Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
salim

دجلة الخير، يا أمَّ البساتينِ

Recommended Posts

يقول الجواهري :

يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتينِ

حيّيتُ سفْحكِ عن بعدٍ، فحيّيني

لوْذَ الحمائم بين الماءِ والطينِ

حيّيْتُ سفحكِ ظمآناً ألوذُ به

على الكراهةِ بين الحين والحينِ

يا دجلةَ الخير يا نبْعاً أفارقُهُ

نبْعاً فنبْعاً، فما كانت لترويني

إنّي وردْتُ عيون الماءِ صافيةً

ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانينِ(1)

وأنت يا قارباً تلْوي الرياحُ بهِ

يُحاكُ منه، غداة البيْنِ، يطويني

وددْتُ ذاك الشراع الرّخصَ لو كفني(2)

حتى لأَدنى طِماحٍ غيرُ مضمونِ

يا دجلة الخير: قد هانت مطامحُنا

بين الحشائشْ أو بين الرياحينِ

أتضمنين مقيلاً لي سواسيةً

بين الجوانح أعنيها وتعْنيني

خِلْواً من الهمِّ إلا همَّ خافقةٍ

كالريح تُعْجلُ في دفع الطواحينِ

تهزّني فأجاريها فتدفعُني

 

* * *

يا خمر خابيةٍ في ظلّ عُرجونِ(3)

يا دجلة الخير: يا أطياف ساحرةٍ

يا خنْجَر الغدر، يا أغصان زيتونِ

يا سكْتَةَ الموتِ، يا أطيافَ ساحرةٍ

متى التبغْددُ حتى في الدهاقينِ(4)

يا أمّ بغدادَ، من ظَرْفٍ ومن غَنجٍ

للآنَ يعبقُ عطرٌ في التلاحينِ

يا أمّ تلك التي من (ألف ليلتها)

به الحضارة ثوباً وشْيَ (هارون)(6)

يا مُسْتجمَّ (النواسيّ) الذي لبستْ(5)

والمُلْبسِ العقْلَ أزياءَ المجانينِ

الغاسلِ الهمّ في ثغرٍ وفي حَببٍ

والمُنْفقِ اليوْمَ يُفْدَى بالثلاثينِ(8)

والسّاحبِ الزقّ يأباهُ ويُكرِههُ(7)

والمُلهمِ الفن من لهوٍ أفانينِ

والرّاهنِ السّابريَّ الخزّ في قَدحٍ(9)

قرْعَ النواقيسِ في عيد الشّعانينِ(10)

والمُسمعِ الدّهرَ والدنيا وساكنَها

 

* * *

يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يُشجيني

يا دجلةَ الخير: ما يُغْليكِ من حَنقٍ

في مائكِ الطُهرِ بين الحين والحينِ

ما إن تزالُ سياطُ البغْى ناقعةً

على القُرى - آمناتٍ - والدهاقينِ

ووالغاتٌ خيولُ البغْيِ مُصبحةً

به مجاريك من فوقٍ إلى دُونِ

يا دجْلَة الخير: أدري بالذي طَفحتْ

أنغامُكِ السمّرُ عن أناتِ محزونِ

أدري على أيّ قيثارٍ قد انفجرتْ

للآنَ تهزْينَ من حكمِ السلاطين

أدري بأنك من ألفٍ مَضَتْ هَدراً

من النواويس أرواحُ الفراعينِ(12)

تَهزين أنْ لم تَزَلْ في الشرق شاردةً(11)

على الضفافِ ومن بُؤسِ الملايينِ

تهزين من خِصْب جنّاتٍ مُنثرةٍ

أضفوْا دروع مطاعيمٍ مطاعينِ

تهزيْنَ من عُتقاءٍ يوم ملحمةٍ(13)

كما تلوّى ببطن الحوت ذو النونِ

الضارعين لأقدارٍ تحِلُّ بهمْ

ويفزعون إلى حدْسٍ وتخمينِ

يروْن سود الرزايا في حقيقتها

والمُفضلينَ عليه جَدْعَ عِرْنينِ(14)

والخائفين اجتداع الفقر مالهمو

مستعصمين بحبْلٍ منه موهونِ

واللائذين بدعوى الصبر مَجْبنةً

ومستميتٍ، ومنجاةً لمسكينِ

والصبرُ ما انفكّ مرداةً لمحتربٍ(15)

وأيّ شرٍّ بخيرٍ غيرُ مقرونِ

يا دجلةَ الخير: والدنيا مفارقةٌ

طهْرُ الملائكِ من رجْسِ الشياطينِ

وأيُّ خيْرٍ بلا شرٍّ يُلقّحهُ

لديْكِ في (القُمْقُمِ) المسحور مخزون

يا دجلةَ الخير: كم من كنْز موهبةٍ

آت فترضيك عقبان وتُرضيني

لعلّ يوماً عصُوفاً جارفاً عرساً

للسمع، ما بين ترخيمٍ وتنوين

يا دجلةَ الخير: إن الشعر هدهدةٌ

لحن الحياة رخيّاً غَيْرَ ملحونِ

عفْواً يردّد في رَفْهٍ وفي عَللٍ

كفّ الطبيعةِ لوْحاً (سفرَ تكوينِ)

يا دجلة الخير: كان الشعر مُذْ رسمتْ

لكنْ لنلْمِسَ أوجاعَ المساكينِ

يا دجلة الخير: لم نصحبْ لمسْكنةٍ

المُلهمونَ عليها كالعناوينِ

هذى الخلائقُ أسفارٌ مُجسّدةٌ

أضواءُ حرْفٍ بليل البؤسِ مرهونِ

إذا دجا الخطْبُ شعَت في ضمائرهم

من راح منهم خليصاً غير مديونِ

دَيْنٌ لزامٌ، ومحسودٌ بِنِعمتهِ

 

* * *

تُسدى إليَّ على بُعدٍ فَتجْزيني

يا دجلةَ الخير: هلا بعض عارفةٍ(16)

وألهميني سُلواناً يُسلّيني

يا دجلةَ الخير: منّيني بعاطفةٍ

بلوايَ لم أُلْفِ حتّى مَنْ يُواسيني

يا دجلةَ الخير: من كلّ الاُلى خبروا

طيفاً يمرُّ وإن بعْضَ الأحايينِ

يا دجلةَ الخير: خلِّي الموج مُرتفعاً

دفْءَ (الكوانينِ) أو عطر (التشارين)(17)

وحمّليه بحيثُ الثلجُ يغمُرني

عن كلّ ما جلت الأحلامُ يُلهيني

يا دجلةَ الخير: يا مَن ظلَّ طائفُها

وددّتِ مثلي لو أنّ النوْمَ يجفوني

لو تعلمين بأطيافي ووحشتها

لي المقاديرَ من لدْغِ الثعابينِ

يا دجلةَ الخير: خلّيني وما قَسمت

 

 

ويرحل الجواهري عن عالمنا، ولاتزال دجلةَ تشكو الأسْر والقهر والقيود، ولاتزال تغلي بالحنق الذي استثار غضب الشاعر وشجونه، ولاتزال سياط البغي ناقعه في مائها الطاهر، وخيول البغْي والغة على القرى الآمنة، ولاتزال دجلةَ تصغى لأوجاع المساكين، والليل المرهون بالبؤس. ولايزال جرحها ينزف، وشاعرها في الملأ الأعلى تطل روحه على بغداد وأمّ بغداد، فتــرتدّ جازعة مـــــن رجـــــس الشياطين، مفتقدةً طهر الملائك، متطلعة إلى يومٍ عصوف جارف عرم، يطيح بكلّ الذي تشكو منه وتعانيه، لعلّها ترضى عقباه وتغني لحن الحياة، وستظل في أسماعنا وأعماق وجداناتنا - نحن الحالمين بدجلة الخير وبغداد العدل والحرية - نداءاتُ الجواهري وهتفاته الشجية وهو يردد في مستهلّ العديد من أبيات قصيدته: (يا دجلة الخير) فهل آن أوان إجابة هذا النداء?

(1) الأفانين والأفنان: الأغصان.

(2) الرّخص: الناعم.

(3) الخابية: وعاء من الفخار يُعتّق فيه الشراب. العرجون: عذْق النخل إذا يبس واعوجّ.

(4) التبغدد: تقليد أهل بغداد ومحاكاتهم في عاداتهم وتحضّرهم.

الدهاقين: جمع دهقان: رئيس المدينة أو القرية (فارسية معرّبة).

(5) النواسي: أبو نواس.

(6) هارون: هارون الرشيد.

(7) الزق: وعاء من الجلد يتخذ للماء والخمر.

(8) بالثلاثين أي بالثلاثين يوما مجموع أيام الشهر.

(9) في هذا البيت إشارة إلى قول أبي نواس من قصيدة له وقد رهن ثيابه الثمينة كلها ومن بينها خلع العباسيين عليه.

(10) عيد الشعانين: من أعياد النصارى.

(11) تهزيْن: تهزئين (بتسهيل الهمزة).

(12) النواويس: التوابيت.

(13) العتقاء: من يؤسرون ثم يطلق سراحهم.

(14) جدع عرنين: يقال جُدع عرنينه أي قُطع أنفه.

(15) مرداة: مهلكة.

(16) العارفة: الفضل والإحسان.

(17) الكوانين: جمع كانون وهو الموقد.

والتشارين: جمع (تشرين) وهو اسم لشهرين من شهور السنة السّريانية: تشرين الأول وهـو أكتوبر وتشرين الثاني وهو نوفمبر

Share this post


Link to post
Share on other sites

الجواهري يُشتم في موقع ايلاف

GMT 17:15:00 2005 الجمعة 5 أغسطس

رواء الجصاني

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

تحترم الأمم حين تحترم رموزها

 

 

 

قبل عشرين سنة تماماً، كتب الجواهري في حالة استهجان وشموخ:

وسائلـةٍ أأنت تُسـبُّ جهـراً، ألست محج شبانٍ وشيبِ

ألست خليفةَ الأدب المصفى، ألسـتَ منـارة البلد المهيبِ

أيسرح شاتموك بلا حسيبٍ، وتسـمع من هناك بلا نسيبِ

وما برح السؤال بلا مجيبٍ، ولم تزل الرؤوس على الكعوب

 

* * *

 

تذكرت ذلك، وأمامي " نص " ترددت كثيراً في الرد عليه، كما في مرات أخرى عديدة، وخاصة حول ما نشر عن الجواهري بعد رحيله الذي مرت قبل أيام ذكراه السنوية الثامنة وقد تم احياؤها هذا العام بشكل مكثف، مما استفز البعض – كما يبدو – ليدلي بدلوه المعاكس، وإن كان خاوياً.

وذلك " النص " الذي نتوقف عنده اضطراراً يحمل اسم كاتب طاريء تدرّع باسم خفي على الأغلب، وأجيز نشره على موقع "ايلاف" بتاريخ أمس الخميس 4/8/2005، ( لماذا تكريم الشاعر الانتهازي الجواهري؟ ) وفيه من الخلط المريب ما يثير التساؤل تلو الآخر، ليس عن الكاتب أو المكتوب، فهما فقاعتان طارئتان. ولكن حول مكان وأسباب النشر وتوقيته، والموافقة على تمرير ذلك النص المليء بالشتم الرخيص البعيد عن نبل اليراع. وهنا أيضاً تقفز للذهن بضعة أبيات قالها الجواهري مشمئزاً من حالة مشابهة.

تقحمت الوغى وتقحمتني، وخضت عجاجها حرباً سجالا

وكان اجل من قارعت خصماً، بنبل يراعه ربــح القتالا

ولعل ما دفعني للرد هذه المرة على مثل تلك "النصوص" سبب رئيس، بعيداً عن الكاتب والمكتوب. فهما ليسا ببيت قصيد، أو مربط فرس. فلا هما قصيدٌ أولاً، ولا بمربط تالياً. ولكن أن ينشر ذلك على موقع "ايلاف"، ويمرر من المسؤولين عنه، فهو الغريب العجيب الذي لم يعد لا عجيباً ولا غريباً في راهننا العربي "الأبيّ".

واستباقاً لمن قد يشهر سيف "حرية التعبير" و"حق إبداء الرأي" و"النقاشات الثقافية" وما إلى ذلك من تقولات ومزاعم يساء علناً ومع سبق الاصرار لحرمتها، ومضامينها، أقول إن تلك "الحرية" وذلك "الحق" و"النقاش" لا يتيح لأي كان – في المجتمعات المتحضرة طبعاً – نشر الأكاذيب والأحقاد، فضلاً عن التجاوز والشتم، ولمن؟ لأبرز أعلام الأمة ورموز العراق في القرن العشرين على الأقل، باعتراف الأعداء، قبل الأصدقاء، والأجانب قبل العرب. وبهذا الخصوص يبرز تساؤل آخر، ترى هل كان سيسمح المسؤولون على "ايلاف" بنقد، لا شتم، الاستاذ عثمان العمير أو الدكتور اسامة مهدي، أو الاستاذ عبد القادر الجنابي، وهم المعنيـون الرئيسيون – حسب علمي – في الإشراف على الموقع الناشر لشتم الجواهري؟

وإذا ما تركنا جانباً الأعراف والتقاليد الصحفية، وقانونيتها، فلابد أن تتبقى لدينا على الأقل الروادع الأسمى، وأعني بذلك وازع الضمير، ومسؤولية المهنة، وشرف المصداقية. أقول ذلك وأمامي – كما أسلفت – نص لا يحمل من الأسلوب، والمعلوماتية والثقافة، إلا ما ينتهك أبسط قواعدها ومقوماتها. وممن؟ وتلك هي المأساة الأكبر.

لقد ردّ الجواهري على "شتمٍ ثقافي" ذات مرة، قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، وعلى "صاحب له لم يبخسه موهبة" بأن هناك أجيالاً وأحقبة يعتمد ويستند على حكمها، وهي الفاصل بينهما:

يا شـاتمي وفي كفّي غلاصمـهم، كموسع الليث شتماً وهو يزدردُ

ما ضرّ من آمنت دنيا بفكرته، إن ضيفَ صفرٌ إلى أصفار من جحدوا

فهل تصح هذه الاستعارة يا ترى للردّ على "الشتم" الجديد للجواهري على موقع "ايلاف". ثم، وآمل أن لا يأخذنا الاستطراد بعيداً، هل تصلح استعارة أخرى كتبها الجواهري ذاته قبل نحو نصف قرن، وفي حالة استهجان أخرى، لواقع مشابه لما نحن بصدده:

سيسـب الدهـر والتـاريخ من أغـرى بسـبي

لا أولى ســبّوا فهــم عبـدان عبـدان لربّ

يا لويـل المشـتلي كلبـاً لســبّ المتـنـبي

عــرضُ كـافور تهـرى، ولـه مليـون كلبِ

وأخيراً، وليس آخراً، وحسبي أن يجد موقع "ايلاف" شجاعة في نشر هذه السطور، أقول، إن إحدى أهم مقاييس تقدم الأمم – والعربية واحدة منها كما نعتقد – اهتمامها وتكريمها لرموزها وشواهدها، وإلا فنحن أمة تضحك من جهالتها الأمم حقاً، ولن ينفع اللطم والبكاء على الأطلال للسير – دع عنك اللحاق - بركب الحضارة الانسانية المتسارع ما دمنا على هذه الحال، وأية حال... وصدق من قال، وهو المشتوم على موقع "ايلاف":

يرون الحق مهتضماً، وقول الحق مضطهدا

وام "الضاد" قد هُتكت، وربّ "الضاد" قد جُلدا

ولا يُعنــون، ما سـلموا، بأية طعنة نُفدا

بهم عـوزٌ إلى مـددٍ وأنت تريدهـم مددا

 

 

 

كاتب الرد رئيس مركز الجواهري الثقافي / براغ

www.jawahiri.com

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites
Guest انا وليلى ....

انا وليلى ....

للشاعر: حسين المرواني

ماتت بمحراب عينيك ابتهالاتي / واستسلمت لرياح اليأس راياتي / جفت على بابك الموصود أزمنتي / ليلى , وما أثمرت شيئا نداءاتي .

عامان مارقّني لحن على وترٍ / ولا استفاقت على نور سماواتي / واعتق الحب في قلبي واعصرهُ / فأرشف الهم في أمر كاساتي .

ممزق أنا لا جاهٌ ولا ترفٌ / يغريك فيَ , فخليني لااهاتي / لوتعصرين سنين العمر أكملها / لسال منها نزيفٌ من جراحاتي / لو كنت ذا ترفٍ ما كنت رافضة ً حبي / ولكن , عسر الحال , بؤس الحال , فقر الحال مأساتي. عانيتُ عانيت , لحزن ٍ أبوحُ بهِ / ولست تدرين شيئا عن معاناتي / أمشي وأضحك يا ليلى مكابَرة ً / على إلي أخبيه عن الناس احتضاراتي / لا الناس تعرف ما أمري فتعذرني / ولا سبيل لديهم في مواساتي / يرسو بجفنيَ يمصُ دمي / ويستبيح إذا شاء ابتساماتي / معذورة ٌ أنتِ إن اجهظتي لي أملي / لا الذنب ذنبك بل كانت حماقاتي .

وضعت في عرض الصحراء قافلتي / وجئت ابحث في عينيك عن ذاتي / وجئت أحضانك الخضراء ممتشيا ً / كالطفل احمل أحلاما ً بريئات ِ/ غرزت كفك تجتثين أوردتي / وتسحقين بلا رفق ٍ مسراتي .

وا غربتاه ، مضاع ٌ مدني / عني , وما أبحرت منها شراعاتي .

نُفيتُ واستوطن الأغراب في بلدي / ودمروا كل أشيائي الحبيباتِ / خانتكِ عيناكِ , في زيفٍ وفي كذبٍ / أم غركِ البهرج الخداع ... مولاتي .

فراشة ٌ جئتُ القي كحل أجنحتي / لديك , فاحترقا ظلما جناحاتي / أصيح والسيف مزروع ٌ بخاصرتي / والغدر حطمَ آمالي العريضاتِ .

إذا ستمسي بلا ليلى

حكاياتـــــي...

Share this post


Link to post
Share on other sites

الجواهري: وعي على ذكرياتي(2)

GMT 14:00:00 2006 الأربعاء 8 نوفمبر

فلاح الجواهري

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

تنشر "إيلاف" بمناسبة اقتراب الذكرى العاشرة لرحيل الجواهري، ذكريات ابنه فلاح الجواهري التي تتضمن مقتطفات من "ذكريات " الجواهري بقلمه، اما لتكمل صورة عجز عنها وعي الطفولة او لتباين الرؤية او الرواية: هنا القسم الثاني:

 

القسم الأول

 

 

المدرسة

 

غرفة الاستقبال والجميع يجلس منصتاً باعجاب الى شاب وسيم ببدلة بيضاء وهو يتحدث عن ايفاده الحكومي الى امريكا في بعثة دراسية، اسمعهم ينادونه دون كلفة ب"جليل".

- والمحبوبة رزيقة، تنتظرك اربع سنين ؟ تقولها خالتي وهي تنظر اليه بمكر وتبتسم.. خطبتها من ابوها؟

- ابوها قال: من الآن الى ان ترجع يحلها الف حلال. قالها جليل وهو يداري خجله واحمرار وجهه.

- يعني رفض؟!.. شيخ رؤوف شديد وقاسي احيانا.

- فضيها سيرة ام نجاح، العلم وامريكا اهم، قالها والدي ليداري ارتباك الشاب الشديد.

- تعال يا فلاح! واشار اليّ بيده مشجعاً

قالها جليل ومدّ يده في جيبه مخرجا قطعة نقود فضية ومعقباً

- هذه حق السلامة. خذها واشتري بها صباح الغد دفاتر واقلام فقد سمعت انك ستذهب الى التمهيدي.

- ما يخالف، روح وخذ من عمك! حثتني خالتي ملاحظةً ترددي.

- بس ليش مدرسة يهود، ام نجاح ؟

- هذه احسن مدرسة في المنطقة.

لم استطع النوم فرحا فوق سريري فوق السطح لفترة طويلة، كنت خلالها اتأمل لمعان القطعة الفضية في الظلام واقلبّها ثم احكم قبضتي عليها خوفا من ان تفلت مني ان انا اغفيت. ذهبت معي اختى الكبيرة عند الصباح لشراء كل ما احتاج من قرطاسبة، ولا باس من ان استمتع ببعض الحلوى ايضاً من هديتي الضخمة، التي لا ازال احكم قبضتي عليها دون ان أئتمن ايّ من اهل الدار على مسّها. وحين يسأل احدهم ان اريها اياه، كنت انسحب الى الوراء مبتعداً قبل ان ارفعها باصبعيّ عالياً لبرهة خاطفة قبل ان اعيد احكام قبضتي عليها من جديد. اشترت اميرة لي من دكان المنطقة كل ما احتاج وربما لاكثر من عام دراسي.. كررتُ طلبي بالحلوى اثناء انتقائها القرطاسية المناسبة خوفاً من ان تنسى. واخيرا اكملت شراء اللوازم المدرسية.

- شنو من حلويات تريد؟

- حلقوم.. اي نعم من هذا عمي.. اي إي من هذا.. واثنين حلقوم(..... )الملك!

***

غدا تفتتح المدارس وانا نشوان بالمغامرة الاولى الكبرى القريبة فكم كنت احسد بضعة من رفقة الدرب حين كانوا يعودون متراكضين زاعقين، ببدلات مدارسهم الخاصة، حتى وإن كانت هذه مترّبة مجعدّة او ممزوقة الجيوب احيانا، وكانوا يلوحون بحقائبهم اواكياس متاعهم الفارغة او يتضاربون بها، جادين او مازحين. لكن يبدو ان القرار لم يرس بعد بين خالتي ووالدي، على االمدرسة التي ارسل اليها، وقد سمعت جزءا من الحوار:

- مدرسة يهود لا بيها قرآن ولا ذكرفيها لديننا.. تاليها الولد يطلع إلنا يهود.. والجيران ش راح يقولون ؟.. لالاما يصير.. ؟ كان هذا صوت خالتي.

- قرآن وديانة ؟ ليش ش راح يفهم منها بهذا العمر.. يهود؟!.. والجيران! ؟ قالها ساخرا.. وش بيهم اليهود ؟، مو أم الياس جارتج اللي تحبيها ؟.. بعدين هذه اقرب مدرسة واحسنها !

- شرط بس هذه السنة.. وهذا البيت اصلاً مرهون ويمكن راح يبيعوه وننتقل غصباً ما علينا هذي هم وحدة من نذالات " اصدقائك الاعزاء ".. الدويك، الدويك صديقك العزيز.. الله

لا يوفقه، ربي يهجم بيته مثل ما هجم بيتنا ! وسمعت صوت بكاء ونحيب اضاع نشوتي.

 

***

اغلق رجل متجهم الوجه يلبس بدلة عاتمة، البوابة الحديدية العالية ولف السلسلة الطوبلة الحديدبة حول قضبانها واحكم القفل الضخم فيها. فأحسست بحزن لا اعرف مصدره.

عدد لا يحصى من الاطفال في الساجة الواسعة المتربة والصخب يتعالى ويشتد وكذلك الركض و التدافع وتصاعد الاتربة... اقف وحيدا في اقصى الساحة قرب الجدار.. لااحد يقترب مني من كل هؤلاء الاطفال المنشغلبن بالعابهم واحاديثهم... مجاميع صغيرة تتفرق من هنا لتلتم في مكان آخر.. هنالك مجموعتين تتقاذف الكرة واخرى

تلعب " حرامية جرخجية " وثالثة " سمبيلة السمبيلة ".. اعرف كل هذه اللعب ولكن لم يشركني احد منهم، حتى عندما اقتربت بخجل من احدى تلك المجاميع ووقفت لفترة غير قصيرة بالقرب منهم، لم يلتفت احد تجاهي.. مد احدهم لسانه وبحلق بعينيه معاكساً... وحشتي تتزايد.

خرج رجل عجوز يلبس بدلة زرقاء كالحة، وبدء بهز جرس كبير بيده من على عتبة مدخل بناية المدرسة.. استمر يدق الجرس.. بدء صوته يصل اليّ ويتعالى رنينه مع خفوت اصوات التلاميذ في الساحة.

خرج من بناية المدرسة الى الساحة ثلاثة رجال نحاف طوال يتبعون آخر قصير بدين متجهم، بيده عصا رفيعة وبدء بالزعيق حالما وصل منتصف الساحة و بعصبية مخيفة

" إصطفاف.. إصطفاف.. اصطفاف " في الصف-التمهيدي-، لم تكن الحالة افضل، بل كانت اسوء بكثير.. كنت اجلس وحيدا وراء رحلتي آخر الغرفة، على حين كان الجميع يجلسون ازواجا فوق كل رحلة. وخلال وقت طويل –لا نهاية له-، لم ينقطع المعلم النحيف ذو العوينات الثخينة عن الزعيق والتلويح بعصاه الطويلة والدق بها على رحلات التلاميذ مهددا... لم يسمح لي للخروج للتبول.. اخذت ابكي.

في الفرصة كانت الساحة المتربة اكثر صخبا وكانت وحشتي تتزايد مع تزايد حركة الاطفال وصياحهم.

تحركت من ركني القصي في الساحة مقتربا بخشية وتوتر وحذر من البوابة الحديدية الضخمة. نظرت يمينا وشمالا.. لا أثر للحارس..

اخذ قلبي يخفق بعنف وانا اقترب اكثر من منتصفها..

مددت يدي بحركة مفاجئة سريعة يائسة ساحبا احدى الضلفتين. لم تنفرج إلا عن مسافة اصبعين لااكثر، على حين اهتزت السلسلة الحديدية وقفلها الضخم مصدرين ضجيجا..

اهرب بعيدا عن الباب خوفا من قدوم الحارس... عدت اجرجر قدميّ الى ركني المنعزل بخيبة ومذلة وغصة تملأ حلقي. رفعت بصري بعد مدة حين استعدت بعضا من هدوئي، ناظرا الى السياج الطويل العالي، ومن جديد اصابني يأس خانق.. ولكن ما الذي اراه في الركن الاخر من الساحة ؟!! هناك في تلك الزاوية القصية شجرة كبيرة ترتفع عاليا وتعبر بعض فروعها سياج المدرسة. لم تمض إلا دقائق..

انا في الجانب الاخر من السياج انهض منفضاً الاتربة عن الملابس التي كانت جديدة، والممزقة الآن... كيس المتاع لا يزال متدليا من رقبتي، أما الحقيبة الصغيرة بكراستيها الملونتين واقلامها والممسحة الخضراء ذات الرسوم ومبراة الاقلام، فقد بقيت في الجانب المقيت الاخر.

يا لها من فرحة تندى لها العين !!..

انا طليق.. انا حر..

الدروب حلوة.. الشمس حلوة.

. انا حلو.

وجدت دربي عائدا..

عشرة دقائق لاغير من التسكع الحالم الجميل وها هو البيت يبان.

اخترت زقاقا قريبا وجدت فيه ثلاثة من رفقة التسكع من الصغار.

كان اول شي لتمتين الاواصر، هوان افتح زوّادة اكلي (العليجة ) ولننتحي عند دكّة عريضة من بيت قريب، لنتقاسم لذائذ طعام يوم المدرسة الاول. في ذلك العام تعددت البيوت التي انتقلنا اليها وتعددت معها المدارس وتعددت معها اساليب مغامرة الهروب المثيرة.

 

***

المقصورة

 

.. الزرقة الكثيفة الشديدة العتمة تتسرب من خلال القضبان الغليظة وتغرقني.. اصعد الى السطح دون عناء يذكر. اضواء نمنمية تسبح في الزرقة الداكنة مشوشة الانارة..

في القعر فانوس صغير يتأرجح ويقترب.... الزرقة ليل، والاضواء النمنمية نجيمات متباعدة.

فانوس القعر نجمة الراعي، وانا افتح عينيّ بكسل.. اسمع مع حوار النقيق المتقطع همسات منغمّة.. ادفع الاغطية عني واجلس على حافة السرير مرخيا ساقّيّ ومنصتاً بامعان

.. النقيق يتواصل والهمس ينقطع..

الهمس يعود غناءاً.. حدواً..

اسرح بعيداً في متاهات ضبابية شفافةدون أخيلة واضحة المعالم..

انهض وامسح عينيّ.

أتكيء على حافة السياج الخشبي واسند ذقني الى راحة كفي.. حبر الليل الازرق يسيل ويذوب في عتمة دجلة..

لاحدود بين النهرالداجي وبين الستارة المنسدلة المرصّعة بالماسات الصغيرة المتلامعة وجوهرتها الكبيرة الساقطة الى القعر.

ازيز جنادب يتجاوب.

صوت مجذاف يقترب..

اصوات ضربات المجذاف تمتزج بالنقيق..

اضواء ذابلة، وانعكاسات متكسرة تتحرك فوق سطح الماء..

يعود الحادي لغنائه المهموس.

أتأمل الحادي منسرحا فوق( شازلونج) في الشرفة الشبه دائرية الممتدة داخل النهر ومسرحّاً بصره في الافق اللا محدود للظلمة.. يتوقف الحادي عن الغناء وينصت.. النقيق يتواصل مع حوار الجنادب وانغام ضربات المجداف..

الانغام تقترب من حافة الشرفة..

تعبر ساحة الدار المكشوفة.

.. تنساب- صاعدةً- فسحة الدور الثاني حيث اقف.

.. وجهي يَندى بنثّ قطرات ماء المجذاف.

سلالالام علىىى هضبات العرااااق

.. هضبببات العراااق

.. وشطيييه.... والجرررف..

.. رررف.. والمننحننىىى

سلام على جاعلالات..

.. النقيييق..

سلامٌ على جاعلات النقيق..

سلامٌ على جاعلات النقيققققْ..

النقيق.. الهوى.. الهوى..

بريدَ الهوىىى

.. جاعلات النقيقْقققِ.. بريد الهوىآآآ..

على الشاطئيييين.. بريدَ الهوى.. بريدَ الهوىآآ

سلامٌ على جاعلات النقيقِ .. على الشاطئييييين

سلامٌ على جاعلات النقيقَ على الشاطئينِ بريدَ الهوىىى

يستمر الحدّاء في الغناء منتقلا من صورة لأخرى وتختلط انغامه بانغام الجنادب، ونقيق الضفادع وضربات المجداف، وصيحة ديك مبشر بأن " بأنْ قد مضى الليل ُ إلا إنى "..

ينهض الحدّاء فينقطع الغناء.. يتوجه الى حافة الشرفة. يقف منصتا دون حراك ومجيلا بصره بين آن وآخر من اضواء الجسر المترائي على اليمين الى موقع الشاطيء الرملي الذي يشّف بين ستارة الليل الكثيفة وحبرالنهر الداكن، ثم يسارا حيث يتمايز شعر سعالي النخيل المشتبك، كتلة مكثفة من ظلمة الليل.

.. اسمع انغام الحادي تتعالى برفق من جديد..

على الجسر ما انفكَ من جانبيييه..

على الجسر ما انفكَ من جانبيه..

.. على الشاطئيييين..

على الجسرِ ما انفكَ من جانبيه

أأأأأأأأ الهوى ى آآ

يتيح الهوى..

.. الهوىآآآ

يتيحُ الهوى..

من عيونِ المهآآآ

على الجسرِ ما انفكَ من جانبيهْ

يتيحُِ الهوىىى..

من عيونِِ المهااااِ

علىا النخلْ

على النخلِ

ذي السعفات الطوالْ

ويستمر الغناء واستمر في السرحان في الظلمة وفي متابعة الحادي الذي يخترق الظلمة بقامته الفارهة والذي يٌنظِّم بايقاعاته سمفونية الفجر المقترب.

ايه دنيا !!

يلقي الحدّاء نظرة اخيرة سريعة من الشرفة على( بانوراما) دجلة الليل، ويستدير ويخطو، ويبدو أن تأملاته لم تنقطع تماماً و هويرتقي السلالم، دون أن ينتبه الى موضع اطلالتي عليه من متكئي على سياج ممر الدور العلوي، ولا في انني كنت اتابعه في حدوه وتغنيه بالابيات المنظومة.

- انت هنا ؟ يسأل مبتسماً وفي دهشة.. منذ متى وانت هنا ؟.. ما الذي صحّاك في مثل هذه الساعة والفجر لم يَبن بعد ؟

انه يعرف انها لم تكن المرة الاولى لمثل هذه الاطلالة والمتابعة، ولا في انني ساذهب وارتدي ملابسي على عجل، لاسبقه الى الممر قرب باب الدارلمرافقته.. او الاصح اللحاق به في خروجه اليومي عند الفجر.

لقد فات وقت محاولة الاقناع، بثنيّ، لامنعي، عن هذا الامر، والعودة الى سريري، فقد مر على ذلك زمن، وكاد ان يصبح لحاقي به، عادة يومية اثناء العطل المدرسية. بل لقد اصبحتْ وربما ومن المرة الاولى مرافقةً، تقابل بالجذل،.. وإن لم يخلو من استغراب مصحوب بحنان، يحاول جاهدا ان لا يكون معلناً تماماً.

 

خطواته واسعة، لم احاول ان اجاريها. لا ولم احاول ان يكون موقعي، في شبه هرولتي، مجاورا له في سيره.. إلا ما ندر، حين ياخذني إما فضول، او رغبة في ان اشعره، انني لا ازال موجودا، وأن لا حاجة به الى الالتفات الى الخلف للاطمئنان، انني لست بعيدا عنه كل البعد.. حينها ارفع راسي، وانا لا ازال مواصلا خطوي السريع، واتمعن في وجهه.

فأما اجده مبحرا في عالم بعيد المتاهات او منشغلا في دمدمة حداءه المنغم الخافت.

الظلام لا يزال سائدا، إلا ان اضواء المصابيح اليسيرة المتباعدة، تلقي ظلالها الشبحية على الشارع اكثر مما تنيره، فتبعث فيه الكثير من الغموض، واجواء من الخرافات والاساطير..

هذه الازقة الجانبية الغارقة في العتمة.. كم فيها الآن من الطناطل والسعالي، تلك التي تناقلنا حكاياها انا وصحابي في الليالي، ونحن نجلس عل عتبة دار احدنا..

كم فيها من ارواح هائمة.. خصوصا في تلك الازقة الضيقة المؤدية الى ارصفة دجلة وشرائعها..، هناك حيث الغرقى يخرجون من اعماق دجلة، ملتفين بألاعشاب، وملطخين بكتل غريّن القاع اللزج الكثيف، وبعين واحدة محدّقة، وتقحور الاخرى التي اكلتها الاسماك..

حين اصل الى مشهد الغريق الهائم، يتصاعد الوجيب في صدري وتصخب به اذناي.. اسرع اكثر مقترباً من ساقّي والدي.

.. انظر من جديد الى الزقاق، فاما ان بكون شبح الغريق قد هرب واختفى، او انه يبدء الآن في الاستدارة عائداالى مكانه من ظلامات النهر القريب. ها هي اضوية الجسر الجديد تتلألأ.. لقد انتصر النور اخيراً !

عند مدخل رصيف الجسر يستدير والدي نحوي، فافهم الرسالة المعتادة.. اقترب على عجل فيمسك بيدي ويبتسم ونواصل السير سوية، جنبا الى جنب ويدا بيد. ثم عند الربع الاول من الجسر يترك كفي ويبطأ سيره.. نواصل العبور شبه متلاصقين.. حين نصل نهايته، يمسك بكفي من جديد لنستدير داخلين سوق السراي.

.. يبدء بعض باعة الكتب فيه بفتح ابواب دكاكينهم، فتصبح بقع اضويتها كافية لانارة اجزاء من السوق.

.. حينها يترك كفي من جديد، وكل منا يعود الى مساره وعوالمه..

- صباح الخير استاذ، يرفع احد الباعة صوته.

- صباح الخير والسلامة ابني

- صبحكم الله بالخير ابو فرات، تنطلق التحية من دكان ثان.

- صبحكم الله بالخير حجي، يجيب الوالد رافعاً يده بالتحية وهو يواصل سيره

- أبوفرات.. كبة تلوك لهل الحلك الذهب، خلي استفتح بيك رزقي اليوم !

- تشكرْ ابو بهية.. صارْ.. لِفْ اثنين ودزهنْ للجريدة.. تفضل !

- خليها علي ابوفرات.. الله يزيدك. بس هاي هواية !

- لُطفكْ أَزيَدْ.. هذا إِستفتاحْ ابو بهية وانشالله بيه البركة.

ننعطف على شارع المكتبات وتستمر تصابحات الخير،.. وتتزايد حين نستدير على شارع الرشيد، مقتربين من مقهى"حسن عجمي". يدخل المقهى دون أن يلتفت صوبي ويلقي التحايا، ويتوجه الى ركنه المعهود قرب الزاوية اليمنى. اقف عند المدخل الواسع ماسحاًً ببصري تفاصيل المقهى.... على اليسار من المدخل، تصطف اباريق الشاي المختلفة الحجوم على رفوف متدرجة، الوانها زاهية ونقوشها في الغالب اوراد متباينة الاحجام، واغصان مورقة، واشكال نجمية ودائرية متداخلة.. على يمبن الاباريق، هنالك سماور نحاسي ضخم يضيء بلمعانه، وآخر مماثل تماما له على اليسار... تصطف امامهما ومن الجانبين سماورات اصغر، تتدرج في ارتفاعها. في ارجاء المقهى تنتشر تخوت من خشب عاتم، بصفوف متقابلة، عدا تلك التي تستند على جدران المقهى الثلاثة.. يغطي سطوح التخوت وظهورها سجاد ايراني.

ارضية المقهى مرصوفة بالطابوق الفرشي النظيف والمندّى دائما. أما انارته فهي مما يسمح بالهدوءوالتأمل، وقراءة الجرائد بالطبع، وهي تأتي من فوانيس كهربائية نحاسية مزخرفة تتدلى من اماكن عديدة من السقف.

يجلس "حسن عجمي" بجسمه الضخم الممتليء وراء طاولة فوقها صوان ٍ نحاسية مختلفة الأحجام، يضع فيها الخارجون حساباتهم من القطع المعدنية.. وجهه وادع بشوش على الدوام..

يستقبل حسن عجمي رواده بالتحايا ويودعهم، وهو جالس وراء طاولته، بالسلامة او بمعية الله.. يقوم احيانا لنجدة " الجايجي " العجوز، والمنشغل دائما في ملءِ اباريق الشاي بالماء المغلي من احد السماورين الضخمين، او بدلق الشاي من ابريق لآخر، او بغسل اقداح الشاي الصغيرة ( الاستكانات ) وصحونها، وبالطبع، في ملئها وفق طلبات الزبائن، والتي ينادي مساعده ( صانع المقهى ) بها بصوت عالي منغّم. (صانع المقهى )هوالذي يقوم بإيصال الطلبات الى رواد المقهى.. اما الماء فيدور به ساق ٍ خاص يدور باستمرار بين التخوت حاملا دورق الماء في يمينه ومنغّماً رنات الاقداح العديدة، التي يحملها بيساره.

هذه التفاصيل في المقهى، والتي احبها اكثر من اي مكان ارتاده مع والدي , ليست هي التي تثيرني.. الفرحة المشرقة دائما هي في ببغاوات حسن عجمي الثلاث بالوانها الصاخبة، ولغوها المدمدم ذو النبرة الجادة.. انها تصدر اوامراً.. تلقي حكماً ومواعض.... اياً هي المفردات التي ترددها، فأنها كانت دائماً تدمدم بها على عجل شديد.

اخطو بحذر وببعض الخجل من الحاج حسن..

.. يبتسم مشجعاً.. هويعلم كل العلم انني اقترب لا منه، ولكن من ببغواته الثلاث.

ها هي الكبيرةمنها، و التي يغلب اللون الاصفر على بقية الوانها، تفلح ودون جهد، من تسلّق ذراعه الايسر وتقف شامخةفوق كتفه..

.. " سلامُ عليكم.. سلامُ عليكم " تدمدم العابثة الصفراء، عاقفة رأسها المتوّج الممدود تجاه الجانب الايسر للحاج حسن.. تلوي رأسها اكثر لتظهر تساؤلها الواضح وانتظارها الملّح بعينها المدورة البراقة، و التياصبحت تواجه عين الحاج اليسرى.

.. يرفع الحاج حسن يده اليسرى بهدوء ودون اكتراث ظاهر، مقدماً حبة يقطين بيضاء كبيرة.. تلتقطها الببغاء اللعوب بهدوء ودون عجلة وتبدء في تكريزها، غير ناسية ان تلقي بالقشور المنزوعة، ومن موضعها ذاك، الى( الصينية) الموضوعة على المنضدة تحتها.

.. تتناول الببغاء الضاربة الى خضرة عشبية براقة باناقة، حبة من بضعة حبوب منثورة فوق المنضدة دون ان تلقي بالا ً، لا الى الحاج ولا غيره.

الثالثة منشغلة بحل معضلة كبيرة وهي تروح وتجيء بكبرياء ملكية وقورة فوق المنضدة، مطرقة برأسها ونافشة ريش عنقها.

.. يناولني الحاج بضعة حبات بيض سمان..

.. اقترب من الصفراء اللعوب المنتصبة فوق الكتف الايسر

.. تعقف رأسها و تدير لي عينها المدوّرة اليسرى متفحصة متسائلة

.. تلمح الحبة البيضاء بين اصبعيّ :

.. " سلام ُعليكم.. سلامُ عليكم ".

اجلس على التخت بهدوء الى جوار والدي المنشغل بقراءة احدى الصحف.. بعد حين ينتبه الى وجودي:

- شَرَبتْ شيْ ؟

.. اهز رأسي بالنفي.

- ابو محمد ! من فضلك !.. يخاطب ساقي الماء.

.. فد كَلاصْ شربت زبييب وصمونة بيها قيمر من ابو شربت الزبيب اللي يمكم، لحضرة الافندي !!.. يشير اليّ مبتسماً.

يمر بائع الجرائد الصباحية، والتي توزع الى الباعة المتجولين عند الفجر، ويعرضها على يديه، بشكل تظهر اسمائها وعناوينها واضحة للجالسين على تخوت المقهى

.. يشتري البعض يضعة اعداد. الأ كثرية ممن يقلب في صفحات الجرائد من رواد المقهى هم من زبائن شخص آخر، وهومن يؤجر قراءة الصحف. .. يدور عليهم مسرعا، معيراً اياهم الصحيفة المطلوبة، ورافعا الجريدة التي انهى الزبون قرائتها والتي يضعها جنبه على التخت، ثم يعيرها مؤجر الصحف الى زبون ثان ٍ لم يطالعها بعد.

" كبه يا الله.. كبة ياالله، " تدمدم على عجل الببغاء الصفراء..." كبة يا الله.. كبة يا الله " تكررها ذات اللون الاخضر،.... ويستمر سجال المناداة المنغم، حتى يتناهى من على رصيف الشارع، الذي يطل عليه المقهى، صوت جهوري مبحوح:" كبة يا الله.. كبة يا الله ".. يظهر رجل ضخم متقدم في العمر يحمل (طنجرة) كبيرة فوق راسه المعتمر بمخدة دائرية، يستقر فوقها القدر.

" كبة يا الله.. كبة يا الله "، يكرر الرجل النداء.

يقف مستديرا بحذر ومواجهاً المقهى وروادها ويكرر ندائه:

" كبة يا الله.. كبة يا الله ".

 

***

نعبر شارع الرشيد شبه الخالي من السيارات وعربات الخيل.. نمر ببضعة محال كانت قد فتحت ابوابها.. نتعدى جامع "الحيدرخانة"، لنصل بعده بقليل الى سلالم تنحدر الى زقاق ضيق، تمتد على جانبيه دورمتراصة، ذات ابواب ضخمة قديمة خشبية، بنقوش بارزة ومطارق نحاسية كبيرة. بعد اجتياز بضعة بيوت، تبان قطعة خشبية علقت فوق باب مفتوح بضلفتين.. القطعة، مؤطرة بإطار متواضع، كتب عليها بخط جميل، "جريدة الرأي العام" وتحت هذا العنوان وبخط اصغر "جربدة يومية سياسية "... دخل الوالد، وبخطى واسعة اجتاز الممر الصغير ونصف الساحة المكشوفة، ناهباً درجات السلم الى الدورالثاني. .. لم ينتظر جواب تحيته الصباحبة لعمال الطباعة في الدور الاول، وربما لم تصل الى مسامعه وهويقطع المسافة الى غرفة تتوسط الجانب الايمن من الدور الثاني وتشرف، عبر نوافذها العديدة الطويلة ذات القضبان الحديدية، على الدار كله بطابقيه.

في اقصى زاوية من الغرفة، يجلس شاب نحيف قصير وراء منضدة صغيرة، واضعا اذنه لصق مذياع صغير، ومدونا غلى عجل ما يتنصت اليه.. يهبّ الشاب عند دخول والدي.

- اهلاً استاذ.. صباح الخير، يسبق الشاب الوالد بتحيته.

- صباح الخير،.. ها سليم ؟! التقطت شي مهم من الصبح ؟ يقول والدي ذلك، دون ان يلتفت تجاه سليم، منشغلا بخلع سترته على عجل وتعليقها على ظهر كرسيه.

يجلس وراء طاولة غير كبيرة، مزحومة بالصحف الصباحية، وقصاصات اوراق مطبوعة، واجندة صغيرة، واوراق مكتوبة بخط مختلف.

 

***

"جون" و "وني"

كان الظلام قد حل حينما ترجلت من قطار الضواحي. الرصيف كان خاليا وكانت هناك ريح باردة ندية ترش وجهي برذاذ بارد فاحكمت معطفي وانا اغادر المحطة مستديرا الى اليمين. وبعد ان عبرت بضعة بيوت بدأت بالتمعن في اللوحات الصغيرة المثبتة قرب حواشي الابواب.. 52.. 50.. 48. ربما كان52. وعد ت من جديد اتمعن في شكل الابواب والنوافذ. لقد مضى قرابة العام، والبيوت و الابواب تتشابه وما الفرق بين 50 و5 او 52، كلها ارقام.. كم من الارقام علينا ان نتذكر، ارقام الباصات، والبيوت، والتلفونات، واعمار الناس، والنقود التي نصرف ونستدين، وجداول الضرب والجذور التربيعية.. ليس هو 46، وهو ليس بهذا البعد عن نهاية جسرالقطار.. 52 فلنجرب، فالنور مضاء في الصالة، وهذا هو الوقت الذي يجلس فيه" جون" على كرسيه الهزاز للقراءة، وتنشغل فيه" وني" بالحياكة على الكنبة القصية وفي الطرف الآخر من جون.

امسكت باقة الورد بيدي اليسرى ونفضت بعضاً من الرذاذ العالق عل المعطف قبل ان ادق جرس الباب. اضيء نور الممر وفتحت الباب عن وني، بشعر معقص منسرح، و برداء بيت وردي انيق.. شيئ ما قد تغير.

- مفاحئة.. اليس كذلك ؟!

- فلاح !!.. فلاح، حقا انها مفاجئة سارة.

عبرت عتبة الباب وقبل ان امد يدي مصافحا وجدتها تعانقني بترحاب ومودّة..

هبّ شذى عطرشرقي.. وجدتني انسى التجفظ المزمع في لقائها، واجيب بعناق ودود دافيء.

- هل حقيبة السفر تلك عائدة لك ؟ اجبت بابتسامة، وعد ت خطوة الى الوراء لادخل الحقيبة المنسية الى الداخل.

نهض جون من كرسيه بفرح واضح، مصحوب ببعض الدهشة، تاركا جريد ته تسقط على الارض وتقدم الى مدخل الصالة حيث اقف وتعانقنا بحرارة.. وقفنا نتأمل بعضنا فترة.. شىء ما قد تغير !!.. " وني ".. هنالك نضارة وحيوبة جديدة ملحوظة.. " جون" يبدو متعبا واكبر سنا.

- انت قادم لقضاء اجازة قصيرة معنا؟، سأ ل جون بفرح، حين انتبه الى الحقيبة المتروكة في الممر.

- أنا عائد الى وطني

- تعني فيي اجازة ؟

- كلا

- For good

- ودراستك هنا؟

- هناك، سابدء كل شيء من جديد.. كفاني ضياعاً.

- يبدو انها قصة طويلة.. هل تعشيت ؟ بامكان وني ان تحضر شيئا سريعا ودافئا.

- كلا، شكرا لقد تعشيت. أنا جئتكم مودعا فقطاري الذاهب الي نيوهافن سيغادر في التاسعة. ضاع جون في لحظة ذهول وانتفض وكانه يصحو من غفوة عابرة.

- يبدو ان الموضوع جدي ! سنتحدث فيه مع كوب دافيء من الشاي تعده لنا وني.

هبت وني من مقعدها بعدما كانت تتابع الحوار القصير بدهشة وصمت.

- يبدو انك جاد فيما سمعته، ستذهب وتنسانا دون شك.. ساذهب لاعداد الشاي.

صبت لي وني كوبا من الشاي و قدمت احدى فطائرها الساخنة

- هل ستعود الى دراستك الطبية في بغداد.. انتهت اذا مشاريع المعمار والفن وكلية همارسمث الفنية؟

 

- لن اعود الى بغداد في الوقت الحالي، فوالدي في سوريا كلاجيء سياسي بعد ان غادر العراق، لاعناالنظام والسلطة و(حلف بغداد) في قصيدة ملتهبة في مهرجان شعبي ضخم في دمشق.. حسب علمي ليست هنالك كلية للهندسةالمعمارية في دمشق ولا اكاديمية فنون.. لا شيء غير العودة الى دراسة الطب هناك.

- هل تعتقد ان الجو مناسب للعودة الآن في هذا الجو المحتقن الخطر في المنطقة، بعد ان قام هذا الهتلر المجنون بتأميم قناة السويس ؟. قا ل جون عبارته الاخيرة باستياء ظاهر.

- ربما كان حسم قراريعودتي قد تم، لأن الجو محتقن كما تقول، ولأن احداثا هامة كتأميم القناة - التي ذكرت - تحدث في بلادي، و هي التي حقزتني اكثر، كي لا اكون بعيدا عن المعركة.

- اذا انت تقر بأنها معركة تلك التي اعلنها ناصر علينا.

- نعم، ولكنها معركة لاسترداد حقوق مغتصبة.. معركة عادلة ومشرفة !!

- ولكن القناة قناتنا والشركة ملكنا.. جهدنا وبنائنا. قالها جون بغضب وقد علا صوته.

- القناة فوق ارض مصرية، وحفرت بأيدي مصرية وبجهد عمالها اللذين مات منهم عشرات الآلاف، ضحية السخرة والسياط التي الهبت اجسادهم.

- انكم قوم جاحدون متخلفون تنكرون دورنا في تحضيركم.. نهض عن كرسييه وقد احتقن وجهه واردف

-.. نعم جاحدون وليس غريبا انكم ستستولون على شركات نفطنا !!

- نفطنا؟!.. نفطنا؟!.. هذا وكنت تقول انك اشتراكي !!.. هل العراق ارضكم ؟!.. وما في هذه الارض من بترول هو بترولكم؟!

نهضت بغضب ورميت منديل الطعام على المائدة، واكملتكلامي وانا اتجه لمغادرةالصالة:

- نعم سنفعل ذلك قريبا، سنامم النفط.. وسنكسر كل يد تحاول منعنا من ذلك.

قبل ان أصل الى مدخل غرفة الاستقبال، كانت وني، واقفة تحول بيني و بين المدخل بوضع يمنعني من التقدم، طوقتْ عنقي بذراعيها.. قبلتْ خدي، ثم استدارت بغضب عارم تجاه جون

- لاشك انك جننت يا جون، لقد اتاك مودّعا قبل عودته الى الوطن. !

قادتني برفق الى كنبة قريبة..

جلست مطرقا بكآبة شديدة. لم تمض الا لحظة قصيرة حتى سمعت دمدمة جون تقترب مني.. التقطت منها ما ادركت انه اعتذارا.

رفعت رأسي ببطء لاجد جون واقفا بارتباك ظاهر ووجهه المتغضن قد توهّج بالاحتقان.. مدّ ذراعه تجاهي:

- هل تقبل اعتذاري.. اني جد آسف، قال ذلك بصوت مرتجف غلب عليه الانفعال.

نهضت واحتضنته بحرارة دون ان انطق.

- يبدو ان ضجيج الصحافة والاذاعة والتلفزيون حول التأميم قد بثت الهستيريا في كل مكان، ووصلت الى بيتي.

قال ذلك وهو يختار الكنبة المجاورة لي لجلوسه..

كان هادئا وحزينا وبعد صمت ثقيل لم يطل، نهض فاركا كفيه بنشاط ومرح:

- هيا يا وني، حضري من فطائرك تلك التي يحبها فلاح، فيبدو ان طريق عودته طويل، ولا تنسي ان تججفي معطفه وتضعي فيه وشاحا صوفيا يقيه رياح عبور المانش. ثم مستديرا نحوي:

- اطلعني على تفاصيل مسار عودتك.. وهل أن كل شيء قد اتممت ترتيبه، أم ان الطريق مغامرة من مغامراتك، وكل مفاجئات المجهول العارضة فيه، تحل في حينه ؟

 

***

كانت الساعة قد قاربت التاسعة، حين فتح باب سيارته الصغيرة السوداء لاجلس الى جواره.

اوقف السيارة قرب محطة فكتوريا.. لم ينزل مباشرة وبالطبع لم اتحرك انا بدوري، فلا يزال هناك متسع من الوقت.

- هل تذكر آخر مرة خرجنا معا بهذه السيارة.. لقد كان الوقت ليلا ايضا. قال ذلك بسهوم وبصره يخترق الواجهة الزجاجية للسيارة امامه ويخترق الضباب العاتم الكثيف، وكانه يحاول جاهدا ان يخترق الغيب :

- بالطبع لم تنس ما بحت لك به.. ولم تنس مخاوفي التي صارحتك بها.

وبعد لحظة صمت متوترة،.. لقد كنت محقا ياصد يقي. لقد افلت المارد من قمقمه

.. لقد تغيرت وني، ويبدو انني قريبا سأُرمى وحيدا في العالم المخيف. ثم مبدلا نبرة حديثه، ماعلينا، لن احملك متاعا ثقيلا في سفرك. أخرجَ امتعتي من صندوق السيارة الخلفي، ورافقني الى عربة القطار المتجه الى نيوهافن، وقبل أن اصعد الى العربة، تناول المعطف المعلق على ذراعي والبسني اياه بعد ان أحكم وشاحه الصوفي على عنقي:

- حاذر من الرياح الباردة عند عبورك المانش!! لم يغادر رصيف المحطة حتى طواه الضباب المتكاثف.

 

***

سكنت مع جون و وني فترة عدة اسابيع بعد ان طلبت منهم صديقتهم وجارتهم السيدة ستيفنسون، وبرجاء حاران ياخذوني لديهم كطالب مقيم، وبنفس المبلغ الذي كنت ادفعه للسيدة ستيفنسون، لقاء كل تكاليف السكن والرعاية، ريثماينتهي البناءون من الترميم الكامل لدارها حيث كنت اقيم.

اعتذر الاثنان جون و وني عن ذلك، لأن ذلك سيغير طبيعة حياتهما، البالغة الاستقرار والعزلة "طيران وادعان فوق دوح متفرد" وفق ما كانت تصفهما السيدة ستيفنسون.

كان لالحاح تلك الجارة العجوز الطيبة، وصديقة العمرالتي لا تعوض، اثره في عودتهم عن ممانعتهم القطعية وقبول بقائي معهم فترة الترميم التي تمتد اسابيع قليلة لاغير.

بعد تحفظ وتعامل حذر مهذب مع الطاريء الجديد، والذي لم يدم طويلا، بدأت الامور تتغير في البيت، فالسكون الذي كان يلف مائدة العشاء والذي كان يقطعه صوت الملاعق او ابدال الصحون، اخذت تدخل عليه عبارات مجاملة واستفسار عن سير الدراسة، او عن المواصلات التي توصلني الى كليتي، وعن الصعوبات التي قد اجابها في اللغة والمجتمع الجديدين علي. وتطورت لتنتقل الى حياتي السابقة في بلدي وعن مشاريعي المستقبلية، واخذنا نتبادل ابتسامات فيها دفء ومودة، وبدء الاهتمام يتزايد بكل ما يتعلق براحتي في سكني ومأكلي وحتى ملبسى، الذي اصبح محط اهتمام وني قبل مغادرتي الى دراستي كل صباح.

لم يمض اكثر من اسبوعين إلا وكانت العلاقة بجون تتطور من الحديث الهاديء الذي يدور بيننا بعد عودته من عمله في يانصيب كرة القدم :

)، الى دور في لعبة الشطرنج، او الى اسماعي صوته المسجل على اسطوانة، والت كان دفعPools( ثمن تسجيلها لغنائه، ليستمع البها وقت راحته، او ليُسمع زائرا اوصديقا يأمن تماما الا يقول فيه غير اطراء معقول، حتى مع علم جون، بان ذلك لايتعدى المجاملة التي تقتضيها حسن الضيافة.

أما وني، فاخذت ابتسامها لا تغيب عن وجهها حين نتقابل صدفة في الممر او عندما ترفع راسها من لوح تطريزها بين آن واخر في غرفة الجلوس بعد العشاء، وكانت بين الحين والاخر تشترك معي وجون في الحديث الذي غالبا ما يتناول سيرة جون السابقة ومواقفه المتعاطفة مع الشعوب المقهورة، او ايمانه التام بالاشتراكية الفابية، ودورها الاكيد في حل مشاكل البشرية جمعاء.

 

***

انتهت الترميمات في دار السيدة ستيفنسن وآن اوان عودتي اليها، وكنت احس ان هذا الامر، بدء يؤسف جون و وني و بدءا يسائلاني، وان بشكل غير مباشر، هل هنالك إلزام في قضية عودتي الى سكني السابق؟، وانهما في حالة رغبتي للاستمرار في البقاء معهما، فليس من الصعب الاتفاق مع السيدة ستيفنسن حول ذلك، وان مسألة ما سادفع اسبوعيا ليس بقضية ذي بال.

لقد احببتهما حقا. وكانت علاقتي بجون اكثر عمقا مما هي مع زوجته. ورغم انه كان يأخذ مكانة الاب في الارشادوفق تجاربه، الا انه في الوقت ذاته قد اذاب جليد فارق العمرلنتعامل - في معظم الاحيان – كاصدقاء خلص.

لم يمض طويل من الوقت على مغادرتي اياهم، حتى كان جون يطرق علينا الباب في احد الاماسي، واثناء تناوله الشاي معي ومع السيدة و والدتها التي تجاوزت الثمانين، والتي كانت ترقص لي ال " كان كان "، كلما عقصت حاجبيّ ونكّست رأسي، في احدى كآباتي المتكررة. عرض جون شكواه علينا، ولم تكن هذه الشكوى إلا من الوحشة والفراغ الذي يعانيانه، هو و وني بمغادرتي لهما. وكان الحل المقترح والذي اتى اساسا جون من اجله، ايجاد احد الطلبة ممن يبحثون عن اقامة مع احدى العوائل الانكليزية.

أخذت الامر على عاتقي. ولم اترك ايا من الاصدقاء إلا وابلغته عن مرشح، خلوق وامين، لمثل هذا المكان والعائلة الطيبة التي تملكه.

لم يمض اكثر من اسبوعين، إلا وكان ثابت، وهو ابن عائلة بغدادية موسرة، والقادم الى لندن للدراسة على حسابه الخاص، يحظى بنفس تلك الرعاية التي حظيت بها في بيت جون و وني، إن لم يكن اكثر.

من خلال زياراتي لهما اول الامر، ثم زياراتي الخاصة له لاحقا، ربطتني به صداقة، ذات حدود حذرة، فضلت ولسبب لا ادركه، غير احسا س داخلي مبهم، عدم اختراق تلك الحدود لصداقة اكثر دفئا وعمقا. وكان قبولي في سندرلاند لمرحلتي الدراسية التالية سببا في ان اغيب عن زيارة جون و وني فترات طويلة، اقابل بعدها بترحاب شديد كلما اتيحت لي الفرصة لزيارتهم، اثناء نزولي بضعة ايام الى لندن لانجاز عمل اومهمة. وكنت اجدهما على وضعهما القنوع الآمن، ولم يتركني جون مرة واحدة دون ان يوصلني بسيارته القديمة السوداء اما الى حيث اقيم موقتا، او الى محطة قطارات الشمال التي اغادر منها عائدا. مرت عدة اشهر بعد آخر زيارة لجون. كان الوقت متاخرا وكنت مترددا في ان اطرق الباب، غير ان موعد عودتي في منتصف تلك الليلة سوف لن يتح لي فرصة اخرى للزيارة. استقبلني جون على غير ما عهدت.. ترحاب من وراء وجه متعب كئيب. تبعته الى الصالة.

- ساذهب لاعد الشاي، فقد خرجت وني لزيارة بعض الاصدقاء ولن تعود الا في وقت متاخر.

- لا ضرورة للشاي يا جون، فقد تناولته قبل اقل من ساعة عند احد الاصدقاء، ثم ان قطاري سيغادر بعد ثلاث ساعات.

- اذا، هل لديك اي مانع في ان نخرج بسيارتي في جولة قصيرة اوصلك بعدها الى المحطة.. أحس اني مختنق وبحاجة الى شيء من الهواء النقي.

كان المكان الذي ركن فيه جون سيارته عند احد المتنزهات اللندنية الواسعة والتي تكاد تقفر في ليالي الخريف والشتاء. اطفأ جون انوار السيارة تماما، وعمت ظلمة بدأت سرعان ما بدأت تتلاشى حواشيها من الاضاءة الخافتة القريبة في المتنزه. وضع جون يداه على المقود متكئا، وسّرح بصره في ضباب الظلمة.. طالت فترة صمته، ووجدتني اخشى واحذرمن خدش ذلك الصمت، حتى ولو بحركة تململ يسيط.

- هل تدري يا فلاح ان حياتي قد تقوضت تماما !! قالها جون بصوت مرتجف وهو لايزال يحد ق في المجاهل الضبابية امامه، وكانه يحدث شخصا آخر غيري.

طال صمته ولم اجد غير الانتظار لما يلي ذلك.

- قبل مجيئك كانت حياتنا انا و وني رتيبة نمطية، وقنوعة في الوقت ذاته، لكنها لم تكن تخلو بالطبع من، متع هادئة ومودةبيننا وانسجام.

- تزوجنا قيل اكثر من عشرين سنة، عن حب وتفاهم، ولم يكن هنالك فارق سن كبيرفقد كنت في التاسعة والعشرين وهي في الحادية والعشرين، وحين يأسنا من الانجاب، ولم اكن انأ السبب في ذلك، من الناحية الطبية، تأقلمتْ وني بعد وقت، لم يخلو من معاناة وصبر وكآبة، مع الواقع الجديد.. رتبنا حياتنا وفقا لذلك وكنا سعداء على طريقتنا.. بل وهكذا كان الاخرون يروننا ايضا. اما علاقتنا الجسدية فقد توقفت، ولنقل انتهت منذ خمسة سنين، وتاقلمنا دون اي اشكال مع هذا ايضا.

جئت انت وبدأت اشياء تتبدل في حياتنا. عزونا ذلك في البدء الى كسر الروتين الذي كنا قد فرضناه على انفسنا لفترة طويلة، ثم اخذت ادرك مع الوقت وبسرعة، ان السبب في الحقيقة، يعود الى توقنا الطويل المكبوت الى إبن لم يسعدنا الله به لم ابح بما توصلت اليه لوني، كي لا اثير شجونها، ولكني واثق من انها سبقتني في مثل هذا الادراك ولم تصارحني، كي لا تثير شجوني.. هل تتابعني يا صديقي، كم تمنيت ان اقول يا ولدي، قال ذلك وهو يلتفت تجاهي لاول مرة منذ يدء حديثه وقد تقطع صوته بعبرة خانقة.. عاد الى وضعه في مواجهة الظلمة والسرحان في اغوارها وواصل حديثه:

- بعد مغادرتك ومجيء ثابت مكانك استمرت الاوضاع بالضبط كما كانت معك، إلا بفارق صغير، انه لم يكن على نفس البساطة والانفتاح الذي كنت انت عليه. كان اكثر صمتا وهدوئا وعزلة، ومع ذلك فقد شاركنا في معظم اماسينا بعد العشاء وكنت ادخل معه في هذا الحديث او ذاك، وان كانت حواراتنا لا تصل الى ما كانت تصل اليه معك من الانفعال والتحدي.

 

لم تتغيررعايتنا له عن تلك التي منحناها لك إن لم تكن اكثر، وسار كل شييء على مايرام، حتى تلقيه نبأ وفاة والده. كان حزنه كبيرا، وتاثرنا انا و وني لحزنه واحترمنا ذلك الحزن وخصوصا وني، التي طالما كانت تحتضنه مواسية، كلما داهمته موجة من البكاء المفاجيء. غير ان اياما كثيرة مرت وهو على نفس وضعه من العزلة والكابة.

لقد تحدثت معه مواسيا في احدى المرات، بأن والده قد توفي عن عمر كبيرودون عذاب والم، وكلنا فقدنا وسنفقد احباء لنا وهي مشيئة الحياة، ناهيك عن انه ترك له وللعائلة ثروة طائلة لعيشة رخية.

كان يبقى مطرقا صامتا في قاعة الجلوس حتى ساعة متأخرة، واصعد انا الى غرفتي لاتهيأ للنوم، وانت تعلم ان عليّ الخروج الى عملي عند الصباح الباكر. اما وني فكانت تبقى في الصالة مع لوح تطريزها كي لا يترك ثابت وحيدا لهمومه. افقت في احدى الليالي، وكانت الساعة التي بجانبي تشيرالى الثانية وكان فراش وني خاليا. نهضت وفتحت باب غرفة نومنا لاجد ان الظلمة تغمر البيت.. ضوء صالة الجلوس مطفأ.

لم اكد اصل الى منتصف السلم، حتى بدأت تتناهى اليّ اصوات خافتة آتية من الصالة المعتمة. بدأ قلبي بالوجيب حتى ان ضجيجه في اذني غطى على اي صوت آخر.. وهنت قدماي عن الحركة، غير اني واصلت نزولي ببطأ وجسدي يرتعش بكامله، والاصوات تزداد وضوحا وتتمايز عن تأ وهات ومناغات ناعمة وحشرجات.. وعند مدخل الصالة مددت راسي لاجدهما، وتحت ذبالة النورالنافذ من الشارع، يتضاجعان عاريين على سجادة ارضية الصالة. تراجعت قليلا لاستند بظهري على حائط الممر خشية الانهيار.

.. أن افاجئهما وهما بوضعهما هذا فهذا معناه ان احدنا سيغادر الدار والى الابد.. إن اكتشفا وجودي واكتشافي لوضعهما، فهذا سيضعني امام مجابهة صارمة تغادر بعدها وني الدار دون عودة. عدت على اطراف اصابعي بذلة وانكسار الى غرفتنا. كانت الدموع لا تزال تبلل وجهي في الظلمة، حين صعدت وني الى سريرها بحذرشديد محاولة تجنب اصدار اي صوت مسموع.

 

صمت جون من جديد وزدت من حذري من اصدار اي صوت او حركة تخدش هذا الصمت الحزين.

- انا قد جاوزت الخمسين،.. ويصعب علي، ان لم يكن مستحيلا، ان ابدء من جديد. إن وني وكما لاحظت، تكاد ان تكون صلتي الوحيدة للترابط مع العالم الذي احياه.. ليس خوفي الآن الا اتقألم مع الذي حصل، ولا حتى مع استمراره مع ثابت، فهي علاقة عابرة ستنتهي حال مغادرته.. ما يفزعني، وبعد سنين من نسيان العلاقات الجنسية او لنقل اغفائتها عند وني، ان يصحو هذا المارد النائم في اعماقها بعد هذه العلاقة ويجرها نداء الجسد بعيدا عني.. واترك انا وحيدا في هذا العالم الموحش.

***

وضعت معطفي علي والتفعت بالوشاح، وانا اخرج من عنبر العبّارة العلوي الى السطح.. اتجهت الى مقدمةالسطح، وكانت الريح عالية ندية. وضعت يدي في جيبي المعطف. هنالك علبة مسطحة كبيرة في الجيب الايمن ومظروف في الايسر. اثار ذلك دهشتي. اخرجت العلبة فاذا هي علبة شوكلاتة كبيرة واما المظروف فكان مغلقا وغفلا عن اي عنوان او كتابة. عدت الى ممر العبارة القريب حيث الانارة افضل واسترخيت على احد كراسي الراحة وفتحت الظرف. كانت هنالك ورقة نقدية من فئة الخمسة باونات ورسالة قصيرة:

" عزيزنا فلاح

اننا واثقون، ايها الرحالة اليافع، انك ستجد شاطيء الامان، وانك ستبدء حياة مثيرة جديدة وتفتح ابواب مستقبل واعد، رغم اننا نعرف تماما انك لست من اولئك الذين يركنون الى ركود الاستقرار، وإن عاجلا او آجلا ستشتاق الى مغامرة جديدة وعالم جديد تخوض مجاهله. احببناك محبة الابن الذي لم يرزقنا الله به، فلا تنسنا !اتقي برد الخريف الرطب حتى عبورك فرنسا ولا تُضع حقيبتك التي اضعتها هنا مرتين، فليس كل مكان هو انكلترة كي تعود الحقيبة اليك. اكتب الينا حال وصولك. وليرعاك الله.

قبلاتنا

جون و وني"

 

باريس

 

كانت باريس تلتفع في صباحها الباكر البارد بوشاح من الضباب. الخدر والنعاس يخيم على كل شيء فيها بعد سهرتها الحالمة هنا، والصاخبة هناك، فاليوم هو الاحد، وقطار كاليه وصل متثاقلا قبل قليل الى رصيفه بعد اجهاد السرى العجول في فيافي الشمال المظلمة. الشوارع الندية بالضباب شبه خالية. افراد معدودون يسيرون على مهلهم على ارصفة الشوارع العريضة. واجهات المحلات المغلقة، ببضائعها المعروضة، تبدو كبيوت هجرها قاطنوها على عجل. من بعيد اتت اصوات

قرقعة، ظهر اثرها من بعيد ترام يتقدم مترنحا.

- هل لك ان تدلني على السوربون رجاءً، سألت بالانكليزية قاطع التذاكر في الترام.

لم يفهمني، او انه لم يرغب في الاجابة على لغة غير فرنسية: La Sorbonne? -

فقط حينها ابتسم قاطع التذاكر وهزبالايجاب راسه.

لم تكن عراقة الجامعة او اسمها الشهير هو الذي دعاني لمعرفة مكانها ولكن، لابد ان احد العراقيين مقيم في قسمها الداخلي... عبر مجموعة من الصعوبات في الايضاح بالانكليزية ومفردات فرنسية باقية في الذاكرة، استطاع خفر الاستعلامات في مدخل سكن الطلبة من اعطاءي رقم الجناح والغرفة واسم طالب عراقي يسكنها.

 

***

اطل من باب الغرفة الموارب وجه يغالب النعاس.

- صباح الخير اخي ثامر.. قلتها بابتسامة

- صباح الخير.. أجاب ثامر وقد امسك بظلفة الباب مستنداً، وقد بدى على وجهه علائم ترقب لما هو آت.

- يبدو انك قد اخذت كفايتك من النوم، وقبل ان ادعه يرد على ذلك، واصلت بلهجة ملئها الثقة :

- ما دمت قد نمت جيدا، سادخل لاحتل سريرك على الفور ولمدة ساعة، ساعة واحدة، لان ارهاق السفرالليلي قد هدني، ايقظني بعدساعة وبعد ان تعد الفطور لنتناوله سوية، بعدها نخرج، فالبرنامج كبير ولا يحتمل التاخير، والوقت شحيح جدا. لم تدم بهتته طويلا وانا اقف امامه منتظرا تنفيذ الايعاز، فقد اكمل فتح الباب الموارب لادخل حاملا حقيبتي

الثقيلة واتوجه الى اليسار، الى الغرفة الوحيدة عبر الصالة الصغيرة.. لابد ان تكون هذه غرفة النوم!!. اندسست دون ابطاء في السرير المبعثر الاغطية، ووضعت رأسي على الوسادة وتظاهرت بأغلاق عينيّ... من خلال رموشي، شاهدت خياله داخلا و لبرهة متاملا رقدتي، ثم ساحبا ملابسه ليلبسها على حذر وليخرج من الغرفة.. سمعت صوت اغلاق باب السكن الصغير فأيقنت انه خرج.

سمعت صوت مكنسة كهربائية ثم اطلت من الصالة امرأة كهلة، وبانت على وجهها علائم الدهشة والارتباك واسرعت بالاعتذار.. سمعت صوت اغلاق الباب فأغفيت من جدبد.

حبن افقت مرة اخرى، تناهت الى سمعي، وشوشة ابريق الماء المغلي، وصوت ملاعق وصحون.. تلامعت حزمة من اشعة الشمس نفذت من باب غرفة النوم المفتوحة.

كان ثامر جالسا وراء طاولة صغيرة قد اعدت لافطار شخصين.

- صباح الخير

- صباح الخير. قالها ثامر بابتسامة ترحيب صادقة. ثم معقبا:

- هل اخذت راحتك في النوم ؟.. هل ازعجتك المنظفة ؟.. يبدو انها شاهدتني جالسا في حديقة مدخل البناية فتصورت ان الغرفة فارغة، لقد قصد تني بعدها هناك عند خروجها، لتعتذر عن عدم علمها بوجود ضيف معي.. لقد عدت بعد ساعة ووجدتك غارقا في نوم عميق فلم تبح لي نفسي ايقاظك.

- لقد عدت واغفيت من جديد بعد خروج المنظفة.

- ِشاي؟ ام قهوة على عادة الفرنسيين عند الصباح ؟

- شاي !، على عادة العراقيين لو سمحت.

بعد رشفة من الشاي، رفعت راسي مبتسما

- الآن اعرفك بنفسي، فلاح الجواهري.. ارجو انني لم اكن سمجا اكثر من اللازم، وانني لم اكن الكابوس الذي ايقظك من عز نومك.

- لابد واننا معرفة سابقة انستني اياها الغربة؟.. اوقرابة عائلبة لمم تتح لنا الايام ان نوثقها ؟

- ابدا !.. اجبت مبتسما، ثم واصلت تناول افطاري.

- كيف فاتني ذلك !؟.. بالطبع، انك قادم بامانة من الاهل !! قالها ضاحكا وكأنه قد حل لغز الجائزة

- ابسط من ذلك كله يا اخي،.. لم اتشرف بمعرفة اسمك قبل ان اسأل خفر بوابة سكن الطلبة هذا الصباح عن عراقي مقيم.. انا في طريق عودتي الى الوطن قادما من انكلترة، مرورا بباريس جوهرة المدن، وعاصمة الفنون، وقد لا تتاح لأي فرصة عمر اخرى، ان اشاهد بعض معالمها، وهل هنالك الا متحف لوفر واحد في هذا الكون؟!..انها جريمة ان اعبر باريس بالقطار، وربما ان أمر غير بعيد عنه، دون ان اودي حق زيارته.. سوف لن اغفر لنفسي ذلك ماحييت.

قلت ذلك بحرارة ومضفيا جديّة تامة على الحديث.. ثم مسائلا

- الاتقرني يا اخي ثامر ؟

- تمام الاقرار.. قالها ضاحكا.

بعد ساعة كنا نسير على احد ارصفة سان جرمان. كان الجو صحوا وقد ذاب الضباب ليخلف ندىً طريا، متلامعا تحت حزم الشمس، وقد دبت حركة متمهلة على الارصفة وخرجت موائد وكراسي ليقوم بترتيبها ومسحها ندّل المقاهي، النشطين المتأنقين.. هنالك بعض الزبائن ممن كانوا يستمتعون برشف فنجان قهوتهم ساهمين.

- انا شخصيا، لا علاقة لي بالفن ولا افقه فيه، وما قد يثير دهشتك انني ورغم وجودي هنا لما يزيد على العام لم ازر اللوفر.. ولكن انت محظوظ حقا، فهنالك رسام عراقي حالم، قدم في اجازة واظنه بحاجة ماسة اليك، فالكل منشغل عنه بملاهيهم اومشاغلهم الخاصة، البعيدة عن الفن طبعا.. لقد قتله الضجر في باريس بعد ان لاقى فشلا ذريعا في كل احلامه الرومانسية، والتي وضع لها كل مدخرات العمر، وكل امانيه الموعودة بقصص غرام خالدة مع الحسناوات الفرنسيات... اصارحك الكل يجعل منه موضع مزاحه في مقهى العراقيين، المسكين لا يعرف مكان آخر غيره، بعد متاحفه.. وفجأة سألني ثامر:

- كم سيطول بقائك في باريس.

- علي ان اغادر باريس غدا.. ليلا في اقصى الاحوال. فالسفينة التي ستقلني من مرسيليا الى بيروت تغادر بعد غدٍ مساءً.

- وفق ما سمعت، ان اسبوعا كاملا سوف لن يكون كافيا للتعرف على اقسام اللوفر.

 

– ان ما يهمني اكثر من اي شيء آخر، هو الاطلاع على اعمال الرسامين الانطباعيين في المتحف.

حين وصلنا بعد تجوال ساعة، الى المقهى الذي يلتقي فيه العراقيون، توجه ثامرالى احدى الموائد فوق رصيف المقهى وبدأ يعرفني بالثلاثة الجالسين حولها، ولم يكن الفنان فيهم والذي حدثني عنه ثامر، إلا استاذ فؤاد، مدرسنا للرسم في ثانوية الاعظمية والذي كنت احبه وامنع عنه مشاكسات رفاقي من الطلبة حين يخرج بنا " الى الطبيعة " في بعض حصص الرسم.

 

***

 

"المهاجرين"

 

- هيا بنا استاذ !!، ادعوك اليوم بمناسبة قبولك في كلية الطب، الى كوب شاي في المهاجرين،.

- وانا قبلت الدعوة استاذ جواهري.

لا ازال وانا في العشرين، لااستطيع اللحاق بخطواته الواسعة، حالي قبل اربعة عشر عاما، ولازلت اعرف متى اسرع في الخطو لاوازيه في المسير، ومتى ادع بيني وبينه مسافة خطوتين ليكون طليقا في عوالمه الخاصة. كما انني اعي الآن، ان السير قي الدروب او فوق ارصفة الشوارع، بالنسبة له هو للسيرفقط وليس للحديث والحوار، ولم اره العمر كله يجاذ ب احدا حوارا اثناء مشيه في الشوارع.

انعطفنا الى اليمين وبانت بناية البرلمان بهندستها القديمة المتواضعة الجميلة. جرنا الترام وهويجأر ويهتز ويترنح، متسلقاً منعطفات الشوارع الضيقة االمزدحمة بعربات السير

وكثرة من السابلة، ممن ينتظر نسمات المساء المعتدلة ليخرج للنزهة، او التسوق في المخازن التي تحسن زينتها في المساء والليل. اخترنا مقهى ذي موقع جميل على سفح قاسيون، يشرف على اجزاء كبيرة من المدينة العريقة. اطلق الوالد آهة نشوى وهو يجيل بصره في الشفق الوردي البنفسجي لللافق، والذي اخذ ينعكس على

معالم المدينة محيلاً زجاج بعض نوافذها الى بحيرات متباعدة صغيرة من الالوان البراقة.

- اليست هذه اجمل من مدينة الضباب والضجيج التي كنت مطمورا فيها ؟، أأنت مقتنع الان بعودتك الى دراستك االقديمة التي هربت منها.. الطب!، اجمل واقدم المهن التي عرفتها البشرية واكثرها رحمة وانسانية.

- القلب وما يهوى، استاذ ! اجبت بابتسامة.

- حضرتك تقصد، الهوى، من الهواء ؟!.. قالها بسخرية مرحة.. افندينا، اين الرسم من هذه المهنة العظيمة !!

- الم تختر الفن انت.. وين ( خلك ) طبيب من شاعر مثلك ؟

- انا لم اختر الشعر ! الشعر هو الذي اختارني.. بل قل تقمصني كبلاء منزل دون ارادة مني، الم اقل :

"وعللتُ اطفالي بشرِ تعلةٍ.. "، وهل كل شاعر جواهري، اوكل فنان بيكاسو ؟!.. ثم معقبا بعتاب، والله حرنا وياك، الناس يحسدوك على دراستك وكليتك.. شتريد اكثر من هذه ؟

- اريد رضاك !! واريد مزاجك ما يتعكر بهل الكَعدة الحلوة بسبب صعلوك صغيّر مثلي.. صحتك استاذ جواهري ورفعت كاس ( السينالكو ) بمرح محييا.

 

رقت نسائم المهاجرين بعد أن ذابت بهرجة الوان الغروب بالزرقة الكثيفةالمتحدرة، وضوّت عناقيد ملونة من مصابيح المقهى، وبدأ رواد المقهى يتقاطرون وبينهم صبايا الشام الحسان

.. زاد انتعاش الجواهري واعتدلت قامته اكثر وبدأت عيناه تمسح بجذل اسراب القادمات.

حرك كرسيه واعطى ظهره للسفح، ووجهه لمنحدرات المدينة وزينة اضوائها.. مد ساقيه وانتصب جذعه بشموخ، رافعا هامته وسرحت عيناه بالزرقة العاتمة فوق خط الافق وبدأ بدندنة خافتة كحادٍ يستعد لمسيرة الركب .. استطاعت اذناي أن تلتقط عبر رنات الحدو الخافت :

" مشىىى وخطُ وو.. المششييب.. " .. ادركت انه آن الاوان، لانسحب بهدوء.

عندما عدت من جولة تسكعي على المشارف المطلة للماهجرين على المدينة، و اللتي بدت في كامل زينتها من الاضواء، كانت قد مضى ساعة ونصف تقريبا، وكان الجواهري يجلس محاورا بمرح، الشاعر الجميل بكل آفاق هذه الكلمة، وصديق الجواهري المحب، "شوقي بغدادي ".

 

- أسمعنا يا استاذ، فقد شاهدتك وانا أهّم بالدخول الى المقهى، سارحا في عوالمك التي لا تخفى علي، فتركتك حتى تيقنت، انك عدت الى عالمني الارصي المتواضع.

- لاشيء يذكر لحد الآن.. نتف صغيرة.. من وحي صباياكم، اللواتي لا يتواضعن حتى ولا بلحاظهن، على كهل مثلي.. الساحة قد خلت لك ياشوقي !

- فشر ! زين الشباب، ابو فرات !.. سمّعنا دخيل سماك!.. دخيل سما الجواهري !

وضع الجواهري علبة سجائره امامه، و التي امتلأ غلافها بكلمات ومقاطع صغيرة متراكبة ومشوشة الخطوط، وقرّب وجهه من شوقي :

- " مشى وخط ُ المشيبِ بمفرقيهِ

وطارَ غرابُ سعدٍ من يديهِ "

" مشى وخط ُ المشيب ِ بمفرقيه ِ.. وطارَ غراب ُ سعد ٍ من يديه ِ "

" وراحتْ منْ زهاها أمسِ حباً

تقولُ اليوم : وا أسفا عليه "ِ

" رماداً خِلتًه ً لولا بقايا

توقدِ جمرتين ِ بمقلتيه ِ "

" تبدل َ غيرَ رونقه ِ ولاحت

تضاريس ُ السنين بأخدعيه ِ "

" مشى وخط ً المشيب به فألوى

بأيكته.. ِ وعاث َ بوجنتيه " ِ

"وئيدَ خطى ً كأن َ عذاب َ جيل ٍ

تخيَّره ً.. فحط َ بمنكبيه ِ "

" مشى وخط ً المشيب فرنّتْ

مناحة ُ ثاكليه ِ بمسمعيه ِ "

 

 

 

 

 

 

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphLiterat...6/11/189097.htm

Share this post


Link to post
Share on other sites

هذه القصيدة الساخرة من أشهر القصائد في زمانها وقد أحدثت دويا في الشارع العراقي حينذاك وظلت تدور على ألسنة الناس زمنا طويلا ، وها هو التاريخ يعيد نفسه وماأشبه الليلة بالبارحة

 

 

 

 

 

 

نظمت عام 1945, نشرت في 24 اذار 1946

 

 

محمد مهدي الجواهري

 

 

 

 

 

أْي طرطرا تطرطري تقدمي , تاخري

 

 

تشيّعي , تسنني تهودّي , تنصري

 

 

تكرّدي , تعرّبي تهاتري بالعنصري

 

 

تعمّميي , تبرنطي تعقّلي تسدري (

 

 

تقلبي تقلب الدهر بشتى الغير

 

 

تصرفي كما تشائين ولا تعتذري

 

 

لمن؟ أ للناس؟!! وهم حثالة في سقر

 

 

أْم للقوانين و ما جائت بغير ا لهذر

 

 

تاْ مر بالمعروف و المنكر فوق المنبر

 

 

ام للضمير والضمير صنع هذا البشر؟!

 

 

تعلةٌ ٌلصائم فطيرة لمفطر

 

 

لمن ؟!!أ للتاريخ وهو في يد المحبّر

 

 

مسخّر طوع بنا ن الحاكم المسخّر

 

 

بدرهمِ ِتقلب ال حال ُ يد المحرر

 

 

قد تطراْ الاجيال في دفة هذا المحضر

 

 

عن مثل هذا العصر ان قد كان زين الأعصر

 

 

وانه من ذهب وانه من جوهر

 

 

ام للمقاييس اقتضا هن اختلاف المنظر؟

 

 

ان اخا طرطر من كل المقاييس بري

 

 

وانت ان لم تجدي اْباً حميد الاثر

 

 

و مفخرا من الجدو د طيب المنحدر

 

 

ولم ترى في النفس ما يغنيك ان تفتخري

 

 

شا ْن عصام قد كفت ه النفس شر مفخر

 

 

فالتمسي اباً سوا ءً ًا ْشرا ذا بطر

 

 

طوفي على الاعراب من باد ومن محتضر

 

 

اْي طرطرا تطرطري وهللي و كبري

 

 

وطبلي لكل ماْ يخزي الفتى وزمّري

 

 

وسبحي بحمد مأ فون و شكر ابتر ( 1)

 

 

اعطي سمات فارع ِ شمردل لبحتري ( 2)

 

 

واغتصبي لضفدع سمات ليث قسور

 

 

و عطري قاذورة وبالمديح بخّري

 

 

و صيري من جعل حديقة من زهر

 

 

وشبهي الظلام ظلما بالصباح المسفر

 

 

والبسي الغبي والاْ حمق ثوب عبقري

 

 

وافرغي على المخا نيث دروع عنتر

 

 

ان قيل ان مجدهم مزيف, فانكري

 

 

او قيل ان بطشهم من بطشة المستعمر

 

 

وان هذا المستعير صولة الغضنفر

 

 

اهون من ذبابة في مستحم قذر

 

 

فهي تطير حرة جناحها لم يعر

 

 

وذاك لو لم يستعر جناحه لم يطر

 

 

فغالطي وكبري و حوري و زوري

 

 

 

 

 

( 1) تعقلي : من العقال , تسدري: من السدارة

 

 

(2 ) الأبتر : الخبيث من الحيات

 

 

( 3 ) الشمردل : الطويل , البحتر : القصير

 

 

 

 

 

الأخوه الأعزاء , بعد مرور هذه السنين الطويلة على تنظيم هذا الشعرالمعبر , للجواهري عام 1946 , يسرني ان أقدمه لكم (و بدون تعليق) !!!

Share this post


Link to post
Share on other sites
هذا يذكرني بالمرحوم عزيز على الذي كانت منولوجاته في اربعينات القرن الماضي مازالت قائمه لهذا اليوم مراجعه بسطه لتلك المنلوجات ايا كانت نراها تمثل حاله العراق اليوم وكأن الزمن متوقف في هذه البلاد او ان عزيز علي قد وضع منهجا لبلد مازال لا يتقدم

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...