Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
salim

سيرتي الذاتية- ضياء الشكرجي

Recommended Posts

قصتي مع الدعوة منذ انتمائي حتى استقالتي 1/7

 

 

 

سيرتي الذاتية كمقدمة

 

 

 

كتابات - ضياء الشكرجي

 

 

 

لست من الذين انفصلوا عن حزب الدعوة انفصالا متشنجا متوترا، فانقلب إلى عدو شديد الحساسية، بل انفصلت عن الدعوة بعد مخاضات وتحولات لها خلفية تاريخية منذ انتمائي حتى استقالتي. وغادرت حزب الدعوة حافظا علاقة الإخوة والصداقة والمودة مع الكثير من إخواني الدعاة، وحافظا احترامي للدعوة وإحساسي بالامتنان لها لما ساهمت في صياغة شخصيتي الثقافية والسياسية والحركية والدينية. ولست هنا بصدد سرد قصة حياتي ببعدها الشخصي، بل من خلال البعد الرسالي والفكري والسياسي، الذي هو ليس ملكي بل ملك من يريد أن يجعل من هذه القصة درسا وعبرة وتجربة ومصدر إثراء. وكمقدمة سأسرد سيرتي الذاتية، وذلك أسريا ودراسيا ودينيا وسياسيا وفكريا، ليس بدافع التحدث عن شخصي، بل باعتبار ذلك يسهم في تكملة رسم ملامح الصورة.

 

 

 

سيرتي الأسرية :

 

ولدت لأبوين عراقيين في الكاظمية. وأقصى ما اعرفه من نسبي هو جد جدي، فإني ابن محمد تقي بن عبد الحسين بن عبد الكريم بن عبد الرحمن. ولا أدري من يسبق عبد الرحمن. يبدو إن جذورنا إيرانية، إلا أني لم أشعر يوما بانتماء إلى غير العراق، ولم تتكلم أسرتنا غير العربية باللهجة العراقية. لي أخ أكبر مني بأربع سنوات وأخت أكبر مني بسنتين وأخت أصغر مني بست سنوات. توفي والداي مبكرا نسبيا، فوالدي توفي في نهاية عام 1970 على أثر نوبة قلبية، ووالدتي صرعها السرطان بعد ثمان سنوات بالضبط. تزوجت في ألمانيا بإيرانية عام 1968 بعد أكثر من عامين فترة خطبة بعقد شرعي، ولم نرزق بأطفال بسبب عقم اكتشفه الأطباء لاحقا لدي.

 

 

 

سيرتي السكنية :

 

ولادتي وطفولتي الأولى كانتا في مركز الكاظمية، ومنذ سن المدرسة سكنا في أطراف الكاظمية في العطيفية قرب جسر الأئمة. من عام 1963 حتى عام 1972 عشت في ألمانيا في مدينة لونبورغ، وكانت دراستي في هامبورغ. بعد عودتي إلى العراق سكنت حي الزهراء في الكاظمية قرب ساحة عبد المحسن الكاظمي لفترة غير طوية مع الوالدة والشقيقتين، ثم سكنت في دار سكن مستقلة مع زوجتي في حي الخضراء – الداوودي. وعند مغادرتي مع زوجتي عام 1980 للعراق أقمنا مع أهلها في لونبورغ، ولكن بعد أشهر انتقلنا إلى هامبورغ وبقينا فيها حتى عودتنا بعد سقوط النظام عام 2003. وحيث لم نسترجع حتى الآن أملاكنا المصادرة تنقلت منذ عودتي حتى الآن ما بين الكاظمية والداوودي والمنطقة الخضراء.

 

 

 

سيرتي الدراسية :

 

زرت الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في الكاظمية، مدرسة العطيفية للأطفال (مختلطة)، ثم مدرسة دجلة الابتدائية للبنين، فمتوسطة الكاظمية ثم إعدادية الشعب في الكاظمية أيضا. كنت في الابتدائية تلميذا متفوقا ثم تحولت في المتوسطة بالتدريج إلى تلميذ متوسط ثم دون المتوسط، ليس غباءً بل كسلا أو انشغالا بالنشاط السياسي في السنوات الأخيرة. غادرت العراق وأنا في الصف الأخير دون تكملة الامتحانات النهائية في تلك السنة على أمل إعادة الامتحانات التي طلبت تأجيلها بسبب عدم التحضير من جراء الانشغال بالنشاط السياسي، ولكن لإصرار والدي غادرت إلى ألمانيا صيف 1963 حتى عام 1972، حيث درست الهندسة المعمارية.

 

 

 

سيرتي المهنية :

 

بعد تخرجي عام 1971 عملت لستة أشهر كمهندس معماري في مكتب في لونبورغ الواقعة ستين كيلومترا جنوب هامبورغ. عدت بعدها بناء على رغبة العائلة عدت إلى العراق وعملت إلى جانب شقيقي في إدارة شركة العائلة التي ورثناها عن والدي وهي المعروفة في وقتها بـ «الشركة الشرقية للحلويات» والتي غيرنا اسمها لاحقا إلى «شركة أبو منير للحلويات». إلى جانب عملي في شركتنا مارست مهنتي كمهندس معماري ولو بشكل محدود. وانتهى كل ذلك بهجرتنا الاضطرارية عام 1980. ثم آخر عمل مارسته كان كعضو للجمعية الوطنية للدورة الأولى.

 

 

 

سيرتي السياسية :

 

نشأت كطفل لا أحب النظام الملكي ولا حكومة نوري السعيد، لأننا كنا نعتبر كلا منهما عميلا للبريطانيين، ولو أن العهد الملكي كان بالإمكان تطويره إلى وضع ديمقراطي، بعيدا عن الانقلابات الدموية والتي ختمت بالحقبة الصدامية اللعينة. وكنت كطفل متمردا أرفض القيام للسلام الملكي في السينما أو الحفلات المدرسية التي يحضرها وزير المعارف في حينه. لذا ابتهجت أيما ابتهاج مع المبتهجين وأنا لم أبلغ تمام الرابعة عشر من عمري بسقوط الملكية عام 1958. ملت ابتداءً إلى المرحوم عبد الكريم قاسم وإلى ما سمي وقتها بالتيار الوطني والذي كان يتزعمه الحزب الشيوعي، وهذا الميل كان في الواقع الأقرب إلى فطرتي. لكن بسبب ما راج عن إلحاد الحزب الشيوعي تحولت إلى التيار القومي، هذا التحول الذي يمثل ابتعادا عن فطرتي، ثم فوتحت من قبل صديق وزميل مدرسة بالانتماء إلى حزب البعث عام 1960، فتلوثت بالبعث لثلاث سنوات من عام 1960 حتى عام 1963 حيث غادرت إلى ألمانيا. ولا أدري كيف أصبحت بعثيا، بل حتى كيف أصبحت قوميا، وكيف عاديت المرحوم عبد الكريم قاسم. بعد انقلاب عبد السلام عارف على البعثيين هرب مسؤولنا الحزبي ع أ في الكاظمية إلى سوريا وراسلني من هناك محاولا إعادة ارتباطي بالحزب، إلا أني رفضت، كون هذا المسؤول كان أحد من عرفنا عنه لاحقا أنه كان ممن يعذب الشيوعيين ويغتصب الشيوعيات. وسرعان ما اطلعت أكثر على ما خفي علي من جرائم البعثيين، فعاديتهم وندمت أيما ندم على انخداعي وتلوثي بالبعث لثلاث سنوات من سن الخامسة عشر حتى السابعة عشر. وفي السنوات الثلاث التي تبعثت فيها، سرعان ما أصبحت فور انتمائي مسؤول شعبتي في الصف الثالث، ثم مسؤول شعب الصف الرابع في الإعدادية، ومسؤول شعب الصف الخامس ومعاون مسؤول الإعدادية س ب. بعدها بقيت لما يقارب العقدين بعيدا عن النشاط السياسي، ولكن لم أكن بعيدا عن الاهتمام السياسي. عندما عدت إلى العراق عام 1972 بقيت معاديا غير فاعل للنظام، حتى تحولي إلى الإيمان ثانية عام 1977، واتخاذي منحى سياسيا إسلاميا، ولكن من غير انتماء حزبي، بل من خلال زياراتي المتكررة للشهيد محمد باقر الصدر وتأثري به. وفي هذه الفترة لم أكن حتى أعلم بوجود حزب إسلامي، بل قلت مرة لصديق لي أني أتمنى لو يستطيع المرء تأسيس حزب إسلامي باسم «حزب اليسار الإسلامي»؛ «اليسار» لأني كنت دائما أميل إلى اليسار مني إلى اليمين، كون اليسار كان يمثل بالنسبة لي الحالة الوطنية والثورية مقابل التيارات المحافظة والمرتبطة بالأجنبي، وكذلك بسبب البعد الإنساني في اليسار السياسي أكثر مما يتجسد في اليمين، من خلال تبني نصرة الطبقات المحرومة والدعوة إلى العدالة الاجتماعية باعتماد الاشتراكية. حتى في السنوات الثلاث التي تلوثت فيها بالبعث، كان شيوعيو المنطقة يقولون عني كما نقل لي «ضياء خوش ولد بس حيف بعثي»، وحقا قالوا «حيف بعثي». عندما خرجت من العراق عام 1980 تعرفت على عدد محدود من عراقيين آخرين ذوي توجه إسلامي مثلي، كان بعضهم يعيش في العراق في أجواء الدعاة، وبدأنا نفتش عن حزب الدعوة للاتصال به، ثم تحقق ارتباطنا بالحزب من خلال لندن، حيث تولى الإشراف على عملنا (م ر) و(ح ع)، وفي إيران كنا نتواصل مع (ح ش)، حتى ربطنا بـ (إ ج) من أواسط الثمانينات ولغاية العودة إلى العراق. وكنت منذ البداية فيما يسمى بالحلقة الرأسية لحزب الدعوة في ألمانيا، وقمت لفترة بالإشراف الحزبي على مناطق أخرى في أوربا. وبالرغم من ولائي الكامل في الثمانينات للثورة الإسلامية وللإمام الخميني وإيماني بنظرية ولاية الفقيه، بدأت مبكرا مع كثير من الدعاة في نقد التجربة الإيرانية في كثير من تفاصيل الأداء. ومنذ مطلع التسعينات بدأت أعيد النظر في مبدأ ولاية الفقيه، وفي مشروعية الديمقراطية، حتى تحولت في الآخر عن الإيمان بجدوى إقامة دولة إسلامية إلى داعية للديمقراطية، ومناديا بإقامة دولة تعددية ديمقراطية، تتنافس فيها الأحزاب الإسلامية ديمقراطيا مع سائر الأحزاب السياسية الأخرى، وترضى بكل نتائج العملية السياسية الديمقراطية. ثم قمت قبل وبعد سقوط الديكتاتورية بعدة محاولات لإجراء عملية إصلاح فكري وسياسي لحزب الدعوة، وأسست قبل السقوط «المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي»، وفي العمق كنت أعيش هاجس أن يكون المنتدى نواة لتأسيس «الحزب الإسلامي الديمقراطي العراقي» مستقبلا. ثم بدأت بعد حين في نقد عموم التيار الإسلامي، والذي شمل بالنتيجة حزب الدعوة نفسه، مما آل إلى حسم علاقتي بفك ارتباطي التنظيمي بالدعوة، والذي سبقه تأسيس «تجمع الديمقراطيين الإسلاميين». وكنت في الدورة الأولى عضوا في الجمعية الوطنية الانتقالية وعضوا وبجدارة وفاعلية في اللجنة الدستورية. وكنت قد شاركت في المهجر في مؤتمرات المعارضة التي شارك فيها حزب الدعوة، كمؤتمر بيروت عام 1991 ومؤتمر صلاح الدين عام 1992، كما شاركت من قبل بفاعلية في مؤتمرات أقيمت في إيران، كمؤتمر جرائم صدام عام 1983، ومؤتمر الكوادر الإسلامية عام 1984 للمعارضة الإسلامية، ومؤتمر نصرة الشعب العراقي عام 1985 لعموم المعارضة العراقية. وأخيرا وبكل ثقة أقول أني لو كنت أبحث عن مواقع، لداهنت وساومت وصبرت قليلا حتى انعقاد المؤتمر العام المقبل لحزب الدعوة، حيث أني على يقين تام بأني كنت أملكا فرصة كبيرة جدا للحصول على أصوات كافية من المؤتمرين لأكون احد أعضاء القيادة الجديدة للحزب، ولكني على يقين بأن تبوئي لمثل هذا الموقع لن يزيد من فرص النجاح في إصلاح الدعوة الإسلامية الذي أطمح له، لذا اخترت ما اخترته من موقف.

 

 

 

سيرتي الإيمانية :

 

وتحولاتي في هذا الميدان ذات علاقة بتحولاتي السياسية. نشأت في أسرة كان ربها ملتزما التزاما عاديا من غير ثقافة إسلامية معمقة، ولكنه كان يجسد بشكل رائع رغم محدودية ثقافته البعد الإنساني من التدين. ومع هذا فتحت عيني على دين هو أقرب إلى الخرافة، فكنت أرى في الكاظمية التشابيه والقامات والزناجيل، وكان الدين عندنا عبارة عن خيط أخضر يربط في شباك ضريح الإمام، ومنقلة وحرمل ودعاء يؤتى به من الملة، والتزام مبالغ فيه بأحكام النجاسة وطهارة، ولكن على ضوء الفقه الشعبي، لا الفقه الشرعي. مع هذا كنت أميل فطريا إلى التدين، حيث بدأت وأنا في الصف الرابع الابتدائي طوعا بالصلاة، عندما علمتنا معلمة درس الدين الصلاة. وامتنعت بشدة في بداية شبابي عن شرب الخمر رغم محاولات أقراني في التغرير بي، ثم مارست بعدها ازدواجية التدين بشرب الخمر من جهة مع أصدقاء لي كان بعضهم يصلي ويصوم مثلي، والمحافظة على الصلاة من جهة أخرى. وفي عام 1962 وأنا ما بين الخامسة عشر والسادسة عشر من عمري، انتابني الشك في الدين بل وفي أصل وجود الله تعالى، وعشت سنة كاملة في عذاب الشك، حتى قررت الانفصال عن الدين بكل أبعاده في صيف 1963، عندما خاطبت الله بهذه العبارات «اللهم إني أسألك أن تهديني إلى الحقيقة، فإن كانت الحقيقة هي أنت وكنت أنت الحقيقة، فأسألك أن إليك تهديني، وإلا فلست ربي ولا خالقي، بل لست بكائن، فأكون عندئذ رب نفسي وإله ذاتي». وحيث لم تنزل المعجزة التي توقعتها بسذاجة من السماء كجواب، تحولت إلى الإلحاد وبقيت على هذا الحال لخمسة عشر عاما. طوال فترة وجودي في ألمانيا من عام 1963 حتى عام 1972 وحتى بعد عودتي إلى العراق بقيت على رفضي للدين وعلى الإلحاد بالله تعالى، حتى قرأت صدفة في شباط 1977 كتابا لمصطفى محمود المصري موسوما بـ «القرآن .. محاولة لفهم عصري»، تحولت من خلاله إلى الإيمان، وجرى على ضوء ذلك تحول كلي في حياتي، ونشأت لدي علاقة روحانية رائعة مع الله سبحانه تجسدت بعبادة كنت أستمتع بها أيما استمتاع. وللقصة تفاصيل من حيث مقدمات هذا التحول، وما استتبع التحول من تعرف على الشهيد الصدر، هذه الشخصية الرائعة، وزياراتي المستمرة له، حيث كان يهتم بي فيها اهتماما خاصا، من حيث تخصيصه وقتا لي في مكتبته الشخصية في الطابق الأعلى. وفي التسعينات بدأت مسيرتي الإيمانية تنحى أكثر فأكثر منحى عقليا في فهم العقيدة ومنحى عقلانيا في التعاطي مع كل مفردات الحياة، وظهرت لدي روح النقد والمراجعة لنتاج الكثير من الفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام والمفكرين، وبدأ فهمي للإسلام يتخذ ملامح خاصة بي أتميز بها، أهمها تأكيد مرجعية العقل في العقيدة، والتأكيد على جوهر الإسلام وجوهر التدين، الذي حل مكانه على الأعم الأغلب لدى المسلمين شكل الإسلام وشكل التدين، وكذلك تأكيد البعد الإنساني والبعد الأخلاقي والبعد العقلاني للإسلام.

 

 

 

سيرتي الحوزوية :

 

تزودت بالثقافة الإسلامية الشرعية من فقه وأصول ومنطق وتفسير وغيرها ذاتيا، وساعدتني ملكة التأمل على أن أكوّن لنفسي منهجا خاصا بي. وفي أواخر التسعينات وبعد التنسيق مع بعض المراجع والعلماء وبتشجيع منهم كنت أتردد على حوزة المرتضى في دمشق، لأتناول دروسا مركزة على أيدي أساتذة مرموقين، ودرّست خلال ذلك العقائد للصف الثاني وبعدها للصف الرابع من حوزة النساء، وكانت الطالبات يتفاعلن بشكل كبير مع طريقتي في طرح موضوعات العقائد. وفي ألمانيا واصلت التدريس في معهدين وباللغة الألمانية لكل من مادة العقائد والأصول والمنطق واللغة العربية وعلوم القرآن والتفسير.

 

 

 

d.sh@nasmaa.com

 

 

 

17/05/2006

Share this post


Link to post
Share on other sites

قصتي مع الدعوة منذ انتمائي حتى استقالتي 5/7

 

رسالتي حول تأسيس تجمع الديمقراطيين الإسلاميين

 

 

 

كتابات - ضياء الشكرجي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

إلى حزب الدعوة الإسلامية

 

 

 

م/ تأسيس إطار «تجمع الديمقراطيـيـن الإسلاميـيـن»

 

مع ملحق في المقدمة في 02/09/2005

 

الملحق:

 

- تحمل الرسالة في صيغتها الأولى تاريخين هما 14 و31/08/2005. في 14/08 حررتها، ثم كنت أنتظر لسنوح الفرصة وحلول الوقت المناسبين، وفي أثناء ذلك جرى أكثر من تعديل عليها. وفي 31/08/2005 اكتسبت صيغتها النهائية.

 

- عنونت الرسالة بعنوانين خاطبتهما بها؛ العنوان العام أعلاه إلى الحزب، وعناوين خاصة خاطبت بها أربعة من أعضاء القيادة [الجعفري، الأديب، المالكي، العبادي أو السنيد]. هذا التخصيص لم يكن من قبيل المفاضلة، بل لأن الإخوة الأربعة هم الذين يمثلون الحضور الواضح في الساحة السياسية.

 

- أعتذر مع هذا من بقية الإخوة، وأتدارك اليوم في توجيه الرسالة إليهم، آملا إيصالها غدا إلى مكتب الدعوة في المثنى ليجري تحويلها إلى إخوتي الأفاضل.

 

- سأنتظر الجواب لغاية الجمعة القادمة 09/09/2005، ثم أباشر بطبع الكراس الخاص بطرح المشروع، لغرض توزيعه، وربما نشره على مواقع للإنترنت ولعله إحدى الصحف، وانتظار ردود الفعل، ثم المباشرة بالخطوات العملية للتأسيس، بعد توفر الحد الأدنى المطلوب من الراغبين في المساهمة في التأسيس.

 

 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

التـزاما بالعهد الشرعي، وحرصا على مصلحة حزب الدعوة الإسلامية، أحب هنا أن أضعكم بالصورة، قبل طرحي لمبادرة تأسيس إطار تـنظيمي، يتخذ موقعا متوسطا بين المنـتدى الثـقافي والحزب السياسي. [تحول من بعد ذلك إلى كيان سياسي، ولعل من الأسباب هو عدم استجابة الدعوة لطلبات التنسيق المتكررة.]

 

 

 

منذ أواسط التسعينات وأنا أعيش قـلق تأسيس مثـل هذا الإطار، لكني كنت أأمل أن حزب الدعوة الإسلامية يتجه باتجاه أن يلبي في مستـقبل منظور الطموح لتـشخيصي للحاجة لوجود إطار تـنظيمي إسلامي يتبنى الديمقراطية بشكل شفاف وواضح ومن غير تردد ولا تلكؤ، وذلك ليس فـقط على مستوى الأداء، بل على مستوى التبني لنظرية شرعية واضحة، وبدت بعض المؤشرات بعد دخول العراق التي أكدت هذا الإمكان والأمل في تحقق هذا التطلع، لكني مع الوقت وصلت إلى قـناعة بمستوى القطع، بأن هذا لا يمكن أن يتحقق، على أقل تقدير في مستقبل منظور، إما لتعـقـيدات المرحلة، أو لأن الكثيريـن من الدعاة بما في ذلك بعض الشخصيات البارزة، ما زالوا إما أسرى تراكمات الثـقافة الموروثة، وإما هم واقعـون تحت ضغط حماس الشارع الإسلامي العاطفي، ومحكومون بتعـقـيدات الساحة، والتي أي هذه التعقيدات ومدى حساسية المرحلة؛ كل ذلك يحول دون التـفكير بإجراء خطوات باتجاه إصلاح واضح المعالم على مستوى الفكر والأداء.

 

 

 

من هنا وفي الوقت الذي أتـفهم فيه تماما لوجوب مراعاة حزب الدعوة الإسلامية للأجواء المعـقدة والمتخلفة أحيانا، وللمزايدات السياسية في الساحة الإسلامية في العراق، أجد أنه لم يـبق لي ما يـبرر تأجيـل هذا المشروع، الذي يجب أن يشق طريقه بشكل مواز لمسيرة الدعوة، وبمعزل عنها، أو بثمة تـنسيق وإياها، وبحيث لا يكون بعيدا عن خدمة أهدافها الاستراتيجية، ولو جرى ثمة افتراق في الآليات والتكتيك.

 

 

 

ومما يزيد من قـناعتي في ضرورة الإعلان عن هذا الإطار ومحاولة المضي به مع من سيشاركني في ذلك من دعاة أو مستـقـليـن، هو حالة الإقصاء لي من قبل الدعوة عن أمور وحوارات أرى أن حضوري فيها كان يمثـل أمرا طبيعيا ومفيدا ولعله ضروريا، بل لعله كان أجدر وأنفع من حضور غيـري فيها، مما يفوت علي الكثير من الفرص باتجاه خدمة المشروع الثـقافي والسياسي الذي أحمله كرسالة، بل وحتى باتجاه خدمة الدعوة؛ هذا كله وغيره يجعلني لا أستطيع الانتظار أكثر مما انـتـظرت.

 

 

 

ولا أتصوركم في حاجة إلى تأكيد أني لا أبحث عن مكاسب شخصية من وراء هذا المشروع، ولعلي لا أتوقع للمشروع أن يعطي ثمراته بسرعة، بل قد تكون له بعض المردودات السلبـية على شخص المتصدي له، ومن هنا لا يكون المشروع مما يستطيع حزب ميداني كحزب الدعوة أن يتصدى له، بل لا بد أن يجري بمعزل عنه، ولكن بدون أن يتـقاطع معه، بل يتكامل ويتعاون وينسق معه.

 

 

 

إلى جانب ومع كل ما ذكر آنفا، أجد أن هناك مساحة واسعة يمكن استيعابها من خلال هذا المشروع الضروري والحيوي بحسب تـقديراتي، وأتوقع له آفاقا مستـقبلية كبيرة، إذا ما تـقيض له من يدفعه قدما نحو تـلك الآفاق، مع توفر المستـلزمات المادية، ولم يـبق مقصورا على شخص المؤسس.

 

 

 

وعلاوة على ذلك أتوقع أن تستطيع الدعوة الاستـفادة من هذا المشروع، إذا أحسنت توظيفه في خدمة أهدافها الاستراتيجية، بشرط أن يـبقى مستـقلا.

 

 

 

إني بإشعاري إياكم بنية الإعلان عن المبادرة قريـبا، وبصراحة، لست بصدد الاستـئذان، بل أنا ماض إن شاء الله في الإعلان عن المشروع، فإذا رأت الدعوة أن تـنسق - وهذا ما أتمناه - فإني أتـشرف أن أكون في خدمتها لما يخدم قضايانا الكبيرة إن شاء الله. أما إذا لم تصل الدعوة إلى مثـل هذه القـناعة، فإني لا أريد أن أسبب أي ضرر ولا حتى أي حرج لحزب الدعوة الإسلامية، إذا جرى تـشخيص احتمالات الضرر أو الحرج عبر تصدي داعية معروف مثـلي لهذا المشروع.

 

 

 

لذا أطرح عليكم في مثـل هذه الحال البدائل التالية، راجيا تحديد الموقـف وإعلامي بذلك.

 

 

 

1. إذا رأت الدعوة أن المشروع يتـقاطع مع مصالحها في هذه المرحلة، ولا أريد أن أقول مع ثوابتها، ولا تستطيع أن تـتحمل مسؤولية وتبعات أن يتصدى للمشروع داعية معروف مثـلي، فهنا يمكن أن أعلن استـقالتي من الدعوة ظاهرا، وأبقى مرتبطا بآلية غير معلنة تحددونها معي، من أجل التـنسيـق، ومن أجل أن يحقـق المشروع إضافة إلى أهدافه المعلنة ثمة خدمة للدعوة ومشاريعها، كلما كان ذلك ممكنا. [هذا الخيار طرحته فقط لإلقاء الحجة في تعديد البدائل، وإلا فإني أمقت أي عمل باطني، بل أؤمن بالوضوح والشفافية ووجوب الإفصاح في العمل السياسي.]

 

2. إذا رأت الدعوة أن هذا يمثـل خطا أحمر، وتريد أن تحسم علاقـتي بها، فيجري إخباري بذلك، لأعلن استـقالتي قبل الإعلان عن المشروع.

 

3. إذا رأت الدعوة ما أرى أن لا ضرر من الجمع بين بقائي في الدعوة والتصدي لهذا المشروع، ربما وبشرط عدم التصدي لمواقع متـقدمة في تـشكيلاتها، بل وشخصت أنه قد تكون الفائدة كل الفائدة من ذلك، وتريد أن يجري التأسيس والإعلان من خلال ثمة تـنسيـق، نتـفاهم عندها على آليات وتفاصيل هذا التـنسيـق، قد يكون مثال [...] والمتصدين له هو الأقرب لطبيعة العلاقة.

 

4. إذا اقـتـنعت الدعوة بالمشروع وجدواه وأرادت واستطاعت أن تخطو خطوة متـقدمة في دعم المشروع، يكون ذلك هو ما أتمناه، وعندها نبحث في التـفاصيل، وذلك مع أحد الخياريـن؛ خيار بقائي المعلن في الدعوة، أو خيار استـقالتي أو تجميد عضويتي ظاهرا، والبقاء غير المعـلن بآلية يجري تحديدها.

 

 

 

وقبل أن تبت الدعوة بقرارها النهائي من جهة، وقبل أن أبت أنا من جانبي من جهة أخرى عن أي القرارات هو الأصلح، لا بد من استحضار أن لكل من الخيارات؛ بقائي في الدعوة، أو استـقالتي ظاهرا وبقائي مرتبطا بها بآلية ما، وفـك ارتباطي بها، ثمة فوائد وثمة مضار، للدعوة من جهة، وللمشروع الذي أنا بصدد تأسيسه من جهة أخرى. هذا قد يحتاج إلى دراسة مستـفيضة، ويا ليتـني أستطيع دراسة الموضوع معكم، ولا سيما إخوتي الأفاضل الأساتـذة الجعفري والأديب والمالكي والسنيد [كان من المفيد أن أضيف العبادي والزهيري]. وهناك ثمة ضرر أو تـفويت فائدة للدعوة في إعلان استـقالتي منها، وذلك أن الأفكار التي أطرحها لها أجواء واسعة تستـقبلها استـقبالا إيجابيا، وغدا لها رواج وحسن تـلق وشعبـية لا يستهان بها، وهذا من زاوية ما يشكل رصيدا إيجابـيا للدعوة نفسها، وربما يكون انفكاكي عنها يؤكد بعض الشبهات، التي غالبا ما تصل إلى أسماعي، بأن الدعوة في حقيقـتها ما زالت تختـزن التـشدد في فكرها الإسلامي، وما زالت تـنـتمي إلى المدرسة التـقـليدية المحافظة، بحيث يقول الكثيرون من المعجبين بطرحي من إسلاميـين وعلمانيـين بأن هذه الطروحات لا تمثـل توجه الدعوة، بل إني أنفرد بها؛ وعندما يعلن شخص مثـلي عرف بأفكاره بما عرف انفكاكه عن الدعوة سيكون ذلك بمثابة تأكيد لهذه الشبهة. فالحل المفضل لعله يكون في بقائي مع عدم التصدي لمواقع مسؤولية بارزة وتجنب طرح نفسي في الإعلام بصفتي الحزبـية، أو يمكن أن يصار إلى الاستـقلال الظاهري، مع إظهار مواصلة التواصل مع الدعوة بوضوح وتأكيد مواصلة انتمائي الفكري والثـقافي والسياسي للدعوة.

 

 

 

في كل الأحوال أتمنى ألا تخسرني الدعوة ولا أخسرها، وأن يصار إلى ثمة تـنسيـق بل ودعم. أما أصل المشروع، فإنه محسوم عندي ولا رجعة عنه، إلا إذا كانت ثمة نصائح وتوجيـهات غفلت عنها، تريد الدعوة، أو يريد هذا أو ذاك الأخ الداعية القيادي أن يمد المشروع بها لإثرائه وتـقويمه وتسديده، فأكون له ولها من الشاكرين.

 

 

 

وإني أعلن بأني سأكون في خدمة الدعوة، إذا ما استطعت أن أساهم في انتـشالها مما هي فيه من أوضاع معقدة ومشاكل صعبة ذاتية وموضوعية، بما يتعلق بانعقاد مؤتمرها العام المزمع عقده، أو التحضير للانتخابات القادمة، أو أي أمر أستطيع أن أقدم فيه إمكاناتي المتواضعة لخدمة هذا الإرث العظيم، وفاءً لشهدائنا، وخدمة لديننا، ومذهبنا، ووطننا، وتجذيرا للعقلانية، والاعتدال، والأصالة، ومُثــُـل الإسلام، وقيم الإنسانية.

 

 

 

مع تحياتي ومحبتي وتـقديري ودعائي.

 

أخوكم: ضياء الشكرجي

 

14- 31/08/2005

 

02/09/2005

 

 

 

d.sh@nasmaa.com

 

 

قصتي مع الدعوة منذ انتمائي حتى استقالتي 4/7

 

 

 

ورقة التيار الإصلاحي في حزب الدعوة الإسلامية

 

 

 

كتابات - ضياء الشكرجي

 

 

 

أربع ملاحظات مهمة:

 

- ورد خطأ في واحد من التواريخ في الحلقة الأولى بذكر 1966، بينما الصحيح 1960، جرى تصحيحه لاحقا، ولكن لزم التنويه لمن قرأها قبل التصحيح.

 

- أشكر كل من كتب لي مقيما ومؤيدا ومباركا، أو مستوضحا، مع وجود رسالة هجومية واحدة، لا يفوتني أن أشكر صاحبها كذلك.

 

- ستشتمل الحلقات اللاحقة لهذه الحلقة على أمور مهمة.

 

- ستتبع الحلقة السابعة ما لا يقل عن حلقة أخرى ثامنة أو أكثر إن شاء الله.

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

مسودة

 

ورقة التيار الإصلاحي في حزب الدعوة الإسلامية

 

 

 

«قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين»

 

 

 

لا يخفى على أحد من الدعاة والمطلعين وجود ظاهرة تنوع الرؤى داخل الدعوة، اتخذت في السنين الأخيرة، ولعله في الأشهر الأخيرة ملامح أكثر وضوحا من أي وقت مضى. وهذه الظاهرة يمكن أن تحمل في داخلها بذور خطر انشراخ وتمزق جديد في جسم الدعوة لا سمح الله، إذا لم ينظر إليها كحالة صحية تنم عن ديناميكية الاجتهاد الفكري والسياسي عند الدعاة، بحيث تعتبر ظاهرة التنوع هذه بالتالي ظاهرة قوة وصحة وإثراء، لا ظاهرة ضعف وسقم في جسم الدعوة، من خلال الاعتراف بها والتعاطي معها بروح الواقعية والموضوعية والمسؤولية، وبالتالي تقنينها.

 

 

 

ولكن الخطر الذي تواجهه الدعوة أمام هذه الظاهرة لا يكمن فيها، بقدر ما يكمن في ما إذا حاول الصوت الذي مكنته مجموعة ظروف أن يفرض نفسه على التوجه الرسمي المعلن للدعوة أن يكبت الصوت الآخر، أي صوت أصحاب التيار الإصلاحي في الدعوة. لكننا نتوقع من قيادة الدعوة والمتصدين في المواقع المتقدمة والمؤثرين على مسارها الفكري والسياسي أن يكونوا أوعى من أن يكبتوا صوت إخوانهم أصحاب هذا التيار. ومن خلال القناعة العميقة بالأضرار التي ستصيب «حزب الدعوة الإسلامية» إذا ما بقي صوت هذا تيار غير مسموع وبعد طول تأمل وبعد التوكل على الله، رأى صاحب المبادرة للإفصاح بشكل واضح عن حقيقة وجود هذا التيار وضرورة أن يخرج هذا الصوت إلى كل المعنيين في القيادة وأعضاء المؤتمر وبقية الدعاة ذوي الاهتمام مسموعا بشكل واضح لا لبس فيه.

 

 

 

وبالرغم من أن هذه الورقة كتبت من قبل صاحب المبادرة، فإنه اختار أن يتحدث بلغة الجمع، لأن البيان يعبر عن توجهات شريحة واسعة جدا من الدعاة تمثل الملامح المشتركة لنظرتهم لمجمل المسائل الفكرية والسياسية المطروحة في هذا البيان، وذلك لا من موقع التخمين والادعاء، بل من موقع القطع واليقين بحقيقة وواقع لا غبار عليهما أبدا، بحيث يمكن القول بلا أي تردد أن هذه الشريحة من الدعاة تمثل تيارا يملك كل مقومات التشكيل.

 

 

 

أما انفراد صاحب المبادرة بكتابة هذه الورقة دون مراجعة إخوانه من الذين يشاركونه في الخطوط العريضة التي سيرد ذكرها، فلكون المرحلة لا تتحمل الانتظار أبدا، بل كان لا بد من كتابة هذه الورقة الآن وليس بعد حين. ولذا فإن الورقة قد لا تعتبر نهائية، بل هي قابلة للتنضيج والترشيد.

 

 

 

أما الملامح الأساسية لهذا التيار فهي النقاط السبع من مجموع تسع نقاط كانت قد أعدت كورقة تضمنت لتناقش داخل مؤتمر الوحدة الأخير، ولكن لم تتوفر الفرصة لذلك، كما لم تتوفر لمناقشة كل القضايا الخطيرة والحساسة والعاجلة التي كان يجب أن تناقش في سعة من الوقت، بحيث يستوعب المؤتمر ما لا يقل عن يومين، بكم حساسية المرحلة التي ربما تمثل منعطفا حادا وتاريخيا لكل من القضية العراقية والقضية الإسلامية والقضية الشيعية على حد سواء. والنقطتان الإضافيتان كانتا إضافة إلى النقاط أدناه ضرورة انتخاب أمين عام بصلاحيات قيادية واسعة وفق ضوابط يتفق عليها، ووضع برنامج عاجل للدخول، قد حذفتا باعتبار أن الأولى لم يـُتمكن من حسمها الآن، وهي وإن كانت تمثل حاجة ملحة حسب قناعة الكثيرين منا، إلا أنه قد لا يصدق عليها عنوان الملامح الأساسية للتيار، وربما لا تحضى بإجماع لدى كل أفراده، وأما الثانية فتمثل حاجة آنية. لذا تم الاكتفاء بذكر النقاط الست أدناه، التي تعتبر بمثابة الملامح الأساسية لهذا التيار:

 

 

 

1. الحضور السياسي كأصل ثابت في أداء الدعوة.

 

2. تأكيد عراقية كل من قرار وقيادة وخطاب الدعوة.

 

3. حسم فك الالتزام بولاية الفقيه، ورفع المادة ذات العلاقة من النظام الداخلي.

 

4. الانفكاك كليا عن تأثير التدخل الإقليمي لاسيما الإيراني في عمل وقرار الدعوة.

 

5. تقنين التنوع داخل الدعوة، كضمانة لحفظ وحدتها، وتجنيبها المزيد من الانشراخات.

 

6. تثيبت الديمقراطية في برنامج الدعوة السياسي الموسوم بـ «برنامجنا» وتبني التأصيل لها إسلاميا، والتثقيف على مفاهيم هذا التأصيل وتسويقه بالتدريج جماهيريا.

 

 

 

ولا بد من إزالة اللبس في أن تثبيت النقاط أعلاه واعتبارها ثوابت وملامح أساسية لهذا التيار لا يعني دعوى أن «حزب الدعوة الإسلامية» يتقاطع كليا مع هذه الثوابت، وإلا فلو كان هناك ثمة تقاطع بين الدعوة وقناعات أفراد التيار من الدعاة، لما بقي مبرر لهم أن يبقوا في حزب يرون ثمة تقاطع بين ثوابتهم التي يحملون قناعات عميقة بها وتوجهات الدعوة. مع هذا هناك مبررات للإفصاح عن هذا التيار وذلك للأسباب التالية:

 

 

 

1. بعض هذه النقاط غير محسومة بشكل نهائي من قبل «حزب الدعوة الإسلامية» رغم عدم تقاطعه معها، بل رغم انسجامه مع بعضها، ولقناعة أفراد التيار بضرورة الحسم جاءت فكرة الإعلان عن التيار ونشر بيانه.

 

2. بعض هذه النقاط قد تكون متبناة ولكن ليس بالقدر الكافي من الوضوح بحيث تتحول إلى ملامح أساسية لـ «حزب الدعوة الإسلامية» وقرارته ومواقفه وأدائه على النحو الرسمي، وإن كان ذلك يمثل تيارا واسعا في صفوف الدعاة.

 

3. بعضها قد يكون متبنى ولو ضمنا، ولكن لم يتحول إلى موقف رسمي معلن.

 

4. بعض هذه الملامح في طور النمو والتكامل ولكن هذا النمو والتكامل ما زال بطيئا نسبة إلى ضرورات المرحلة التي يشخصها التيار.

 

 

 

إن لقناعة الدعاة في هذا التيار بوجوب الحسم أولا، والوضوح ثانيا، والإعلان ثالثا، والإسراع رابعا، رأى ضرورة الإعلان للقيادة والدعاة المعنيين عن هذه الثوابت بشكل حاسم وواضح ومعلن والآن لا غدا، من أجل أن يتدارك ما يتصور أن عدم التدارك فيه قد يشكل ضررا كبيرا، ولحرصه في عدم الانفصال عن جسم الدعوة وتعريضه لها إلى انشراخ وتمزق جديدين.

 

 

 

من هنا اختار صاحب المبادرة للتيار اسم «الوحدة والتجديد»، وذلك من خلال الإيمان أن إظهار صوت هذا التيار يجنب الدعوة أخطار التصدع ويحافظ بالتالي على وحدتها ولذا «الوحدة»، ومن خلال الإيمان أن هذه الملامح تمثل تجديدا ضروريا في جسم الدعوة، من أجل تجنيبها الشيخوخة ولذا «التجديد»، ومن ثم إيمانا منا بان ظاهرة التنوع في الجسم التنظيمي الواحد تمثل ظاهرة حضارية وعنصر قوة وإثراء لذلك الجسم. فلم نختر ما اختاره غيرنا من قرار الانفصال عن الجسم الأم، لمجرد الاختلاف في بعض التفاصيل، ولم نتخذ قرار التأسيس لإطار تنظيمي جديد، إيمانا منا بأن تقوية هذا الوجود المتمثل بـ «حزب الدعوة الإسلامية» بفكره وتأريخه وأمل الأمة فيه أجدر من تمزيقه وتصديعه. فنحن دعاة «وحدة» و«تجديد»، فلا التجديد يجوز أن يكون مبررا للتفريط بوحدة الدعوة، ولا الوحدة يجوز لها أن تكون مبررا للجمود وعدم التجديد، وتفويت فرص طرح ملامح هذا التيار الآن. [لم يعد الإبقاء على وحدة حزب الدعوة قضية مصيرية لا للإسلام ولا للقضية الوطنية العراقية، لأن أصل الأسس التي قامت عليها الدعوة ومعظم الأحزاب الإسلامية أصبح من الواجب إعادة النظر فيه جذريا، بما في ذلك ما سمي بمشروع أسلمة المجتمع أو أسمة الحياة أو الدعوة الإسلامية، التي هي ليست من مهام حزب سياسي. ثم لا يجوز إغفال حقيقة أن تلكؤ وتعثر وتأخر العملية السياسية كان بدرجة أساسية بسبب التيارات الإسلامية وأدائها السياسي، بما في ذلك منهج تسييس الدين وتسييس المذهب وتسييس الرموز الدينية، هذا كله الذي أضر بالمسيرة السياسية بل وبالإسلام حتى الآن أكثر مما نفعهما.]

 

 

 

ولا بد من بيان المراد من كل نقطة من النقاط بشرح موجز.

 

1. الحضور السياسي كأصل ثابت في أداء الدعوة:

 

لا بد من رفع اللبس في أن هذه النقطة لا تريد أن تتناول مصاديق هذا الحضور، ومناقشة صواب أو عدم صواب قرار المقاطعة لكل من مؤتمري لندن وصلاح الدين، بل تريد تثبيت أن الحضور السياسي وعدم الغياب عن الساحة السياسية والمشاريع السياسية والفعل السياسي والتحاور مع كل الأطراف وطنيا ودوليا وإقليميا يمثل الأصل الثابت في عمل الدعوة في هذه المرحلة أكثر بكثير مما هو حاصل حتى الآن، مع أن كل قضية كمصداق لهذا الحضور خاضعة للدرس في وقتها، ولكل قاعدة استثناءاتها. كما إن هذه النقطة لا تعني دعوى غياب الدعوة سياسيا، بل لأن الدعاة في التيار يجدون أن الحضور السياسي لم يكن بالمستوى المطلوب، إلا من قبل بعض الحاضرين بقوة، ولكن المواجهين في نفس الوقت للكثير من العقبات والإعاقات والتحديات.

 

2. تأكيد عراقية كل من قرار وقيادة وخطاب الدعوة:

 

وهنا لا بد من الحذر أشد الحذر من الوقوع في خطأ إيجاد نزعة عنصرية داخل الدعوة، بل المقصود هنا أن الدعوة يجب أن تكون عراقية الاهتمام والهم والقرار والقيادة ولغة الخطاب. ويجب إبعاد كل ما من شأنه أن يضعف من عراقية الدعوة، ويدخل التأثير الخارجي كعنصر في جسم الدعوة ومسيرتها، مع الحفاظ على البعد الإنساني وسعة الهم الإسلامي العام في فكر الدعوة وبرنامجها الثقافي والتربوي، ولكن لا بد في ذلك من تحديد الأولويات والالتزام بضوابط الحكمة في الأداء السياسي والاستفادة من تجربة سلبيات تأثير العنصر غير العراقي في المسيرة السابقة. [وإنصافا لا بد من تثبيت حقيقة أن حزب الدعوة قد دفع لعقود من الزمن أكثر من أي من الأحزاب الإسلامية المؤثرة الأخرى ضريبة منهجه المستقل، ولكن كان دائما هناك بعض المنسقين من القياديين مع إيران بدرجة لا يرتاح لها أكثر الدعاة، بل يرون في ذلك الخطر على الدعوة وعلى شيعة العراق وعلى عموم القضية الوطنية العراقية.]

 

3. حسم فك الالتزام بولاية الفقيه، ورفع المادة ذات العلاقة من النظام الداخلي:

 

وهنا نريد أن نخلص الدعوة من الازدواجية، في جعل مواد النظام الداخلي منسجمة مع واقع الدعوة في خطها العام وتوجهات دعاتها. ففي الوقت الذي فكت الدعوة ارتباطها من الناحية العملية من مبدأ ولاية الفقيه مفهوما ومصداقا، نجد أن المادة التي تنص على تبني هذا المبدأ ما زالت مدرجة في النظام الداخلي، ولذا يجب - كضرورة ملحة جدا من ضرورات المرحلة - أن ترفع هذه المادة بشكل حاسم ويعلن عن ذلك، واستبدالها بما يضمن التزام الدعوة بالضوابط الشرعية، دون تحديد آليات ومصاديق تلك الضوابط. وإن الدعاة في تيار الوحدة والتجديد يدركون مع ذلك حساسية القضية بلحاظ بعض الجوانب المؤثرة فيها، لكنهم يرون ضرر التغاضي عن هذه القضية أكبر من مواجهة إشكالات إجراء الرفع، لا سيما إذا لم يقتصر تعديل أو إعادة كتابة النظام الداخلي على مفردة الرفع هذه، بل كان إجراءً شاملا.

 

4. الانفكاك كليا عن تأثير التدخل الإيراني في عمل وقرار الدعوة:

 

وهنا نحذر من ظاهرة الحساسية المفرطة عند البعض من إيران والإيرانيين، مما قد يقترب من مساحات النزعة العنصرية التي نرفضها تماما، ولكن نذكر الجميع بالإجماع بتشخيص الأضرار التي لا يستهان بها من جراء التدخل الإيراني في شأن الدعوة حتى الآن. ومن الناحية العملية لا بد من التوضيح بكل شجاعة لإخواننا الإيرانيين وجوب الكف كليا عن حشر أنفسهم في شأن الدعوة وعن مواصلة محاولات التأثير على سيرها وقراراتها، مع حرصنا على الحفاظ على علاقات الأخوة الإسلامية التي لا يفسدها الموقف الناقد للتجربة الإيرانية وموقف العتاب في مقابل طريقة التعاطي الإيراني مع عموم القضية العراقية ومع حزب الدعوة الإسلامية خصوصا. فمن خلال تجربة أكثر من عقدين ثبت لنا باليقين القاطع، أن تدخل إخواننا الإيرانيين لم يكن في منفعة الدعوة وأهدافها أبدا، ولا بمنفعة القضية العراقية عموما، بل بالعكس كان في أغلب الحالات سببا للأضرار الفادحة بالدعوة والانشقاقات داخل جسمها، وإرباك وضعها، وتلكؤ قراراتها، وعرقلة مسيرتها، وتكريس شبهة تبعيتها الإيرانية. لذا لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن نعمل ما بوسعنا على إبعاد كل ما يمكن أن يجعل للتدخل الإيراني في الدعوة أي أثر من الآن فصاعدا.

 

5. تقنين التنوع داخل الدعوة كضمانة لحفظ وحدتها وتجنيبها المزيد من الانشراخات:

 

وقد قدمنا لذلك من خلال بيان أن التنوع في الرؤى لاسيما في القضايا المهمة أصبح ظاهرة واضحة لا يمكن إغماض الأعين عنها، وكواقع أصبح يطبع ملامح الدعوة بقوة أكثر من ذي قبل. وإذا لم نعالج ظاهرة واقع التنوع هذه ونقننها، سيكون ذلك بمثابة بؤرة خطر جديد تتعرض له الدعوة، يهدد بتكرر حالات الانشراخ والتشرذم. من هنا ندعو إلى تبني صيغة الكتل البرلمانية داخل البرلمان - أي داخل «حزب الدعوة الإسلامية» - الذي يضم كل هذه الكتل، أو صيغة الفيدراليات داخل جسم الدولة الاتحادية الموحدة اللامركزية «حزب الدعوة الإسلامية». نعتقد أن تبني هذه الصيغة أصبح يمثل ضرورة قصوى، وإن إرجاء البت فيها يعني القبول بتكريس الأخطار الفادحة على جسم الدعوة، الذي يحتاج الآن إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى، والوحدة لا تكون بالتغاضي عن ظاهرة التنوع، بل بتقنينها.

 

6. التعجيل بإعادة صياغة البرنامج السياسي والنظام الداخلي المعلن:

 

عندما تنتقل الدعوة إلى الداخل يجب أن يكون لديها شيئان جاهزان، البرنامج السياسي «برنامجنا»، والنظام الداخلي المعلن. وكلاهما يجب أن تعاد صياغتاهما بشكل عاجل جدا. وإذا كان النظام الداخلي يتحمل قليلا من التأجيل، فإن البرنامج السياسي لا يتحمل التأجيل أبدا، لأنه يجب أن يكون الآن جاهزا لتوزيعه على الجماهير داخل العراق. ويجب أن يصاغ البرنامج بالتمييز فيه بوضوح بين الفقرات التي تمثل للدعوة مشتركا وطنيا مع كل الأطراف وثوابت الحد الأدنى لهذا المشترك، وبين ما يمثل البرنامج السياسي الخاص للدعوة حال تسنمها لمهام المسؤولية من خلال انتخاب الجماهير لها، مع بيان آليات الائتلاف الحكومي الممكن وثوابته مع أطراف إسلامية الأخرى، أو مع أطراف علمانية. وهنا يمكن تبني «برنامجنا» الصادر عام 1992 مع إضفاء التعديلات والإضافات اللازمة، وإدراج مقدمة للطبعة الثانية المعدلة والمزيدة.

 

7. تثبيت الديمقراطية في البرنامج السياسي وتبني التأصيل لها إسلاميا:

 

إنه من الضرورة بمكان أن تحسم الدعوة في هذه المرحلة موقفها بكل وضوح من الديمقراطية، وتؤصل لها إسلاميا، وتثبتها في برنامجها السياسي، وذلك بلغة خطاب توفق فيه بين رفع الهواجس لدى الأطراف السياسية الوطنية العلمانية والأطراف الدولية ذات التأثير على المسار السياسي في العراق في المرحلة المقبلة، بتوضيح موقفنا من الديمقراطية من غير أي تردد أو تلكؤ، وبين مراعاة مشاعر الجماهير الموالية في الداخل. فبالرغم من صدق «حزب الدعوة الإسلامية» لعله أكثر من كثير غيره من فصائل المعارضة الوطنية العراقية، وتعاطي غالبية الدعاة بقناعة عميقة مع مفردة الديمقراطية، يمثل عدم حسم الموضوع بشكل واضح تكريسا للهواجس لدى الأطراف الأخرى، والتي لا تخلو من أضرار، باعتبار أن بناء الثقة المتبادلة شرط من الشروط الأساسية لإنجاح المشروع الديمقراطي في العراق. وبما أن عدم تجذير وتوسيع الثقافة الديمقراطية من منظور إسلامي في أوساط الجماهير المتعاطفة مع التيار الإسلامي عموما ومع الدعوة خصوصا بالدرجة المطلوبة حتى الآن يمثل عقبة في إنزال هذه الأفكار بشكل مفاجئ من غير ممارسة توعية جماهيرية على المواءمة بين الإسلام والديمقراطية، لا بد من اختيار لغة خطاب مناسبة تراعي الإشكاليتين المذكوتين، وتوفق بين ضرورة الإسراع الذي لا يتحمل الإرجاء في إنزال هذه الثقافة من جانب، وبين ضرورة التزام التدرج فيها من جانب آخر.

 

ضرورة انتخاب أمين عام بصلاحيات قيادية واسعة وفق ضوابط يتفق عليها:

 

بالرغم من أن هذا البيان لم يدرج هذه النقطة ضمن الملامح الأساسية للتيار، إلا أنه لا بأس من بيان الرأي فيها. إن من عناصر قوة أي تنظيم سياسي وجود شخصية قيادية على رأس هرم التنظيم، تجمع بين الرمزية والناطقية وقدر معقول من الصلاحيات، وذلك بدون إلغاء الصيغة الجماعية للقيادة والقرارات كليا، بل من خلال ضوابط - تتم مناقشتها وإقرارها - تضبط حركة الرمز القيادي الذي نريد أن نسميه بـ «أمين عام حزب الدعوة الإسلامية». وهنا لا بد من الاستفادة من إيجابيات التجربة الرائدة لـ «حزب الدعوة الإسلامية في العقود السابقة في تبني الصيغة الجماعية لقيادة الحزب، إضافة إلى سلبيات تجربة تصعيد بعض الرموز إلى مواقع في هرم الحزب كموقع الناطق الرسمي أو فقيه الحزب، هذا من جانب، كما لا بد من الاستفادة من إيجابيات تجارب الأحزاب والتيارات الإسلامية والعلمانية المحلية والعالـَمـِسلامية والعالمية في وجود رمز قيادي على رأس الحزب، وذلك من أجل إيجاد صيغة جديدة خاصة بـ «حزب الدعوة الإسلامية» ترعى خصوصياته وخصوصيات تجربته الذاتية، توفق بين الاستفادة من الإيجابيات المشار إليها، وبين تجنب مخاطر السلبيات المحتملة من جراء ذلك، والمختزنة في فكرة الأمين العام هذه.

 

خاتمة:

 

أخيرا لا بد من التفات القيادة الموقرة إلى الحقائق التالية وترتيب الأثر اللازم عليها:

 

1. إن هذا التيار يمثل وجودا واسعا في جسم الدعوة لا يجوز التغافل عنه وإنه يملك كل مقومات التشكيل لتنظيم جديد.

 

2. ينقسم أفراد هذا التيار في تعاطيهم مع إحساسهم بازدواجية قناعاتهم الشخصية العميقة ومسار الدعوة العام الذي يبتعد بدرجة يرونها ليست بغير ذات بال عن هذه القناعات إلى المواقف التالية:

 

أ‌) كثير منهم يعيش ومنذ أمد غير قريب بهاجس ترك التنظيم إذا ما وصل إلى نقطة اليأس من الإصلاح.

 

ب‌) كثير منهم يفكر بتأسيس تنظيم جديد ينسجم مع متبنياته بدرجة أكبر مما هو الحال عليه في وجوده داخل جسم الدعوة.

 

ت‌) كثير منهم سيبقى إلى إشعار آخر ولكن بحالة من عدم الانسجام مع جسم الدعوة ما زالت باقية على هذا النحو من مسارها وتعاطيها لاسيما مع القضايا السياسية.

 

 

 

لكل ما مر ندعو القيادة الجديدة أن تتعاطى مع هذه البيان ومع إخوانهم في التيار وأصحاب مبادرة تحرير هذه الورقة بروحية عالية من المسؤولية وسعة الصدر والموضوعية والجدية مما ينسجم مع موقعهم القيادي ومع خطورة المرحلة، فإننا في الوقت الذي ندعم موقعهم كقيادة منحناها ثقتنا بانتخابنا إياها، ونكون رهن إشارتهم، نطالبهم باستيعاب هذا التيار الواسع جدا في جسم الوحدة حفاظا على وحدة الدعوة الإسلامية أمانة الأجيال وأمانة الشهداء وأمانة الشهيد الصدر وأمانة العراق وأمانة الإسلام في أعناقنا جميعا، لنسير بها من خلال استيعاب ظاهرة التنوع في جسم الدعوة الواحد المتحد، لنحقق آمال أمتنا في هذا الإرث العظيم، «ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين»، «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، «واعتصموا بالله جميعا ولا تفرقوا»، «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين».

 

 

 

d.sh@nasmaa.com

 

 

 

بعد سقوط النظام - التاريخ غير مدون

Share this post


Link to post
Share on other sites

حان وقت الاعتذار للصديق جاسم المطير والمرحوم هادي العلوي

 

 

 

كتابات - ضياء الشكرجي

 

 

 

لعل البعض ما زال يتذكر الحوارات التي امتدت عام 2003 على صفحة كتابات حلقات طويلة وأشهرا عديدة بيني وبين المحاور ابتداءً والصديق انتهاءً جاسم المطير. يومها كان محاوري المبتسم – وهذا من مصطلحاته – وصديقي الأستاذ جاسم المطير قد بدأني في محاورة طروحاتي حول الديمقراطية بعد ما ظهرت وقتها بعمتي على قناة سحر في برنامج (قضية ساخنة)، حيث دار الحوار حول المواءمة بين الإسلام والديمقراطية، وذلك على ضوء ما كنت قد أطلقت ما أسميته في حينه بـ «المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي» في خريف 2002، والذي كان قد وقـّع عليه ما يزيد على السبعين شخصية إسلامية عراقية، فيهم الحزبيون وفيهم المستقلون، وتجسد في المُوَقـِّعين التنوع القومي والمذهبي، فكان هناك الكردي والتركماني إلى جانب العربي، وكان هناك السني إلى جانب الشيعي، واستوعب الكثيرين من الشخصيات المعروفة، والتي تراجع في التجربة الكثيرون منهم عن الأداء الديمقراطي تراجعا كبيرا للأسف الشديد. ودافعت في حواري كثيرا عن فكرة عدم التلازم بين الديمقراطية والعلمانية، وأوردت الكثير من الأدلة المتينة لعدم الفصل بين الدين والسياسة، مع إني توصلت في حواري مع الصديق جاسم المطير إلى مشترك جامع، حيث كان قد كتب في إحدى حلقاته التي حاورني من خلالها أنه لا يقول بالفصل بين الدين والسياسة، بل يريد الفصل بين الدين والدولة. ومن هنا كنا في الواقع في أكثر النقاط متفقين، ولكن أكثر ما اختلفنا عليه هو دعوى التلازم بين الديمقراطية والعلمانية التي كان محاوري يصر عليها، وكان في البداية يرد في ذلك على ما يقابل هذا الطرح، ألا هو الديمقراطية المشروطة بشرط الإسلام أو الديمقراطية الإسلامية، متوهما ابتداءً إن هذا يمثل رؤيتي، بينما كانت رؤيتي هو تبني الديمقراطية غير المشروطة أو غير المؤدلجة لا بإيديولوجية إسلامية ولا بإيديولوجية علمانية. وبهذا الصدد كنت في محاضرة في لندن قد طرحت خمسة بدائل لأنظمة الحكم، ألا هي ديكتاتوريتان وثلاث ديمقراطيات، ديمقراطيتان مشروطتان وديمقراطية غير مشروطة، فالديكتاتوريتان، إحداهما علمانية والثانية إسلامية، وخلصت إلى رفض كلا الديكتاتوريتين، ولا حاجة لإعادة مبررات الرفض التي ذكرتها في حينها، فهي بينة ومعلومة، وأما الديمقراطيتان المشروطتان، فإحداهما مشروطة بشرط العلمانية، وهذا ما كان يدعو إليه محاوري المطير ومعظم العلمانيين، والثانية مشروطة بشرط الإسلام، وهذا ما يدعو إليه أو يتمناه معظم الإسلاميين. وكنت في وقتها وما زلت طبعا أرفض كلا التقييدين للديمقراطية، وكنت أؤكد وجوب إفراغ الديمقراطية من أي محتوى إيديولوجي، إسلاميا كان أو علمانيا. وأذكـّر أيضا بطرحي فيما أسميته بزبدة الحوار، حيث قسّمت الدولة ذات النظام الديمقراطي إلى عناصر ثابتة وعناصر متحركة، فالعناصر الثابتة هي الدولة نفسها والدستور، بينما العناصر المتحركة هي الپرلمان والقانون والحكومة أو السلطة، وبينت مع ذلك بأن كلا من الثبات والتحول أو التغير نسبيان، لكن ما أسميته ثابتا هو ما يكون ثابتا نسبيا وعلى النحو العام، ويسمح بالتغير بشروط أكثر صرامة من شروط تغير العناصر المتغيرة، وكذلك المتغير فهو متغير نسبي لا يخلو من ثمة ثبات. ثم بينت أن العناصر الثابتة لا يجوز أدلجتها لا بالإسلام ولا بالديمقراطية، ولو أن الإسلاميين في اللجنة الدستورية أصروا على أدلجة الدستور أكثر مما يتحمله الدستور كعنصر ثابت، ولكن بالنسبة للعناصر المتغيرة (الپرلمان والقانون والحكومة أو السلطة)، فتحدثت عن جواز اصطباغها بصبغة إيديولوجية علمانية كانت أو إسلامية، باعتبار أن هذه الأدلجة غير ثابتة ولا يجب أن تكون دائمة، بل هي ممكنة التحول أو التغير من خلال آلية تداول السلطة سلميا، مما يعتبر من لوازم الديمقراطية، وأيضا من خلال إمكانية تغير المعادلة الپرلمانية. ولكن الصديق المطير كان يصر بشكل غير طبيعي على وجوب التلازم بين الديمقراطية والعلمانية، وهذا ما كنت أرفضه بقوة، وما زلت أعتقد ومن غير اعتداد بالنفس بأني كنت قوي الحجة ومدافعا جيدا عن متبنياتي، وهذا ما أيده الكثيرون حتى من الأصدقاء العلمانيين. إذن لماذا وعلى أي شيء أريد اليوم أن أعتذر من المطير. هل إني أسأت أدب الحوار معه، لا أبدا كلانا التزم بمستوى عال من أدب وأخلاق وموضوعية الحوار. إذن هل تحولت من إسلامي إلى علماني، كما يحلو للبعض أن يفسر تحولاتي السياسية، لأعتذر بعد اهتدائي العلماني عن زمن ضلالتي الإسلامية. من أجل توضيح المسألة أقول إن المشكلة تكمن أننا كمتحاورَين عندما كنا نتحدث عن الإسلام لم نكن نتحدث عن شيء واحد، بل كان هناك إسلامان، إذ كان يتحدث كل منا عن إسلام غير الإسلام الذي يتحدث عنه صاحبه. وبالتالي كان قولي صحيحا طبقا للإسلام الذي كنت أعنيه، وكان قول الأستاذ جاسم المطير صحيحا أيضا طبقا للإسلام الذي كان يتحدث هو عنه. فعلى ضوء افتراض أن الإسلام هو الإسلام الذي في ذهن المطير، لا بد من القول بعلمانية الدولة الديمقراطية، أما إذا كان الإسلام هو الإسلام الذي في ذهني، فلا بد من القول – لا أقول بإسلامية الدولة الديمقراطية ولم أقل ذلك يوما – بل بلامشروطية الدولة الديمقراطية إيديولوجيا. ولكني بعد التجربة للسنوات الثلاث الماضية في العراق لم أجد الإسلام الذي أختزن صورته في فهمي ووعي وأحاول أن أعكسه في فكري وخطابي، بل وجدت أن إسلام الإسلاميين أو إسلام معظم الإسلاميين هو حقا الإسلام الذي يخشاه المطير ومن قبله المرحوم هادي العلوي، وتقريبا كل العلمانيين، وبعض عقلاء ومعتدلي الإسلاميين، ما يخشاه كل هؤلاء على المشروع الديمقراطي، وعلى المشروع الوطني، وأقول وهو الإسلام الذي أخشاه على الإسلام نفسه. ومن هنا بدأت أرى مشروعية المطالبة بالتلازم بين الديمقراطية والعلمانية. ولكن إذا كان الإسلام إسلامَيْن وليس إسلاما واحدا، فمن الممكن القول – وهو قول حق - بأن العلمانية هي الأخرى علمانيتان، ومن الطبيعي أن العلمانية المتطرفة التي تحارب الدين لا يمكن أن تكون مقبولة، ولكن العلمانية المعتدلة العاقلة الديمقراطية التي تحترم عقائد ذوي العقائد، ومقدسات ذوي المقدسات، وهذا من لوازم الديمقراطية، فهي بلا شك أصلح للإسلام، وأنفع للوطن، وأضمن للديمقراطية، وأسلم للسلام، وأرضى للإنسانية، وأكثر انسجاما مع العقلانية والواقعية. وإذا كان إسلام الإسلاميين هو إسلام المزايدة بالمقدسات والرموز الدينية، وإذا كان هو إسلام الازدواجية، وإسلام تدين الشكل مع إهمال تدين الجوهر، وإذا كان هو إسلام تسييس الدين وتسييس المذهب، وإذا كان هو الرد على الطائفية المعلنة بطائفية مبطنة، وإذا كان هو إسلام الباطنية السياسية، وإسلام التأسيس لولاية فقيه غير مكتوبة، وإسلام التعصب والتشدد والتطرف والعنف والتعذيب والاغتيال والاحتراب على ثروات الوطن وموارد النفط، وإسلام الميليشيات، وإسلام شرعنة الفساد الإداري، إسلاما ينسق ويبرر التنسيق مع المخابرات الإيرانية، وإسلاما يقتل ويرعب ويتعسف ويقمع الفكر المغاير، إسلاما يمارس وسائل التعذيب الصدامية ضد المخالف السياسي، ويجبر المرأة المسلمة وغير المسلمة على الحجاب، ويسيس الجامعات ويحوّل الحرم الجامعي إلى حسينية تمارس فيها الشعائر الحسينية عبر كل الفصول والشهور، أو يحوّلها إلى مقرات لتيار كذا أو حزب كذا أو مجلس كذا، إذا كان إسلام الإسلاميين إسلاما يصبغ وزارات وزرائه بصبغة هذا أو ذاك الحزب، ويملأ مؤسسات الدولة بالمظاهر الصنمية، من صور بعمائم سوداء وأخرى بيضاء، ومن شعارات ولافتات وپوسترات، إذا كان هذا الإسلام إسلام الطلبة الإسلاميين المتحمسين لإسلاميتهم حماسا ينأى عن العقلانية ويهددون أساتذتهم وأستاذاتهم، إذا كان إسلاما يمارس أخلاقية البعثيين الصداميين ويلبس ممارسته البعثية الصدامية ثوب الدين وثوب القداسة، إذا كان إسلام الإسلاميين يعني ادعاء الالتزام بمبادئ الديمقراطية وإضمار الاعتقاد بأن الديمقراطية كفر وردة وانحراف، أو إنها سلعة أمريكية وافدة سنطردها بعد إنهاء الاحتلال وجلاء الأمريكان، أو إن الديمقراطية ليست إلا مطية لوصول الأكثرية المحرومة حتى الآن أي الشيعة إلى السلطة، ومطية لإيصال الإسلاميين والمعممين والمحنكات الموشحات بالسواد – مع احترامي لخيارهن الحر للباس - إلى الپرلمان وإلى السلطة، إذا كان هذا هو المعني بالدين وبالإسلام فلا بد من الفصل بين الدولة وبين هكذا دين، وإعلان الدولة العلمانية التي تحترم الدين غير المسيس. صحيح إن الدين من حيث المبدأ لا بد من أن يرعى السياسة، وإن المتدين سياسي بالضرورة، لأن عدم الاكتراث بالشأن السياسي، يعني عدم الاكتراث بالشأن العام، وبالتالي يعني الأنانية والاستغراق في الهم الشخصي دون الهم العام مما يتعارض مع التلازم بين التدين وإنسانية التوجه واجتماعية الهم والاهتمام، ولكن هذا لا يعني دعوى احتكار الحق، ولا يعني التثقيف بثقافة رفض بل وكراهة الآخر ولو غير المعلنة. وصحيح أيضا أنه من غير الصحيح أن نعمم هذا اللون من التفكير وهذا النوع من التعاطي مع السياسة والفكر على كل الإسلاميين، ولكن ما خيب أملي أني وجدت أكثرهم إما على هذه الشاكلة، أو منجرفين مع التيار العام الذي هو ليس إلا على شاكلة وتوصيف ما ذكر، بحيث كثيرا ما كنت أشعر بالغربة وسط أقراني الإسلاميين عندما كنت عضوا في الجمعية الوطنية على قائمة الائتلاف وعضوا في اللجنة الدستورية، وهذا الشعور بالغربة كان يجعلني في المقطع الأخير من عملنا في اللجنة الدستورية أمْيَلَ إلى الجلوس في جهة العلمانيين والأكراد، وكنت أقول للإسلاميين أو قل للائتلافيين مازحا، أصبحت أخافكم، ولذا أبتعد عنكم خشية أن تقمعوني بخطوطكم الحمراء. واليوم نجد الصراعات الحادة بين قوى الائتلاف في البصرة وفي العمارة وفي محافظات أخرى، مما يؤكد أن هكذا ائتلاف إيديولوجي طائفي لم يقم على أسس ديمقراطية وطنية صحيحة، ولا على أسس إسلامية صحيحة، وإنه يعيش على الأعم الأغلب أزمة نظرية، وأزمة أخلاق، وأزمة تقوى، حاشى منهم العقلاء والطيبين وهم ليسوا بقليلين ولكن للأسف غير مؤثرين. وبدأت حتى الأوساط الشعبية من الموالين للائتلاف يدركون اليوم بالتدريج الكثير من هذه الحقائق، ويُبدون سخطهم هنا، واستغرابهم، هناك وعدم فهمهم هنالك. وهذا ما يجعلنا نعيد النظر حتى في مدى صحة ما اتخذته المرجعية – مع كل إجلالنا واحترامنا لدورها الوطني والعقلاني الرائد - من موقف دعم وإسناد للقائمة، متوهمة أن في ذلك خدمة للطائفة المهددة من جديد. وهذا من جهة لا يخلو من صواب، لأن الطرف الآخر – لا تعميما بل تغليبا - كان ذا أداء طائفي خطير، واستخدم ما يسمى بالمقاومة (الشريفة) وأحيانا حتى اللاشريفة، واستخدم الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، وراهن على البعثيين وأبدى تعاطفه معهم، وأطلق مؤامرة طائفية ضد الأكثرية، ولذا رأت هذه الأكثرية أن من الواجب رص الصفوف رغم التناقضات لمواجهة الفعل الطائفي الموجه ضدهم، ولطالما كنت أقول لا يجوز اعتبار التحصّن من الفعل الطائفي كردة فعل على حد سواء مع الفعل الطائفي، ولكن أصحاب ردة الفعل ساووا في كثير من أدائهم أصحاب الفعل الطائفي، وإن تفاوتت النسبة، ولكن يبقى القتل على الهوية جريمة لا تغتفر، سواء قتل مئة أو ألف أو قتل عشرة. نعم فات هؤلاء أن مواجهة الطائفية لا تكون بطائفية في المقابل، بل بحشد كل الطاقات لإنجاح مشروع التحول الديمقراطي، وتبني قضية الوطن وجعلها على رأس قائمة الأولويات وفوق كل اعتبار. المهم إن الإسلاميين السنة والإسلاميين الشيعة هم أكثر من جعل مسيرة التحول الديمقراطي تتلكأ، بل وضعوها بصراحة على حافة هاوية الانهيار، وبصراحة أيضا لولا الإسلاميون في العراق لكان العراق بألف خير، ولتحقق للعراقيين خلال الثلاث سنوات الماضيات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وحتى سوء أداء الأمريكان، وتحوّلات الموقف وعدم وضوحه لديهم، وأحيانا ما يمكن تسميته بتآمر الأمريكان، يتحمل مسؤوليته الإسلاميون الشيعة بالدرجة الأولى، لاسيما المتأيرنون، ناهيك عن دور الإسلاميين السنة من سلفويين وطائفيين وبعثيين وصداميين، كل هؤلاء ولكن بالدرجة الأولى الإسلاميون الشيعة، بكل مسمياتهم بلا استثناء حتى أعلقهم وأكثرهم اعتدالا واستقلالية، هم الذين جعلوا الأمريكان يتخبطون كل هذا التخبط، ويعيدون النظر في أكثر تصوراتهم التي جاؤوا بها يوم أسقطوا الديكتاتورية وخلـّصوا الشعب العراقي من ذلك الليل المظلم والعهد الدموي. ومن يقول إن الأمريكان ليسوا أصحاب مشروع خيري جاؤوا من أجل سواد عيون العراقيين وحبا في إرساء أركان الديمقراطية في العراق وفي عموم المنطقة، أقول لست هنا بصدد تقييم نوايا ودوافع الأمريكان، بل بصدد تثبيت أن كل عاقل يدرك أن نجاح المشروع الديمقراطي يحقق أكبر خدمة للأمريكان ولعموم العالم الغربي، كما هو خدمة للعراقيين ولعموم المنطقة، فلندع نواياهم لهم، ولنقطف ثمار نتائج المشروع، بقطع النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا وإياهم في المنطلقات والنوايا والدوافع، ودعوتي للديمقراطية – كما هو معروف - انطلقت لأول مرة عام 1994 وليس في سنة إسقاط النظام أي عام 2003. المهم وبقطع النظر عن تقييم النوايا هو أن نصل إلى شاطئ نجاح المشروع الديمقراطي، وإذا خاف البعض من ديمقراطية (أمريكية)، فأقول له إن الديمقراطية بنت بيئتها، ولا يمكن للديمقراطية في العراق إلا أن تكون ديمقراطية عراقية، حتى لو تأمركت قليلا في بعض مفرداتها أو تأورپت، على قاعدة تلاقح وتكامل التجارب والحضارات الإنسانية «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا».

 

 

 

نعم أقول حان وقت الاعتذار من الأستاذ جاسم المطير ومن المرحوم المفكر هادي العلوي، الذي كتب لي على ضوء قراءته لكتابي «الديمقراطية .. رؤية إسلامية»، والذي ضمنته لاحقا في كتاب «مثلث الإسلام والديمقراطية والعلمانية»، وكان يعبر عن إعجابه بمعالجتي للموضوع ويرى فيها الأمل كرؤية إسلامية، ثم طرح مفهوما أسماه لاهوت التحرير، يدعو فيه الإسلاميين إلى التخلي عن إيديولوجيتهم السياسية، والاكتفاء بالجهاد من أجل تحرير الأوطان الاحتلال والاستعمار والديكتاتورية. في وقتها جادلته معترضا على طرحه هذا لأنه يطلب من الإسلاميين أن يضحوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير الأوطان ثم يتركوا الساحة السياسية لغيرهم ويتخلوا هم عن رؤيتهم وبرنامجهم السياسيين. في الواقع ما زلت أرى ما رأيت في مجادلتي تلك، ولكني أعتذر لأني كنت أتكلم دائما عن إسلام الجوهر وإسلام الصدق وإسلام العقلانية وإسلام الإنسانية، وهذا إسلام لم أجد له مصاديق على أرض الواقع، إلا بشكل محدود ومحدود ومحدود جدا وغير فاعل وغير نؤثر في المشهد السياسي بل والاجتماعي والثقافي. إذن نحتاج إلى مشروع العلمنة حتى يكتشف المسلمون لاسيما المتدينون بالمصطلح الديني أو العرفي، والإسلاميون بالمصطلح السياسي الإسلام في العمق والجوهر والصدق، ويعوا أن إسلام السطح والشكل والمزايدات السياسية والازدواجية ليس هو الإسلام المؤهل لأن يحكم الحياة. دعوها للمعصوم عندما يكون المعصوم حاضرا، ولأكن في هذا الأمر على ضوء وعي الواقع وعبر التجربة، وليس على ضوء النظرية في عالم التجريد، لأكن هنا حجتيا.

 

 

 

وقبل ذلك لا بد لنا نحن الإسلاميين الذين كنا يوما أصوليين – بالمعنى السياسي – ثم تعقلنـّا وتـَدَمْقـْرَطـْنا، لا بد لنا من أن نعتذر أيضا من الكثير من العلماء والمفكرين الذين كنا نرى فيهم انحرافا عن الإسلام، إسلامنا نحن الذي كنا نسميه بشتى المسميات كالإسلام الحركي، أو الإسلام الواعي، أو الإسلام الرسالي، أو الإسلام الثوري، أن نعتذر للسيد موسى الصدر، وللشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللسيد مهدي الحكيم، ولـ د. علي شريعتي، ولجمال الدين الأفغاني، ولمحمد عبده، ولمهدي بازرگان. فإنهم سبقونا في عقلانيتهم ولم نكن نفهمهم، فنحمد الله تعالى هدانا إلى المزيد من الاعتدال، وأقول المزيد، لأني شخصيا كنت أعيش دائما قلق البحث عن الاعتدال، وقلق النقد وقلق التصحيح، لكن ثقتنا الكبيرة بمفكرين مغيرين، وبأحزاب إسلامية عريقة، وبمرجعيات كبيرة، كانت تحول دون عبور ما كنا نتصوره من الممنوعات، لنستشرف ونستكشف إسلامنا المظلوم من أهله، لنكتشفه في عمقه وجوهره وصفائه ونقائه وإنسانيته وعقلانيته، وأقول وفي ديمقراطيته، ولنكتشف مساحات التلاقي بيننا وبين غيرنا من غرب مسيحي أو علمانية وطنية أو تيارات فكرية إنسانية، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وعذرا لكل من تصورنا أننا نتقاطع معهم تقاطعا حادا، فاكتشفنا مساحات اللقاء الواسعة وإياهم، نعتذر عن الأيام التي كنا نستحرم استخدام لفظة الديمقراطية ونتصور العلمانية سبة أو ردة وكفرا، وما زال الكثير من الإسلاميين اليوم يفكرون بمثل هذا التفكير، لأنهم لم يكتشفوا إسلامهم في العمق والجوهر، وهذا يمثل جهوليتهم بإسلامهم، أو أنهم لم يصدقوا التعاطي مع إسلامهم في العمق والجوهر، وهذا يمثل ظلوميتهم لإسلامهم «وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا»، ومن هنا نحتاج إلى أن نتحرى ملامح المدرسة النبوية «يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة»، فنقرأ الكتاب حق قراءته، ونتلوه على أنفسنا حق تلاوته، ونستنطقه ونستوحي منه بعيدا عن مناهج الاجتزاء والاقتطاع للنصوص، ثم ونزكي أنفسنا وننظفها ونطهرها من أراذل الأخلاق، ونتخلق بمكارم الأخلاق، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ونتحرر من الازدواجية، التي لم يدنها القرآن فقط عندما مارسها غيرنا فخاطبهم «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون؟»، بل أدان ممارستنا نحن المسلمين لها بلغة أعنف وأشد عندما قال سبحان «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما تفعلون»، ومع تزكية النفس وهذا هو الواجب الأهم الملقى على الإسلاميين، فالأزمة أزمة أخلاق وأزمة تقوى قبل أن تكون أزمة ثقافة وأزمة وعي، نعم مع التزكية لا بد لنا من أن نبدأ الآن نتعلم حق التعلم ونعيد صياغة ثقافتنا الإسلامية وثقافتنا الإنسانية، فنتعلم الكتاب أي النظرية الصحيحة، ثم نتعلم الحكمة أي دراسة ترجمة النظرية إلى الواقع من خلال التعلم من مدرسة الحياة والاستفادة من تجارب الشعوب عبر تجربة الإنسانية التاريخية وعبر تجربتها المعاصرة واستنطاق العقل أعظم نعم الله علينا. سنكتشف عندها الكثير الكثير من ملامح إسلامنا مما لم نكتشفه في الإسلام الذي فهمناه، سنكتشف ذلك في تجربة الغرب، وسنكتشفه في المسيحية واليهودية والصابئية والبوذية والزردشتية والإيزيدية، وسنكتشف الكثير من ذلك في الماركسية والوجودية، سنكتشفه في العلمانية، ونكتشفه في الديمقراطية التي سبق وأن قلت عنها أني فتشت عن الديمقراطية في الإسلام فاكتشفت الإسلام في الديمقراطية، وهذا يحتاج إلى شرح دقيق لما أقصده، بل عشقت الديمقراطية وأشكر الغرب المسيحي العلماني على هديته للإنسانية، أو قل هدية الله تعالى لها على يد الغرب، وأصبحت أتعامل معها - كما عبر عن ذلك الصديق حيدر سعيد - تعاملا عرفانيا، وعبرت شخصيا عن ذلك بأني أتعبد إلى الله بالديمقراطية، وهذا ما نويته في رمضان 2002 عندما كنت مشغولا بمشروع «المنتدى الإسلامي الديمقراطي العراقي» في ليالي القيام والعبادة والدعاء وتلاوة القرآن. فيا ليتنا نجد جسرا علمانيا يوصل الوطن والإسلام إلى شاطئ الأمان، فإني لأجد العلمانية السياسية المعتدلة العاقلة الديمقراطية أقرب إلى أطروحة المهدي عليه السلام من الإسلامية السياسية الأصولية المتشددة والواقعة في أسر تراكمات الموروث الثقافي، موروث إسلام الجاهلية القرشية التي حكمت بعد رسول الله (ص)، وموروث إسلام الأمويين والعباسيين والعثمانيين والصفويين، وموروث إسلام الإخوان المسلمين وحزب التحرير وحماس والجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية وإسلام الثورة الخمينية، المتمثل اليوم بإسلام حزب الله، وإسلام المراجع المتسيسين الثوريين، والمراجع التقليديين اللامتسيسين، وموروث إسلام منبر العزاء الحسيني غير الواعي المستغرق في العَبرة دون إدراك العِبرة، وإسلام الحوزة العلمية التقليدية التي كانت في غاية الدقة في شرح تبعات الحيض والاستحاضة والتشقيق بين كل أنواع الاستحاضة الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وأهملت البعد الأخلاقي والبعد العقلاني والبعد الإنساني للإسلام، موروث وإسلام العرف العشائري، وإسلام العجائز، وإسلام الخرافة أو الغلو، أو الاستغراق في الغيبيات، أو في شكليات التدين مع إهمال جوهره. المهم ألف وأربع مئة سنة مضين والآن سنبدأ توا باكتشاف إسلامنا، إذن نحن ما زلنا في طور التعلم والتعرف والتبين والاطلاع، ومن كان في طور التعلم، لا يمكن له أن يقود الأمم ولا أن يكون شاهدا على الأمم، بل ليتعلم ممن سبقه في تجربته، حتى يفهم ما معنى «خير أمة أخرجت للناس» وما هو مفهوم «لتكونوا شهداء على الناس» وما هو تفسير «يدعون إلى الخير». وحتى اكتشافنا لإسلامنا في الجوهر، لنستفد من تجربة العلمانية الديمقراطية الغربية العقلانية المعتدلة الرائدة، ولا نكابر من التعلم ممن سبقنا، فهم يعترفون أيضا بما تعلموه منا في مراحل سابقة من التاريخ ولا يكابرون. وأجدد اعتذاري لصديق جاسم المطير، مع إني كنت قوي الحجة في حواري من الناحية النظرية المجردة، ولكني كنت أميا في قراءة واقع المسلمين، وبدأت توا أتهجى أبجدية هذا الواقع، كما أعتذر لروح المرحوم هادي العلوي الذي لم أفقه أطروحته إلا بعد الاكتواء بنار التجربة، والحمد لله الذي جعل تجربة الحياة كتابا تعلمنا فصوله يوما بعد يوم المزيد من المعرفة الإنسانية النافعة، وجعل معه كتاب العقل المتأمل المتدبر المتفكر، ليكون هذان الكتابان مفسرين لكتاب الله سبحانه وتعالى.

 

 

 

d.sh@nasmaa.com

 

 

 

05/06/2006

 

فيا ليتنا نجد جسرا علمانيا يوصل الوطن والإسلام إلى شاطئ الأمان، فإني لأجد العلمانية السياسية المعتدلة العاقلة الديمقراطية أقرب إلى أطروحة المهدي عليه السلام من الإسلامية السياسية الأصولية المتشددة والواقعة في أسر تراكمات الموروث الثقافي، موروث إسلام الجاهلية القرشية التي حكمت بعد رسول الله (ص)، وموروث إسلام الأمويين والعباسيين والعثمانيين والصفويين، وموروث إسلام الإخوان المسلمين وحزب التحرير وحماس والجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية وإسلام الثورة الخمينية، المتمثل اليوم بإسلام حزب الله، وإسلام المراجع المتسيسين الثوريين، والمراجع التقليديين اللامتسيسين، وموروث إسلام منبر العزاء الحسيني غير الواعي المستغرق في العَبرة دون إدراك العِبرة، وإسلام الحوزة العلمية التقليدية التي كانت في غاية الدقة في شرح تبعات الحيض والاستحاضة والتشقيق بين كل أنواع الاستحاضة الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وأهملت البعد الأخلاقي والبعد العقلاني والبعد الإنساني للإسلام، موروث وإسلام العرف العشائري، وإسلام العجائز، وإسلام الخرافة أو الغلو، أو الاستغراق في الغيبيات، أو في شكليات التدين مع إهمال جوهره. المهم ألف وأربع مئة سنة مضين والآن سنبدأ توا باكتشاف إسلامنا، إذن نحن ما زلنا في طور التعلم والتعرف والتبين والاطلاع، ومن كان في طور التعلم، لا يمكن له أن يقود الأمم ولا أن يكون شاهدا على الأمم، بل ليتعلم ممن سبقه في تجربته، حتى يفهم ما معنى «خير أمة أخرجت للناس» وما هو مفهوم «لتكونوا شهداء على الناس» وما هو تفسير «يدعون إلى الخير». وحتى اكتشافنا لإسلامنا في الجوهر، لنستفد من تجربة العلمانية الديمقراطية الغربية العقلانية المعتدلة الرائدة، ولا نكابر من التعلم ممن سبقنا، فهم يعترفون أيضا بما تعلموه منا في مراحل سابقة من التاريخ ولا يكابرون

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...