأنا عاما دنيويا و لا يجب الخلط بينهما لأن من شأن ذلك الاستمرار في التخبط الى ما لا نهاية.

 

 

علي جاسم / العراق، «هولندا»، 09/01/2007

ان الصراع بين معاوية وعلي لم يكن في حقيقته صراعا سنيا_ شيعيا، بل كان صراعا سياسيا هدفه الفوز بالسلطة والحكم والاحتفاظ بهما. هذا من جانب، ومن جانب آخر لم يكن قد تبلور آنذاك مفهوم المذهب او الطائفة بالمعنى الذي عليه الآن اذ لم يكن علي حينها شيعيا ولم يكن معاوية سنيا. تبرز الطائفية الى السطح في الممارسة السياسية والادارية عبر سلطة تمارس وتكرس التمييز الطائفي في المجتمع وتنمو الطائفية وتنتعش في ظروف غياب الديمقراطية كوسيلة للحكم في بلادنا العربية اضافة الى غياب منظمات المجتمع المدني الدمقراطية. ان الحوار العقلاني بين الطوائف المختلفة والابتعاد عن لغة العنف والغاء الاخر واستيعاب ضرورات وظروف عصرنا وحاجات مجتمعاتنا الى النمو والتطور والتقدم الى الامام تتتطلب بالحاح اللجوء الى السلم لأن فيه مستقبل شعوبنا ولنا في تجارب الشعوب الأخرى أحسن الدروس، فهل نستوعب الدرس؟

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

محاولات أولية لإصلاح الفكر الشيعي

 

 

 

صباح الموسوي ‏

 

 

 

إن ما يُخشى منه على العالِم المسلم هو خطر الانحراف عن العقيدة السليمة, حيث إن خطر هذا الانحراف لا يضره وحسب وإنما سيكون له آثار سلبية على التابعين له أو من يوصفون بالمقلدِين له (حسب المصطلح الشيعي). لذلك فإن سلامة منهج العالِم تأتي من سلامة عقيدته وما يقدمه هذا العالِم من علوم سواء فقهية كانت تلك العلوم أو أدبية أو ثقافة عامة لا يخشى منها طالما أنها محكومة بعقيدة سليمة. ومنها نجد أن سبب انبثاق الفرق والحركات البطانية الهدامة، إنما جاء بسبب الانحراف الذي أصاب عقائد مؤسسي هذه الفرق والحركات.

 

 

 

فلولا حدوث تلك الانحرافات العقائدية لما ظهرت علينا فرق الخوارج والسبئية والقرامطة والنصيرية والصفوية والبهائية والقاديانية وغيرها.

 

 

 

وكما هو معلوم فإن هذه الفرق والحركات كانت قد ألحقت وما تزال تلحق الأذى بالمسلمين. وحجم هذه الأذى لا يقل عن حجم الأذى الذي ألحقه ويلحقه الصليبيون والصهاينة بأمتنا الإسلامية. ومن هنا فإن البحث عن تهذيب العقيدة من الشوائب والأدران كانت الهدف الأساس لدى الكثير من الباحثين والعلماء المهتدين في الطائفة (الشيعية)، وقد استطاع هؤلاء المهتدون أن يكتشفوا الخلل الذي أصاب أفكارهم السابقة ويصححوها بتخليهم عنها ونقدها. وقد توصلوا بهداية من الله تعالى ورحلة بحث علمي إلى الخروج من القلق الذي في داخلهم نتيجة للتضارب الفكري والعقائدي الذي كان يصاحبهم. وقائمة هؤلاء المهتدين طويلة وقد عمل بعضهم ـ على الرغم من تعرضه للأذى والمحاربة من قبل المغالين ـ على توثيق وكتابة تجربته ورحلته العلمية التي قادته إلى المعرفة الحقيقية التي ضمنت له سلامة الفكر والمنهج.

 

 

 

وقد أصبحت تجارب هؤلاء الرجال مرجعًا لمن أعقبهم ودليلاً لمحاججة من بقي متمسكًا بجاهليته الفكرية والعقدية. وهنا نحاول أن لقي الضوء على بعض الشخصيات الإصلاحية التي بزرت على الساحة الشيعية خلال القرن الميلادي المنصرم، والتي تركت أثرًا واضحًا في الطائفة ومازال بعضها يواصل مسيرة التصحيح والإصلاح على الرغم مما يتعرض له من اضطهاد ومحاربة من قِبل المرجعيات الطائفية المغالية التي تخشى من أي حركة تصحيحة، وتعدها خطرًا يهدم قدسيتها ويهدد وجودها أكثر من خشيتها على العقيدة ذاتها. وإذا ما راجعنا مسيرة التصحيح الشيعية نجد أن الوجوه البارزة في هذه الحركة قد خرجت من إيران عقر دار الطائفة ومن حوزة قم الدينية منبت الغلو تحديدًا.

 

 

 

فمن بين الذين كسروا الطوق وتحدثوا في الإصلاح العقائدي والفكري في الطائفة (الشيعية) هو الشيخ "شريعت سنغلجي" المتوفى عام 1943م والذي تناول في كتابيه "الإسلام والرجعة" باللغة الفارسية و"مفتاح فهم الإسلام" باللغة الفارسية أيضًا بشجاعة وجرأة غير مسبوقة رواية خروج المهدي الموعود؛ مفندًا ما تقوله الروايات الشيعية من أن المهدي تُصاحِب خروجه ثورة مسلحة يضع فيها السيف على رقاب خصومه. (والخصوم دائمًا حسب الرواية الشيعية هم أهل السنة)؛ مؤكدًا أن خروج المهدي سيأخذ طابعًا نهضويًا جماعيًا واجتماعيًا يلقى فيه قبولاً عالميًا، مقدمًا بذلك تصورًا جديدًا لمسألة المهدي، تتلاءم مع الرؤية الإسلامية العامة ومخالفة للرواية الشيعية ـ التي تظهر المهدي وكأنه سياف لا هم له سوى القتل والانتقام ـ.

 

 

 

وفي كتابه "مفتاح فهم الإسلام" والذي هو تفسير للقرآن في مجلدين, قال عنه الكاتب والباحث الإيراني ناصر الدين صاحب زماني في كتابه "ديباچه اي بررهبري" صفحه 134: إن "الشيخ شريعت" قدم رؤية عصرية للإسلام في إيران استحق أن ينال عليها لقب المصلح الأكبر من قبل أتباعه. كما شبه الكثير من الباحثين الإيرانيين حركة الشيخ "شريعت سنغلجي" التصحيحية بأنها أشبه ما تكون بحركة "لوتر وتوماس منتسروكالون" اللذين كانا يريدان العودة بالمسيحية إلى أصولها الأولية وتخليصها مما لحق بها من خرافات وبدع. ويقول هؤلاء الباحثون: إن "شريعت" كان يعمل عن وعي كامل في مواجهة الخرافات التي كان ينتقدها بانتظام في مجالسه وكتاباته ومنها على سبيل المثال خرافة "الرجعة" وظهور "الدجال" و"الشفاعة" وقصة "ظهور المهدي" وغيرها من الخرافات الشيعية الأخرى.

 

 

 

وبخصوص "الرجعة" فقد جمع "الشيخ شريعت" الروايات والأخبار والدلائل النقلية، وأضاف إليها استدلالات عقلية لدحضها, محذرًا الناس من تصديق هذه الخرافة التي تصور الأمر وكأنه فيلم سينمائي لتاريخ الإنسان يظهر عملية إعادة الأنبياء والأئمة إلى عالم الدنيا من جديد. وكان المستمعون والقراء المتابعون "للشيخ شريعت" يوافقونه على استدلالاته وآرائه العقلية، ولكن أصحاب "البازار- تجار طهران" الذين كانوا يميلون إلى مشايخ الغلو، كانوا يشنون حملات تحريضية ضده، محاولين ثنيه عن مسيرته التصحيحية. علمًا أن العديد من مشايخ الشيعة الكبار لا يعد "الرجعة" من أصول أو فروع الدين، لكن عدد الأخبار والروايات التي وضعت بشأن هذه الخرافة جعلت انتقادها خطًا أحمر لا يمكن المساس به.

 

 

 

وقد تحولت "الرجعة" مع مرور الزمان إلى عقيدة راسخة في المذهب الشيعي لا يسمح لأحد نكرانها. وعلى الرغم من أن محاولة "شريعت سنغلجي" كانت محاولة أولية في حركة التصحيح الشيعي، إلا أنها فتحت آفاقًا مستقبلية واسعة ساعدت في ظهور مصلحين آخرين كانوا أكثر جرأة في الطرح وأكثر شمولية في التصحيح. ومن بين هؤلاء المصلحين يمكن ذكر أسماء لامعة أمثال الأستاذ "علي أكبر حكمي زادة" والشيخ "نعمة الله صالحي نجف آبادي" والأستاذ "حيدر علي قلمداران" و الدكتور "علي شريعتي" وغيرهم. وقد ترك كل واحد من هؤلاء المصلحين أثرًا قيمًا في الساحة الشيعية، على الرغم من الحرب التي تعرضوا لها من قبل المغالين الذين لم يجدوا سوى كلمة "الوهابية" لإطلاقها عليهم، وذلك بعد أن عجزوا عن مناقشتهم بطرق علمية. و"الوهابية" كما هو معروف أصبحت في الأدبيات الشيعية المغالية، تهمة توجه لك من يرفض الاعتقاد بالخرافات والبدع التي تلازم الفكر الطائفي.

 

 

 

ومن بين الوجوه الإصلاحية التي خلقت هزة مدوية في وسط الحوزة بعد تناوله للأفكار العقدية الشيعية هو الأستاذ "علي أكبر حكمي زاده" ابن الشيخ مهدي پائين شهري القمي الذي نقاش في رسالته المسماة "أسرار هزار ساله" أي "أسرار ألف عام"، والتي جاءت في 38 صفحة ونشرت في عام 1943م, دحض فيها مسألة "عصمة الأئمة" التي تشكل أحد أهم أركان العقيدة الشيعية. كما هاجم بشدة المرجعيات الشيعية وسلطتها على العوام من الناس، مما استفز حوزة قم ومرجعيتها، التي رأت في مثل هذه الأفكار خطرًا يحدق بها. وبعد كيل الاتهامات له قام الخميني ـ الذي كان يتزعم الحركة الدينية المعارضة لشاه آنذاك، ومن أجل كسب مزيد من الشهرة قام ـ بوضع كتابه "كشف الأسرار " للرد على حكمي زاده، لكنه لم يكن موفقًا بالدرجة التي بلغها كتاب "أسرار هزار ساله" الذي خلق هزة حقيقية في الوسط الحوزوي خاصة والشيعي عامة.

 

 

 

لقد فتحت خطوات الشيخ شريعت والأستاذ حكمي زاده, الباب أمام أصحاب الأفكار النيرة وشجعتهم على طرح آرائهم في إطار الحركة التصحيحية التي كانوا يأملونها في مذهب التشيع، و قد جاء كاتب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" لدكتور علي شريعتي ( توفي عام 1978م) ليكون رافدًا جديدًا لحركة التصحيح التي هزت المغالين وكشفت خرافاتهم وانتزعت عن مرجعياتهم جزءًا كبيًرا من الهالة و القدسية التي هم عليها. ورغم أن الدكتور "علي شريعتي " هو ابن أحد مراجع الحوزة الشيعية البارزين في مدينة مشهد، وكان ذا توجه إسلامي معتدل ومعارض شديد لحكم النظام البهلوي، إلا أن ذلك كله لم يشفع له، وقد شنت عليه حملة عشواء، دفعت به للخروج من إيران تحت ضغط النظام والحوزة الشيعية ليقتل مسمومًا في العاصمة البريطانية لندن أواخر السبعينيات، ويعتقد أنصاره أن مقتله على يد السافاك (المخابرات الإيرانية آنذاك) جاء إرضاء للزعامات الشيعية التي كانت مؤيدة لحكم الشاه.

 

 

 

لقد أصبح كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" وغيره من كتب وخطابات الدكتور علي شريعتي مرجعًا هامًا لكل من أراد التعرف على حجم الخرافات والبدع التي أحدثها الصفويون، بالإضافة إلى الكم الهائل من الأخبار والأحاديث المفتعلة التي نسبوها إلى أهل البيت عليهم السلام زورًا وبهتانًا.

 

 

 

وبالرغم من أن شريعتي يعد الصانع الحقيقي للثورة في وجه الشاه، إلا نظام الجمهورية الإيرانية حارب أفكاره ولاحق أتباعه، ومازالت أغلب كتب شريعتي ممنوعة الطبع والتداول في إيران، كما تعرض الكثير من أتباعه إلى الملاحقة والسجن أو القتل. وما تعرض له مؤخرًا اثنان من أبرز المفكرين الإيرانيين السائرين على خط شريعتي، وهما: المفكر البارز الدكتور "عبد الكريم سروش" والدكتور "هاشم آغاجري" هو دليل كافٍ على حجم الخطر الذي ينتاب زعامات الحوزة ومراجع الغلو من أفكار شريعتي وتيار التصحيح الشيعي عامة.

 

 

 

ولعل في الكلام الذي جاء على لسان أحد مدرسي حوزة قم الدينية وهو "آية الله مرتضى جعفر العاملي" سوف يبين لنا مدى عمق الكراهية التي يكنها هؤلاء المغالون لعلي شريعتي وكتاباته القيمة. وهذا نص كلام العاملي إذ يقول: "بالنسبة للسؤال عما يقال من تشيع صفوي وتشيع علوي.. أقول: إن التشيع هو حقيقة دين الله تعالى الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله.. فمن تمسك به كان من المهتدين، ومن حاد عنه كان من الضالين.. ولا حاجة إلى اللجوء إلى مثل هذه المهاترات التي لا تفيد شيئًا، لا في إحقاق الحق، ولا في إبطال باطل، بل هي سلاح العاجز المهزوم في ساحة البرهان والحجة..على أن اتهام جيل من الناس بأن تشيعه ليس علويًا لهو أمر بعيد عن أخلاقيات الإسلام، وهو يحتاج إلى كثير من الجرأة على الحق وأهله.. كيف وقد نشأ في تلك الحقبة، أعاظم علمائنا، وحفظة الدين، وحملة العلم، ومنهم العلامة المحقق المجلسي، والمحقق الكركي، وغيرهما من أساطين العلم الذين نشروا علوم آل محمد، وساعدوا في حفظ الإيمان وأهله. حينما كانت قوى التعصب المقيت تسعى للقضاء عليهم، واستئصالهم، وتقويض دولتهم، وكسر شوكتهم..نقول هذا، ونحن لا ننكر أن لكل حقبة سلبيات تطفو فيها على السطح لعوامل وأسباب مختلفة، ونحن نعتقد أن من الذين يتحدثون عن تشيع علوي وصفوي، ويسعون إلى تصنيف أنفسهم في التشيع العلوي، هو أضر على التشيع، بل على الدين كله، من السباع الضارية، والوحوش الكاسرة.. فإنا لله و إنا إليه راجعون..وفي جميع الأحوال نقول: إن هذه التصنيفات تسهم في تمزيق الأمة، وفي إيجاد العقد المستعصية على الحل فيها.. من خلال ادعاءات ترمي لتسويق ما يعجزون عن تسويقه في ظل الفكر المنفتح، والهيمنة العقلية، وسلطة البرهان والحجة، فيلجئون إلى مثل هذه الأساليب الملتوية لمحاصرة العقل، والفطرة، والوجدان ضمن أسوار الأحقاد والضغائن والإثارات اللاإنسانية" ا.هـ.

 

 

 

لقد تزامن تحرك شريعتي التصحيحي مع وجود شخصية علمية تسير على نفس الخطا وهو الشيخ "نعمة الله صالحي نجف آبادي" أحد العلماء المجتهدين والمدرسين البارزين في الحوزة الدينية في قم وأصفهان، والذي عرض أفكاره الإصلاحية للمرة الأولى في كتابه "شهيد جاويد" أي "الشهيد الخالد" الذي صدر في عام 1951م وعُـد من أهم الكتب التي تناولت حركة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، وواقعة كربلاء بصورة علمية وتحليل استدلالي ناقش فيه ماهية الحركة الحسينية, مراحلها, وهدفها, ونتائجها, وأثارها. مقدمًا قراءة جديدة تتعارض كليًا مع القراءة التي تقدمها الرواية الشيعية المغالية، والقائمة على نظرة عاطفية بحتة. لقد قدم الشيخ صالحي رأيه في هذه القضية بطريقة اعتمدت البحث العلمي، متبعًا المنهج الاستدلالي الذي أوصله إلى النتيجة التي تؤكد أن الإمام الحسين لم يخرج بهدف أن يقتل وينال الشهادة، و إنما خروج الحسين كان بهدف إقامة العدالة الإسلامية وتحكيم الإسلام في الأمة، ولكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك, منتقدًا بشدة الرواية الشيعية العاطفية التي تقول بعلم الحسين المسبق بمقتله وأنه خرج ليقتل!. وقد اعتبر أغلب الباحثين الإيرانيين كتاب "شهيد جاويد" أهم الكتب المثيرة للجدل في تاريخ إيران المعاصر، ومن أهم الكتب التي ناقشت قضية الحسين عليه السلام ببعديها السياسي والاجتماعي، حيث صدر أكثر من ثلاثة عشر كتابًا في الرد عليه من قبل الغلاة. وكان من أبرز المنتقدين له هم: آية الله صافي الگلپايگانى, وآية الله رفيعي قزويني, وآية الله مرتضى المطهري وغيرهم من آيات الحوزة الكبار. وقد جمع الشيخ صالحي ردوده على منتقديه في كتاب أسماه "عصاي موسى يا درمان بيماري غلو" أي "عصى موسى أو علاج مرض الغلو". صدر هذا الكتاب في عام 1981م غير أن وزارة الإرشاد والثقافة الإيرانية قامت بعد ذلك بجمعه من الأسواق ومنعت إعادة طبعه وتداوله. توفي الشيخ صالحي العام الماضي (1427هـ - 2006م ) في مدينة نجف آباد من توابع محافظة أصفهان بعد حصار من الحكومة الإيراني دام أكثر من عشرين عامًا، وذلك نتيجة أفكاره الإصلاحية، بالإضافة إلى كونه من المحسوبين على خط الشيخ حسين علي منتظري الذي كان خليفة للخميني، ثم تم عزله وفرضت عليه الإقامة الجبرية.

 

 

 

وعلى غير عادته في نعيه للآيات الذين يموتون، فإن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي لم ينعِ الشيخ صالحي الذي كان عالمًا مجتهدًا وحاصلاً على لقب آية الله وكان أستاذًا يدرس البحث الخارج، وله كتاب في هذا المجال بعنوان "ولايت فقيه, حكومت صالحان" أي "ولاية الفقيه, حكومة الصالحين". كما أن الإعلام الرسمي الإيراني تجاهل نشر خبر وفاته.

 

 

 

ومن الشخصيات اللامعة الأخرى التي برزت في ساحة الإصلاح الشيعي في إيران الأستاذ والباحث الإسلامي القدير "حيدر علي بن إسماعيل قلمداران القمي" الذي كرس جهدًا كبيرًا في سبيل إثبات الحقيقة وتصحيح الأفكار ونقد العقائد الخرافية السائدة. وكان "الأستاذ قلمداران" قد تأثر في بادئ أمره بالأفكار الإصلاحية للشيخ محمد الخالصي ابن الشيخ محمد مهدي المرجع العراقي المعروف، الذي قامت قوات الاحتلال البريطاني في العراق في منتصف عشرينيات القرن الماضي بإبعاده إلى إيران، نتيجة جهاده ضد الاحتلال. وقد تطور الوعي الإصلاحي عند "قلمداران " بعد ذلك، الأمر الذي جعله يجمع أفكاره الإصلاحية وينشرها في عدد من الكتب التي حملت العناوين التالية:

 

 

 

1- الإمامة والولاية / فارسي.

 

 

 

2- جواب مختصر على سؤالين مهمين حول الإمامة والخلافة / فارسي.

 

 

 

3- طريق النجاة من شر الغلاة/ فارسي.

 

 

 

4- زيارة القبور بين الحقيقة والخرافة / فارسي.

 

 

 

5- الخمس / فارسي. وهو بحث روائي رجالي فقهي ضخم أثبت فيه عدم وجوب أداء خمس أرباح المكاسب، مخالفًا للفكر الشيعي. وغيرها من الكتب الأخرى. كما قام بترجمة كتابين لصديقه الشيخ محمد خالصي الأول: "أخلاق محمد"، والثاني: "المعارف المحمدية – الفلسفة الإسلامية العليا". ومن أبرز كتب الأستاذ "قلمداران" في نقد العقائد الخرافية كتاب "شاهراه اتحاد" أي "طريق الاتحاد أو تمحيص روايات النص على الأئمة" وهو الأثر الوحيد الذي تم تعريبه وطبعه بعد وفاته. وقد قام بهذا العمل الجبار ـ مشكورًا ـ الأستاذ "سعد رستم" الذي بذل جهدًا كبيرًا في إخراج هذا الكتاب إلى النور. وقد جاء في مقدمة الطبعة المعربة ما يلي: "ترى عقيدة الإمامية أن الأئمة الاثني عشر من آل البيت عليهم السلام، منصبون ومعينون من قِبَلِ الله تعالى لإمامة المسلمين، ومفترض لهم الطاعة على العالمين بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالإيمان بهم ومعرفتهم أصل من أصول الدين يساوي أصل الإيمان بالله وباليوم الآخر وبنبوة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، مما يعني بالنتيجة الضرورية، وبدون لف ودوران، أنه لن تكون هناك نجاة أخروية لأي مسلم أو لأي إنسان دون معرفة أولئك الأئمة والإيمان بعصمتهم وإمامتهم! فأراد (قلمداران) أن يمحص صحة هذه العقيدة ويرى سندها، فتبين له أن مستندها مجموعة من الأحاديث الواهية الموضوعة من قبل الغلاة التي لا تقوم بها أي حجة رغم كثرتها، ثم تبين له أن القرائن الخارجية من آيات القرآن ووقائع التاريخ وسير الأئمة أنفسهم تؤكد عدم صحة تلك الأحاديث والروايات، وبالتالي عدم صحة العقيدة التي انبنت عليها، فضمَّن نتيجة بحثه هذا الكتاب، مبتغيًا بذلك إزالة السبب الرئيس لتباعد الشيعة الإمامية عن سائر المسلمين، و سماه: "شـاهراهِ اتحاد" أي "طريق الاتحاد الواسع"، ولكنه لم يستطع طباعته بشكل رسمي ونشره لحساسية الموضوع البالغة بالنسبة للعلماء التقليديين، بل اكتفى بعض زملائه ومحبيه بأن يطبعوا الكتاب سنة 1978م. على الآلة الكاتبة اليدوية، ثم مرة ثانية على آلة كاتبة إلكترونية I.B.M. ـ والطبعتان كانتا مليئتين بالأغلاط المطبعية بالإضافة لعدم التنسيق ـ (ويصورون منه بضع مئات من النسخ سرعان ما نفدت). توفي الأستاذ "حيدر علي قلمداران" في يوم الجمعة 28 من رمضان عام 1409 هـ في مدينة قم عن عمرٍ ناهز 79 عامًا قضاه في البحث والتوثيق والتأليف، غايته تقديم ما يخدم الإسلام ويصحح الأفكار والعقائد السائدة في مجتمعه. وكان قد تعرض إزاء ذلك ـ شأنه شأن غيره من المصلحين ـ إلى حرب ظالمة شنت عليه من قبل مراجع الحوزة وأرباب الفكر الطائفي المغالي.

 

 

 

الساحة العراقية

 

 

 

إذا كنت الساحة الإيرانية هي الساحة الرئيسة للجدل الذي دار وما يزال يدور بين حركة الإصلاح وتيار الغلو الشيعي لكونها (إيران) منبت هذا الفكر والمركز المغذي له, فإنه يجب علينا عدم إغفال وجود الأصوات التصحيحية في الساحات الشيعية الأخرى ومنه الساحة العراقية والأحوازية. فعلى صعيد الساحة العراقية نجد أن حركة الإصلاح الشيعي ظهرت على يد الشيخ محمد ابن الشيخ محمد مهدي الخالصي (1383- 1306 هـ) الذي تمثلت حركته بمحاربته الشعواء للبدع والخرافات التي سادت بين الشيعة، والعمل على تنزيه العقيدة الإسلامية من الانحراف، فكانت هذه هي النقطة الأصعب في حركته رحمه الله، لأن تنزيه الدين من البدع والخرافات التي يظنها الجهال من أصل الدين، يحتاج إلى شجاعة ونكران للذات في الله، وهو ما ألّب عليه أقرب أصدقائه، فضلاً عن مرجعية الحوزة النجفية ومراجع حوزة قم الإيرانية الذين قاموا بدفع الرعاع إلى مهاجمته بألسنتهم وأقلامهم وسائر وسائلهم الخبيثة.

 

 

 

وكانت من آثاره القيمة في مجال الإصلاح و نبذ الخرافات والطائفية هي:

 

 

 

إحياء الشريعة في مذهب الشيعة / رسالته العلمية في عدة أجزاء .

 

 

 

الوقاية من أخطار الكفاية.

 

 

 

النيروز / في بدعة عيد النيروز.

 

 

 

وكتابات قيمة أخرى تركت آثرها في الساحة العراقية والإيرانية. وكان الخالصي ـ الذي أسس مدرسة دينية علمية في مدينة الكاظمة في بغداد باسم "مدينة العلم" ـ أول مرجع شيعي يجرؤ على رفع شاهدة "أشهد أن عليًا ولي الله من الأذان" وهي الشاهدة التي أمر بوضعها إسماعيل الصفوي يوم استيلائه على مدينة تبريز في إقليم أذربيجان في بداية القرن العاشر الهجري، والتي قتل دونها أكثر من مائتي ألف مسلم من أهل السنة لرفضهم "الأذان بأشهد أن عليًا ولي الله" .

 

 

 

مدرسة الخالصي التصحيحية ما تزال مستمرة ولها أتباع وإن كانوا أقلية، إلا أنهم يعبرون عن أفكارهم بشكل صريح. ولعل من آثار مدرسة الخالصي ـ التي يقودها اليوم أبناؤه الشيخ جواد والشيخ مهدي ـ هو تحالف أنصار هذه المدرسة مع أهل السنة في العراق والنأي بأنفسهم عن المليشيات والمرجعيات الطائفية في قم والنجف.

 

 

 

ومن بين الوجوه الإصلاحية العراقية الأخرى التي يمكن ذكرها على سبيل المثال, الشيخ الدكتور "موسى الموسوي" حفيد مرجع الشيعة البارز في منتصف القرن الماضي أبو الحسن الموسوي الأصفهاني. لقد أدرك "موسى الموسوي" الذي عاش في الوسط الحوزوي وفي أسر المرجعية الشيعية, عمق التخلف والخلل الفكري والعقائدي، بالإضافة إلى ما يدور فيها من تخطيط وتآمر على الأمة، ولذا انتفض على هذا الواقع وقال كلمته التي أفحمت الطائفيين. وقد دون أفكاره هذه في أكثر من كتاب أهمها الكتب التالية :

 

 

 

1ـ الشيعة والتصحيح / عربي – فارسي.

 

 

 

2ـ الخميني في الميزان / عربي - فارسي.

 

 

 

وهناك كتب ورسائل ومحاضرات هامة أخرى كشف فيها وهن وضعف الأفكار العقدية للصفويين وأتباعهم.

 

 

 

وإلى جانب "موسى الموسوي" يمكن ذكر اسم الشيخ "حسين الموسوي" صاحب كتاب "لله ثم للتاريخ" هذا الكتاب الذي يعد من أهم وأنجح ما قدمته المدرسة التصحيحية الشيعية في العراق، وذلك لغزارة المعلومات والأدلة التي قدمها الموسوي في كتابه، والتي لم تترك شاردة أو واردة في معتقدات الشيعة إلا وذكرها وناقشها بتمعن ومنهجية علمية رائعة.

 

 

 

ومن الشخصيات العراقية الأخرى التي تركت لها أثرًا في التصحيح وهي ما تزال مستمرة في عطائها، فيمكن ذكر الأستاذ "أحمد الكاتب" وأثره القيم كتاب (تطور الفكر الشيعي) الذي نقض فيه نظرية الإمامة الشيعية بأدلة قوية غير قابلة للدحض. أما الشخصية الأخرى التي يمكن ذكرها هنا فهو فضيلة الشيخ "طالب السنجري" صاحب كتاب (التشيع كما أفهمه) والذي أكد فيه أن الرجوع إلى الخليفة عمر بن الخطاب كما الرجوع إلى الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنهما كون الاثنين يستقيان علمهما من منبع واحد وهو القرآن و السنة. وكانت هذه الكلمة كفيلة لكي يقوم المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله بطرده من حوزته الكائنة في منطقة السيدة زينب في سوريا، حيث كان الشيخ طالب السنجري أستاذًا للفقه فيها. وقد حورب السنجري على رأيه هذا وحوصر من جميع الجهات، الأمر الذي دفعه للقيام بفتح محل لبيع الأحذية، بعد أن أغلقت جميع الحوزات الشيعية أبوابها في وجهه، وقطعت جميع مكاتب المرجعيات الشيعية رواتبها التي كانت تقدمها لطلبة وأساتذة الحوزات عنه. ولكن ذلك لم يثنه عن مواصلة مشواره الإصلاحي، وقد نشر العديد من الكتب في هذا الشأن، ومنه كتاب "تذكرة المسلم" وغيره. وهو اليوم يعمل الآن إمامًا لأحد المراكز الإسلامية في مدينة فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية يواصل من خلاله الإصلاح في الفكر الشيعي، وقد أصبح له مناصرون وأتباع كثيرون.

 

 

 

الساحة الأحوازية

 

 

 

في هذا الساحة العربية الإسلامية المغتصبة من قِبل الدولة الإيرانية ـ والتي يعاني أهلها من الحرمان التعليمي والاضطهاد بجميع أشكاله ـ فإن عملية الإصلاح الفكري والعقائدي قد شقت طريقها في السنوات الأخيرة بشكل واسع متأثرة بالخطابات والندوات التي تبث من خلال القنوات التلفزيونية العربية، والخليجية منها تحديدًا، وذلك بسبب قرب الأحواز من الدول الخليجية. كما أن تردد الأحوازيين على الدول الخليجية ونقلهم للكتب والأشرطة التي تحتوي على خطب وندوات فكرية إسلامية قد ساهم بشكل كبير في توسع حركة الإصلاح الفكري؛ الأمر الذي رفع من نسبة أهل السنة في الأحواز في السنوات الأخيرة بشكل كبير جدًا. علمًا أن شيعة الأحواز وعلى خلاف شيعة إيران وباقي الشيعة لا يرون التشيع أكثر من مجرد مدرسة فقهية، وهم يسمون أنفسهم بالجعفرية (نسبة للإمام جعفر بن محمد الصادق)، ويقفون من الصحابة وأمهات المؤمنين ذات الموقف الذي يقفه منهم أهل السنة. ولا يؤمنون بالخرافات والطقوس الصفوية التي نشاهدها تمارس في ساحات شيعية مختلفة، ولهذا فهم أقرب لأهل السنة منهم للشيعة. وإذا أردنا الحديث عن شخصيات فكرية إصلاحية أحوازية فيمكن ذكر أسماء من أمثال الشيخ "عبد الحميد النواصري" والشيخ "عباس البوشوكة الموسوي" والشيخ "عقيل الهاشمي" ولا أستبعد نفسي عن هذه الثلة الخيرة.

 

 

 

وختامًا ما تقدم أعلاه كان محاولة أولية لإلقاء الضوء على مسيرة الإصلاح الفكري التي قام بها أناس أنار الله قلوبهم بالإيمان وكشف عن بصيرتهم الغشاوة، فأدركوا ما توصلوا إليه نتيجة للبحث والمطالعة كونهم يمتلكون كفاءة عقلية وعلمية مكنتهم من التوصل إلى الحقيقة وفهمها. يقودهم إلى ذلك إيمانهم بأن الإسلام لا يقبل الازدواجية العقائدية.

 

 

 

ومما يجدر ذكره أيضًا أن عدم تطرقنا للساحات الأخرى (الخليجية أو اللبنانية أو الأفغانية...) لا يعني خلو تلك الساحات من شخصيات إصلاحية, أو أن الأسماء التي ذكرت في هذه المقدمة لا يوجد غيرها, ولكننا اخترنا هذه النماذج من الشخصيات والساحات على سبيل المثال فقط لنقدمه للقارئ الكريم. متمنين لحركة الإصلاح الشيعي التوسع والتوفيق في عملها لإخراج القوم من ضلالتهم الفكرية التي هم عليها. كما نأمل أن نقدم في الحلقة القادمة ما هو أوسع وأنفع إن شاء الله.

 

 

8401

Share this post


Link to post
Share on other sites

آية الله حسين اسماعيل الصدر : ولاية الفقيه مسألة خلافية بين فقهاء الأمة

 

والقانون يجب أن يقره المجتمع

بغداد - الصباح

قال آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر: إن نظرية ولاية الفقيه مسألة خلافية فبعض الفقهاء يعتمدونها والبعض الآخر لا يقرونها بناء على وجهات نظرهم بالتوصل الى الدليل الفقهي المقنع ، فهي مسألة اجتهادية.

 

واشار في احاديث صحفية الى انه يعتقد ان الولاية للامة وان القانون الذي يقره المجتمع هو الذي يتم تنفيذه، فالناس مسلطون على شؤونهم. وعن استمرار بقاء كتلة الائتلاف العراقي الموحد قال: إن كتلة الائتلاف كيان سياسي ناضج فيه من السياسيين الكفوئين والمقتدرين على ضمان وحدة الائتلاف وهم يحرصون كل الحرص على سلامة بقائه وترصين وجوده ، مضيفاً أنه كيان سياسي منفتح يتقبل الرأي والرأي الآخر ومن يعتمد هذه الصيغة فلا يخشى عليه ، كما أن الإطار الوطني الذي يؤمن به الائتلاف العراقي الموحد أشمل و أوسع من أي تصور يغلّب الطابع المناطقي او العشائري او العائلي او القومي أو الديني أو المذهبي، كما ان الائتلاف العراقي الموحد لا يضم الكتل الشيعية فقط ، وتابع السيد اسماعيل الصدر القول: ان التشخيص السائد عند بعض الاعلاميين بان الائتلاف هو حصة شيعية ليس دقيقاً ، معرباً عن امتعاضه من هذه المسميات الدخيلة على الشعب العراقي الذي لا يعرف في تاريخه الحضاري غير التعددية التي اكسبته خصوصية متميزة يكاد ينفرد بها من بين شعوب المنطقة ، فضلاً عن كل ماتقدم فان الاسلام الحنيف مثلما يحترم المسلم من اتباعه يحترم بنفس القدر الآخر من غير اتباعه ، وكما معروف أن الإسلام معتقد يسمو في تعاليمه فوق التصنيفات القومية والدينية واللونية وسواها.

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...