Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
salim

العقل بين الأخلاق والوجود

Recommended Posts

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/9/176830.htm

 

معركة العقل في الفكر الذي ينتجه العقل! (1)

GMT 15:00:00 2006 الخميس 14 سبتمبر

غالب حسن الشابندر

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

مقدمة المقدمات

 

قال الفيلسوف الألماني الإنساني الجميل (هابرس ماس) في أحدى لحظات يقظته الشرسة (أن المسألة الأساسية في ا لفلسفة هي العقل)، وما زال وسوف يبقى!

نتحدث عن العقل الإنساني بطبيعة الحال، أي عقلي وعقلك وعقله وعقلها، العقل الذي نتوسل به لحل مشاكلنا، ونتوسل به لحل معضلات الكون، ونتوسل به لتحليل النصوص، ونتوسل به على الاستنتاج والاستقراء، نتوسل به لاكتشاف التناقضات، ونتوسل به لوضع النظريات الرياضية والمنطقية والفلسفية، ذلك أن الملائكة عقل خالص كما تقول الأديان، والله عقل كما يقول اللاهوت، وكل مجرد هو عقل كما تقول الفلسفة العقلية القديمة وربما الحديثة أيضا.

إنه عقل الإنسان سواء كان مكتشف النظرية النسبية أو ذاك المشغول بهمه اليومي، يكافح من أجل قطعة خبز بائسة يسكت بها صرخة جوع ظالم، أو خرقة قماش يستر به عورة مستهلكة.

ذلك هو العقل!

ولكن لماذا؟

لماذا كان العقل ــ الإنساني ـ وما زال وسيبقى هو المسألة الأساسية في الفلسفة؟

هل هو كلام عن طبيعة التفكير؟

هل هو كلام عن طرق التفكير؟

هل هو كلام عن مراحل الانتقال من المعلوم إلى المجهول؟

هل هو كلام عن المجرد وغير المجرد؟

هل هو كلام عن العلاقة بين المعقول الذهني والموجود الخارجي؟

هل هو كلام عن معايير الصحة والخطأ؟

هل هو كلام عن تلك المعلومات الفطرية التي يدعيها بعض الفلاسفة؟

الأسئلة تطول... تتعقَّد... تتناسل... تتفرع... يحاسب بعضها بعضا، يدحض بعضها بعضا، أنها أشبه بغابات وعشائر ومدن وقرى وتقاليد وأسرار ومحرمات (كارسيل) في روا يته الشهيرة الساحرة المذهلة (مائة عام من العزلة)!

أين هو محل الكلام؟

أين هي المعضلة؟

الحديث عن العقل ــ الإنساني ــ مغامرة مجنونة، مغامرة مخيفة ، مسألة شاذة، لأنها تنطوي على وضع شاذ، عصي على التصور والمعقولية ، عصي على التحليل الذي يؤدي بك إلى نتيجة دافئة، تتعامل معها باطمئنان، ترتاح إليها، تؤمن بها بشجاعة وأنت تمارسها في أعمالك الفكرية والفلسفية الأخرى.

هي مسألة العقل، ولكنها عصية على العقل ذاته...

أليس ذلك شيء غريب؟

فنحن بالعقل نجري عمليات التحليل والتركيب، وبالعقل نستنج ونقيِّم ونحكم، وبالعقل نختصم و نتخاصم، وبالعقل نحل المسائل الرياضية، وبالعقل نشيد ا لمعمار الفلسفي..

أليس كذلك؟

فكيف يعطبُ العقل هنا؟

بل كيف يعطب من الولوج إلى أقرب الأشياء إليه؟

إن أقرب شي إلى العقل هو العقل ذاته، أقرب الإشياء إلى العقل هو العقل نفسه ، ولكن في نفس الوقت أبعد شي عن منال العقل هو العقل ذاته!

هل ذاك إلا سر الله؟

فالله أقرب إلينا من حبل الوريد، ولكنه سبحانه وتعالى هو أبعد ما يكون البعد من أن نعرف كنهه ... كيفية عمله... ذاته...علمه... بل كل صفاته...

ألم تحر فيه العقول؟

كذلك حارت العقول في العقل.

الحديث عن العقل بالعقل، هنا مكمن السر، هنا ينبثق السؤال بعد السؤال، ترى أين هي الذات وأين هو الموضوع؟

أين هو العقل وأين هو المعقول؟

أين المنعكس والمنعكس عليه إذا كانت عملية التفكير هي مجرد انعكاس الواقع على لوحة الذهن كما تقول المادية في المعرفة ؟

بل كيف يعرف العقل تاريخه وهو لم يمثل أمامه في هذه اللحظة؟

لا نريد الحديث بداية عن التفكير بالعقل، بل التفكير في العقل، وفارق كبير بين الأفقين، هناك نتحدث عن العقل كحركة، عن نشاط العقل، عن جولاته وصولاته في الكون والحياة والمادة واللغة ، فيما هنا، نتحدث عن العقل بالذات، في بنيته، في تضاعيفه، في هويته، في عالمه الخاص، في ملكوته، في جبروته، في صفحاته ومكوناته ـ والكلام هنا مجاز ــ نتكلم أسراره.

يغيب الحديث عن التفكير (في) العقل كما هو، فيما يسيطر الحديث عن التفكير (بـ) العقل، هناك ذات، وهنا حركة، هناك بنية، وهنا نشاط، وفارق ضخم وعميق وجوهري بين الموضوعين.

 

#################################################################

 

 

 

 

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/9/179825.htm

ثلاث نماذج من التفكير ومسألة العقل

GMT 13:45:00 2006 السبت 16 سبتمبر

غالب حسن الشابندر

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

العقل (2)

 

 

في خضم الإبحار الفلسفي في عالم العقل وقضاياه يطرحون نموذجين من التفكير، الأول هو التفكير (في العقل)، والثاني هو التفكير (بالعقل) وكما قلت : أن التفكير (في العقل) يجعل من العقل موضوع التفكير، مشكلة التفكير، العقل هنا مسلَّط على العقل، على ذاته، على هويته، على بنيته. فيما النموذج الثاني يتحدث عن العقل كأداة تفكير، عضو تفكير ــ قد يكون هنا تسامح في التعبير لأسباب سوف نتبينها لاحقا إن شاء الله تعالى ــ وهناك نصوص فلسفية قديمة ونصوص فلسفية حديثة تمجِّد وتُعلي وتصعِّد من قيمة التفكير (في العقل)، تعتبره أكثر معقولية، وأسمى مستوى من التفكير (بالعقل)، أي إنَّ التفكير (في العقل) الذي هو أقرب للبحث الأنطولجي أهم وأشرف وأعظم من التفكير (بالعقل) الذي هو أقرب للبحث الأبستمولجي، الأول تفكير في الوجود، فالعقل المبحوث عنه هنا موجود، كائن موجود. والثاني تفكير في المعرفة، لأن التفكير (بالعقل) تعبير عن ممارسة العقل لوظفيته الحياتية، التي هي التفكير في الكون والطبيعة واللغة والحياة والافكار وغير ذلك، تحليل الوجود وتركيب المعارف.

يقول الدكتور الجابري في كتابه تكوين العقل العربي (التفكير في العقل درجة من المقولية أسمى بدون شك من درجة التفكير بالعقل) / المصدر ص 18 / والمعقولية هنا تعني التجريد كما يبدو لي، وبهذا يكون معنى أسمى معقولية هو أكثر تجريدا، والحال لا فرق بين المعنوي والمحسوس حينما يدخلان عالم التجريد الذهني، فالحب الذي هو معنوي، والكتاب الخارجي الذي هو مادي، كلاهما على درجة واحدة من التجريد حينما يتحولان إلى صور معقولة في الذهن. فكل معقول مجرد كما تقول الفلسفة العقلية، والتجريد هو تجريد، يأبى على التصنيف على شكل درجات، أو مراتب، أو طبقات. أو يعني بقوله هذا أن التفكير (في العقل) أشرف من التفكير (بالعقل)، وربما مسوغه في هذا الحكم، أن العقل هو مصدر المعارف، وأشرف مكونات الكائن الإنساني كما هو متعارف. وقد يعني أصعب وأعسر وأشق، ومهما كان مراد المفكر الكبير، تبقى العبارة غامضة، إذ لم يبين مبررات هذا التفضيل في المعقولية، وسوف نتعرض لذلك مفصلا في فصول قادمة إن شاء الله في هذه النقطة بالذات. بل أن أحمد أمين وهو مؤرخ يقول (النظر بالعقل في العقل هو الفلسفة على وجه التحقيق) / نقلا عن المفكر الطرابيشي في نقده للجابري / وهو كلام مؤرخ.

ولكن التفكير (في العقل) يتم بـ (العقل)، ومن هنا تشخص مفارقة كبيرة، حيث يتبدى لنا التفكير (بالعقل) هو المرجع، وهو المآل، فعالم (في العقل) يحتاج إلى (بالعقل)، نقتحم العقلَ بالعقلْ، فأيهما يحوز على شرف السبق بالاهتمام والرعاية والبحث والتواصل؟

ولكن هل للتفكير (في العقل) من المزايا والفوائد والعطائات ما يترك أثره الجوهري والكبير على عمل العقل في الطبيعة والوجود والحياة واللغة والرياضيات والعلوم؟

لم أجد ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد، فهذا أنشتاين أخرج لنا النسبية، ولكن هل إنطلق وهو يفكر بـ (عقله) من تفكيره في (عقله)، وبالتلي كان له هذا العطاء الكبير؟

وأي منا ينطلق وهو يفكر بـ (عقله) بعدما مر بجولة عسيرة من التفكير (في عقله)؟

هؤلاء عباقرة الرياضة والفيزياء والطب، لم يسجلوا لنا في مذكراتهم أنهم إنما أبدعوا هذا الإبداع بسبب جولاتهم الفلسفية والتأملية (في العقل) أولا، ومن ثم فكروا بـ (عقلهم).

ليس هناك مرحلتان في الجهاد العلمي لهؤلاء الأفذاذ، الأولى كانت (في عقولهم) والثانية كانت (بعقولهم) بل هم أخترقوا المجهول بعقولهم مباشرة، وفق شروط البحث العلمي، وبالاستعانة بالتقنيات المتوفرة لهم، وبتشجيع من روحهم الكبيرة.

ما هي النتائج التي توفرت لنا بعد أن جال بعض الفلاسفة (في العقل)؟

تلك قضية أخرى سوف يأتي وقتها إن شاء الله تعالى، حيث نسلط الضوء على هذه النتائج المزعومة منذ زمن الأغريق وحتى هذا التاريخ إذا سمحت الأيام.

النموذج الثاني من التفكير هو التفكير (بالعقل)، فالعقل هنا آلة، ألة تفكير، بصرف النظر عن صحة أو دقة الاصطلاح، من حيث البساطة والتركيب، لأن بعض المدارس ترى أن العقل كائن بسيط.

ليس من شك أن كل التراث الحضاري الإنساني هو نتاج (التفكير بالعقل) وليس نتاج التفكير (في العقل)، ليس في ذلك شك، فأن التفكير بالعقل هو الجانب التطبيقي للعقل، الجانب الأداتي، هو معركة الإنسان ضد الطبييعة، هو معركة الإنسان في اقتحام المجهول،هو معركة الإنسان في تأنيس الطبيعة، وهو أيضا أداة الإنسان للتفكير (في العقل) ذاته!!!

هل هناك مجال للمفاضلة؟

يرفض بعضهم منطق المفاضلة، لسبب بسيط، ذلك أن لكل من التفكيرين مجاله وطبيعته وربما أدواته، فهي اشبه بالمفضالة بين مهندس وطبيب، فيما يصر بعضهم على هذه المفاضلة، مقدما التفكير (في العقل)، على التفكير (بالعقل)، ويضطربون في مادة المفاضلة، هل هي شدة التجريد؟ أم هي النتائج على صعيد الواقع؟أم هي اللذة الروحية؟ أم هي الجرأة في الطرح؟ أم هي شي لا هذا ولا ذاك؟

وفي تصوري أن التفكير في ذات العقل مثل التفكير في ذات الله سبحانه، حيث لم يجلب غير المتاعب والمصاعب، وقد أستغرق العمق الزمني للإنسان المسلم واللاهوتي بشكل عام.

هل حقا يتحرر العقل من ذاته عندما يودع مضمونه العلمي ويغرق في لجته الخاصة؟

هل حقا يتحرر العقل من سلطته على نفسه عندما يغمض العين عن المفاهيم الطبيعية والمنطقية والفسلفية وينغمس في بحره اللجي الخاص؟

لست أدري، ولكن الذي أدري أن العقل حتى إذا قرر أن يلج ذاته، إنما بذاته؟ وبالتالي، يفكر في ذاته بذاته، فتعود سيطرة الآلية على الذات، سيطر هنا التفكير (بالعقل) على (التفكير في العقل)

وهناك نموذج ثالث في التفكير، ذلك هو التفكير في المفاهيم، فالعقل بحر من المفاهيم، بحر متلاطم الأمواج، هناك المفاهيم الطبيعية التي هي واسطة التفكير بين العقل والوجود، منها مفاهيم فيزيائية (الكتلة، الضوء، السرعة) ومنها كيميائية ومنها جغرافية، وهكذا، وهناك المفاهيم المنطقية، مثل الكلي والجزئي، مثل الأمكان والوجوب والامتناع، وهناك المفاهيم الفلسفية مثل العلة والمعلول، الشدة والضعف، وغيرها، وبصرف النظر عن صحة هذا التقسيم، وبصرف النظر عن صدق هذه المفاهيم وطبيعة العلاقة بينها وبين الوجود والعلاقة بين بعضها البعض، فإن العقل يفكر بهذه المفاهيم، يفكر بها كأداة، ويفكر بها كمضمون، فما هي خصائص هذا النموذج من التفكير؟

نلتقي في الحلقة الثالثة.

 

 

 

 

العقل بين الأخلاق والوجود / 3

GMT 11:30:00 2006 الثلائاء 19 سبتمبر

غالب حسن الشابندر

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

يطغي الطابع الأخلاقي على معنى العقل في المعاجم العربية، بل في الثقافة العربية، ففي المعجم العربي يشتبك العقل في علاقات دلالية قوية مع الحَجر... النًهى... الحبس... المنع... الثبات... وبهذا يهيمن المعنى (الأكيلوجي) والعملي على العقل، فيما يغلب الطابع (الأنطولوجي) أي الوجودي على معنى العقل في المعجم اللاتيني، أو بالأحرى الثقافة اللاتينية، فهو يدل أو يشتبك بعلاقات قوية مع النظام... العلة... المبادئ الأولى للفكر بزعم الفلسفة العقلية في المعرفة... الأساس... وبالتالي، ليست النزعة (الانطلوجية) وحدها هي التي تطغي على هذا التصور للعقل في هذه الثقافة، بل كذلك هناك ا لنزعة الإبيستمولوجية (المعرفية)، وبلا شك لكل منهما دلالة، دلالة في حد ذاته، ودلالة لما ينطوي عليه من آثار فكرية وروحية ومعرفية في محيطه ومجاله وميدانه.

 

بين المعنى الأخلاقي و العملي للعقل من جهة وبين المعنى الوجودي للعقل من جهة آخرى مسافات بعيدة، أن أحدهما ليس سليل الأخر، ولا هو في عَرْض الآخر...

تُرى هل ذاك تعبير مُستحدَث عن العقل العملي والعقل النظري ؟ باعتبار أن موضوع الأول ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون (الإيفاء بالوعد، المعاملة بالصدق، ضرب اليتيم، سلب حق العمال والفلاحين) مستندين إلى قاعدة العقل العملي الأولى (ا لعدل حسن، الظلم قبيح) كما يدعون، فيما موضوع الثاني هو البديهيات التصورية والنظرية ... التصديقات الأولية... القضايا التي تحتاج إلى براهين (الله موجود، الذرة مركبة...) وغيرها من قضايا لا يمكن حصرها ولا من طبيعتها الحصر.

هذا ونحن هنا نستعير المعمار الأرسطي في المنطق.

 

لا نكتشف سرا إذا قلنا أن القرآن الكريم أعطى للعقل نفحة وجودية ومعرفية، فضلا عن نفحته الأخلاقية العملية السلوكية التي هي أساس النظر الثقافي العربي للعقل.

الكتاب الكريم يدعو إلى تشريح الظواهر الطبيعية من أجل الوصول إلى الله، هذه حقيقة واضحة في آيات الكتاب الشريف، لا يجادل في ذلك إلاّ مغال، وقد بسطتُ القول بذلك في كتابي (نظرية العلم في القرآن الكريم) هناك دعوة إعمال لجهاز معين في الإنسان في مادة الكون، هذا الجهاز هو العقل، اللب، القلب، وهذه المادة هي الجبال والرياح والإنسان حيث سمّاها القرآن بـ (الآيات)، أو إعمال قواعد عقلية معينة على المادة أو الموضوع، أي الكون والحياة والفكر واللغة وغيرها.

القرآن الكريم إذن طور مفهوم العقل، أدخل عليه تطورا، أو بالأحرى ابتدع مفهوما آخرا للعقل بجوار مفهومه الأخلاقي المعرفي المعياري، والأولى من ذلك القول أنه أقر ــ فيما أقر ــ بـ (عقلٍ) غريزي موضوعي العقل كحقيقة، يمارس تشريح الطبيعة، والربط بين المفاهيم، وتوليد المقولات، وحل المشاكل العلمية والفلسفية والوجودية.

وفي خضم المعركة الفكرية الطويلة التي مرت بها التجربة الإسلامية يمكن القول ــ وليس على سبيل الإطلاق ــ أن هناك ثلاث صور أو ثلاث حالات، أو ثلاث صيغ أستقر عليها النص الإسلامي في تعريف العقل هي باختصار شديد: ـ

الأول: الأداة العضوية أو الغريزية أو الروحية في الإنسان التي يدرك بها الأشياء، أو التي يمارس بها عملياته من تحليل وتركيب واستنتاج وبرهان على الطبيعة والتاريخ والأفكار، وهو المسئول عن الربط بين المفاهيم واستخراج الجديد من النصوص المتوفرة لديه، فـ (العقل) آلة الفكر كما يوضح أصحاب هذه التسمية. أي هو جهاز الإدراك الذي تكون في خدمته الحواس، وربما يعبر بعضهم عنها بـ (الطاقة الإدراكية) وإن كان هناك فارق دقيق بين الطاقة والآلة بطبيعة الحال، وقد يطلق عليها بعضهم (ملكة)، وهو الأخر تعبير قد لا يتطابق بالكامل مع مصطلح آلة ومصطلح جهاز، وفي نصوص أخرى يعبر عنها بـ (قوة الإدراك)، وبعضهم يسميه (نور) وكل تسمية من هذه التسميات لها ظروفها ومسوغاتها ومبرراتها، وسوف يكون من المفيد بل من الغنى الفكري العظيم تحري المبررات، وا كتشاف تاريخ التسمية وتطوراتها.

الثاني: ما ينتجه العقل نفسه من فكر، من معرفة حول الوجود والتاريخ والحياة، فهذه الحصيلة من المعرفة تسمّى وما زالت تسمَّى في النص الإسلامي أو بعضه (عقلا)، وليس هذا بعيداً عن الثقافة الغربية، فنحن نقرأ العقل (الماركسي) و العقل (الوجودي) والإشارة هنا إلى المنظومة الفكرية أو إلى ما أخرجه لنا عقل ماركس وحواريوه من فكر، وذلك كما كان يُعلَّمْ الذي أنتجه المتكلم الإسلامي السني الأشعري بـ (العقل الأشعري)، وقياسا على ذلك العقل (المعتزلي) والعقل (الشيعي). وقد أختط لهذه التسميات صيغة جديدة هي (الخطاب) وهكذا، وربما يقول الإنسان منا (هذا هو عقلي) ويعني ما يطرحه من تصورات ورؤى وأفكار، وبالتالي، هذه التسمية قد تكون جارية على الألسن العامة أيضا، ولكن هل يطلق بهذا المعنى على النظريات الفيزيائية والفلكية والرياضية ؟ كأن يقال (العقل الرياضي) أو (ا لعقل الفيزيائي)، أو (العقل التاريخي) ؟

لم أعثر في حدود إطلاعي على مثل هذا المنحى، فيما يشيع هذا الاستعمال على الفكر العقدي والسياسي والاديولجي بشكل عام، ولكن قد يُقال مثلا (العقل الفيزيائي) في حالة التفكير فيزيائيا في نشأة الكون، أو فيزيائيا في تفسير الحركة، وهكذا قد يقال مثلا (العقل الرياضي) ويقصد من وراء ذلك التفكير بطريقة رياضية من خلال التعامل مع مشاكل الحياة أو بعض مسائلها، أي يستخدم المعادلات الرياضية، أو ما يمت بصلة إلى علم الرياضة، أو كإشارة كنائية إلى دقة التفكير وضبط المواقف.

الثالث: مجموعة القيم المعيارية التي اتفق عليها (العقلاء) كما يقولون، والنصوص الإسلامية غزيرة في هذا الاستعمال، حتى تكاد تطغي على أي استعمال آخر، خاصة النصوص ذات الجذور الشرعية، مثل القرآن الكريم وما ينسب إلى الرسول وآل البيت، كما سوف نأتي على تفصيله، وهو هنا على الضد من الحمق والسفه والطيش، وهو منحوت أصلاً من الينبوع المعجمي، يحاول صاحب (العين / الفراهيدي) أن يدمج بين النزعة المعجمية والثقافة التي حصلت في زمانه ليقول (والعقل مجموع علوم لأجلها يمتنع الحي من كثير من المقبحات ويفعل كثيرا من الواجبات،وإنما سميت عقلا لأنها تعقل عن القبيح... وقال علي بن عيسى:العقل هو العلم الذي يزجر عن قبيح الفعل ومن كان زاجره أقوى فهو أقوى... / راجع 1 / ص 241، 251 من الكتاب ـ). ونلتقي بعشرات النصوص المسلمة هنا للتعبير عن هذا المعنى للعقل، بحيث يتيه الباحث كيف ينظمها وكيف يشكل منها لوحة متسقة، حتى إن هيئة الإنسان التي تراعي متطلبات الوقار، وتخرج على الآخرين بما يحمد في مجتمعه الديني من سلوك وتصرفات تُسمِّى (عقلا) كما هو في تعبير الغزالي.

وفي الحلقة التالية سوف نستعرض مسهبا تعريفات (العقل) مع منا قشتها باختصار، إذا ما سعفني الوقت، ولم تشرع آلامي بزيارتي مرة أخرى.

Ketab_1@hotmail.com

 

 

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/9/177785.htm

Share this post


Link to post
Share on other sites

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/9/178320.htm

 

أنْ يعقل (العقل) ذاته... كيف؟

GMT 5:15:00 2006 الخميس 21 سبتمبر

غالب حسن الشابندر

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

موضوعة العقل 4

 

 

كنت قد وعدت القراء الكرام أن أتحدث لهم عن تعريف (العقل) في هذه الحلقة، وهو موضوع سوف يستغرق منا أكثر من حلقة، وأملي أن أسهب بذلك بإذن الله تعالى، ولكن إرتأيت أن أتحدث قبل ذلك عن قضية مهمة ألمحت لها خاطفا، تلك هي(عقل العقل)، أو بعارة أخرى (أن يعقل العقل نفسه)، وهي أم المباحث كما يصورها بعض المفكرين والدارسين في موضوعة العقل على الصعيد الفلسفي.

كنت قد قرأت لفيليوف لبناني هو كما الحاج رحمه الله في تفسيره وتوضيحه لبعارة ديكارت المشهورة(أنا أفكر فأنا موجود)، بان الفيلسوف الفرنسي ينطلق في هذه القاعدة من قاعدة أعمق، قاعدة خفية، تلك هي (إني أفكر بأنني أفكر)، ويُنْسَب للقديس الكاثولوكي أوغسطين قوله (أني أفهم بأنني أفهم)، وهناك عبارة (وعي الوعي)، وفي تصوري أن كل هذه الصيغ تعبر عن قولنا (علم الذات بذاتها)

يقولون : العقل يعقل ذاته، بدليل أن العقل طالما يسأل عن هويته، ويسأل عن وظيفته، ويسأل عن كيفية مسيره، بل ويسأل عن أصله ومآله. مع ملاحظة دقيقة جدا، أن إدراك العقل لذاته، لا يعني بالضروة أن تكون نتيجة هذا الإدراك صحيحة، أو مطابقة للواقع، هذه نقطة جديرة بالانتبا ه.

والآن ما هي حيثيات وخصائص ومشاكل وملابسات (عقل العقل)؟ أو بعبارة أكثر دقة (تعقل العقل)؟

يقولون : أن أي عملية إدراك أو تعقل تستدعي أحضار ثلاث حقائق، الأولى هي العقل، أي أداة الإدراك، والثانية هي المدرَك كأن يكون جبلا أو كتابا أو بديهة أو نظرية هندسية، وأخيرا يجب الإشارة إلى عملية الإدراك (التعقل) نفسها، رغم أن في ذلك نقاش سوف ناتي عليه، ولكن لنمضي ما يقولون...

والسؤال هنا، هل عملية (عقل العقل) أو (إدراك العقل لذاته) تستدعي هذا المثلث من الحقائق، أي مُدرِك ومدرَك وإدراك، كما لو أننا أدركنا جبلا على سبيل المثال؟

يقولون : لا...

والسبب بسيط للغاية، ذلك إن العقل ليس بصدد إدراك موجود خارج حريمه بالذات، كأن يكون جبلا أو جدارا، أو نهرا، وليس بصدد إدراك مفهوم طبيعي أو مفهوم منطقي أو مفهوم فلسفي تشكل عبر سلسلة من التحولات ا لدقيقة، إنه بصد

إدراك ذاته، ذاته فقط، وبالتالي هو الذات والموضوع، هو المدرِك وهو المدرَك، هو العاقل والمعقول، وذلك من كل الجهات، ويؤتى بالتعدد اللغوي لأجل الإيضاح ليس إلا.

إن العقل حاضر في وعائه، إن العقل حاضر لدى العقل، فلا أثنينية هنا أبدا، هناك إتحاد بين العاقل والمقعول، وهو ليس على صيغة إتحاد العاقل والمعقول والعقل في ظروف إدراك الموجودات والأشياء وا لمفاهيم الاخرى، ذلك أن المدرَك والمدرِك واحد.

القل يعي ذاته...

العقل منكشف لذاته بذاته...

لو تمكنا من إنطاق النور، هذا النور العادي، وقلنا للنور ما يلي : أيها النور، أنك وسيلتنا للعثور على مفتاح خزانة الكتب الضائع ــ خزانة كتب وليس فلوس ــ نستعين بك للعثور على الكتاب المفقود بين رفوف المكتبة، ولكن أي مصدر هو الذي ينوِّرك؟ أي مصدر أو أي شي هو الذي أضفى عليك النوريِّة؟ ما الذي يكشفك لنا؟ ما الذي يخرجك من الخفاء إلى الظهور؟

سوف يجيب النور : أن هذا السؤال سالب، لا موضوع له، أنا نور،أنا نور بذاتي، منكشف بذاتي لذاتي، ليس هناك من يكشف عني، بل أنا منكشف لذاتي، بل أنا عين الإنكشاف.

هكذا وعي العقل للعقل...

أنه إنكشاف، هو إنكشاف العقل للعقل، بل إنكشاف العقل بالعقل، والأروع حضور العقل للعقل، فهو عين الإنكشاف، لم يكن هناك جهل ثم تحقق علم، بل هناك علم، علم ذاتي، فالعقل غير مجهول للعقل، بل هناك حضور للعقل في صقع ذاته، أن تعقلنا للوردة علم مضاف، فيما علمنا بعقلنا هو عين التعقل.

أليس العاقل هو العقل هنا أيضا؟

نعم بطبيعة الحال، لأن العقل هو الذي يعقل، يعقل ذاته في موضوعنا الذي نحن فيه، فيكون إسم فاعل بكل بساطة، أي هو عاقل بلا شك.

وفي ضوء كل هذا، هل يمكن أن نقول أننا بين يدي ظاهرة إتحاد العاقل والمعقول والعقل.

أين هو الإتحاد ما دام العاقل هو هو المعقول وهو هو العقل، ما دام العالمِ هو هو المعلوم وهو هو هو العلم؟ اسم الفاعل والمفعول والمصدر واحد... واحد.

إن كلمة الاتحاد هنا تضطرب، ولا تعبر تماما عن الحاصل فعلا، لسنا أمام ثلاث حقائق، ثلاث ظوهر، ثلاث موجودات، إنما نحن بين يدي موجود واحد منكشف بنفسه لنفسه، فما هي الحاجة لهذا الاتحاد المزعوم.

نحن بين يدي وجود واحد يتجلى في ثلاث مفاهيم، أو يتخارج في ثلاث مفاهيم، أو نحن بين يدي موجود واحد يشكل مرتعا لانتزاعات ثلاث، يسمى أحدها العقل، وثانيها المعقول، ورابعها العاقل.

أكثر من هذا وذاك، أن حضور العقل لدى العقل هو عين التعقل، عين الوعي، عين الفهم، عين العلم، هناك محض إدراك، فإدرا ك العقل للعقل هو محض إدراك.

يذكرنا هذا الطرح ببعض ما تطرحه بعض الفرق الإسلامية عن العلاقة بين الله وصفاته، فهؤلاء يرون أن صفات الله عين ذاته، أي لا توجد ذات وصفة، إنما هناك ذات هي عين صفاتها، ليس ذات تعلم بعلم، بل هي عين العلم، عين الإرادة، عين القدرة!

فهل صدفة أن يسمي بعضهم الله عقلا؟ بل يسمونه رأس العقلاء؟ وهل هناك عملية قياس مخدومة سلفا؟ فهم يقولون أن الله يعقل ذاته بذاته، وإن تعقله لذاته عملية ذاتية صرفة.

هل هي محاولة تماهي بين الله والعقل؟

ولكن لماذا نذهب بعيدا، وهم يقولون أن ذلك ليس من شأن العقل الإنساني وحده، بل هو من شان كل عقل، كل مجرد، فكل مجرد حاضر في نفسه لنفسه.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا...

إذا كان العقل الإنساني يعقل نفسه، وإذا كان تعقله لنفسه هو عين التعقل، و إذا كانت هناك صرف وحدة بين العقل والعاقل والمعقول ــ وليس إتحاد كما اتصور حسب منطقهم ــ فلم يعرف العقل نفسه تعريفات مختلفة؟

يقول العقل عن العقل إنه جوهر نوارني مفارق..

يقول العقل عن العقل إنه قوة مهئياة لا ستقبال الضروريات.

يقول العقل عن العقل أنه استعداد، مجرد أستعداد للتعقل..

يقول العقل عن العقل إنه ملكة..

يقزل العقل عن العقل إنه تلك المبادئ المفطرية ألاولى...

يقول العقل عن العقل إنه موجود في الرأس...

يقول العقل عن العقل إنه موجود في القلب.

يقول العقل عن العقل إنه ذات الدماغ.

يقول العقل عن العقل إنه قوة من قوى النفس.

يقول العقل عن العقل إنه... إنه...

أين الصواب؟

ولماذا هذا الاضطراب الكبير ما دام العقل يعقل ذاته بلا واسطة، بل تعقله لذاته هو عين التعقل؟

لست أدري...

غدا نفصل في تعريفات العقل، و نصيحتي للقاري الكريم أن يصبر، ولا يحكم بجرة قلم، وما أكثرهم في عالم اليوم، وما أتعسه من عالم اليوم!

 

 

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/9/178813.htm

 

العقل... إشكالية التعريف

GMT 15:15:00 2006 السبت 23 سبتمبر

غالب حسن الشابندر

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

 

موضوعة العقل 5

 

أهدي هذه الحلقة للشاب الكريم زاهر مشكور، لقد جهدتَ أن تكون معنى وليس شيئا، وكان ذلك، ولزوجتك الكريمة التي جهدتْ ان تكون حقيقة وليس ظلا، وكان ذلك ، اسأل الله أن يقر بكما عيون الفقراء والمساكين والمعدمين، لأني اعلم انكما تحبان الفقراء والمساكين والمعدمين، اللهم أمين.

 

العقل... إشكالية التعريف / 1

ما هو العقل؟

لا نريد هنا تسطير كما من التعاريف، فهذه العملية سهلة يسيرة، يمكن مراجعتها في بطون الكتب، ويمكن حفظها عن ظهر قلب، ولكن نبغي هنا تسليط الضوء على مبررات أهم التعاريف ، ونسبر بعض خفاياها، ونكتشف علاقتها بمجمل ظروف نشأتها وصيروتها.

هناك كم هائل من المحاولات التي بُذلت من قبل العقل لتعريف العقل ، يغلب على بعضها الطابع الفلسفي، وبالفعل كثيرا يُنسَب مثل هذه التعريف للحكماء، أي الفلاسفة، وهناك التعريف الذي يغلب عليه الطابع الاجتماعي العرفي، وهناك التعريف الذي سيق من أجل غاية مسبقة، وهناك التعريف المتأثر بالجانب المعرفي، أي تغلب عليه الناحية الابستمولجية، تلك التعاريف التي تعرِّف العقل بمنظومات فكرية ومنطقية فطرية أولية مثلا.

ولا ننسى هناك التعريفات التي لا تنتمي إلى طينة فلسفية، هناك تعريفات علماء النفس والإجتماع والاناسي ( الانثروبوجي ) والألسنيات، وهناك التعريف الذي قد يدلي به علماء المخ البشري، والتعريف الذي يطرحه المتصوفة، وأصحاب السلوك الاستبطاني، والقائمة تطول.

التعامل مع التعريف بلغة بريئة ليس موقفا سليما، لا توجد حيادية في التعريف في مثل هذه الميادين، فإن أي تعريف للعقل ليس صنيع عقل صاف، فليس هناك عقل بريئ، وأقصد في ذلك، لا يوجد عقل يعرِّف بطريقة خالصة، بل يعرِّف ـ والتعريف نشاط عقلي معرفي على كل حال ــ وهو مشوب، مختلط، مزيج، فإن هذا العقل ومنذ اللحظات الأولى التي يأتي بها الإنسان إلى هذه الدنيا ــ وهي أول كارثة يتلقاها الإنسان في حياته ، فالوجود محنة مؤذية ــ يتلقى سيلا هائلا،من المدرَكات، تيارا مذهلا من الصور عبر حواسه، ومنذ اللحظة الأولى يبدا عقله ــ بواسطة هذه الصور والمدرَكات ــ يعمل وينشط ، وكل هذا الوافد يؤثر على عمل العقل، ويطبعه باكثر من طابع، ويلونه باكثر من لون، ويدمغه بأكثر من هوية.

هل يستطيع (الفاربي ) الإدعاء بأن تعريفه للعقل غير متأثر بكونه فيلسوفا، شارحا لأرسطو، غارقا في بحر هذا الفيلسوف إلى حد الغرق؟

هل يستطيع ( الغزالي ) في تعريفه للعقل أن يتنكر لأثر تجربته الصوفية، بل وحتى لأثار ومستحقات كونه عالم أخلاق، يطرح صراحة ( القلب ) كسبيل وحيد لإدراك الحقيقة الخالدة؟

هل يستطيع ( النظام ) أن ينكر أن تعريفه للعقل متأثر بنزعته الكلامية المسبقة، تلك النزعة التي تدافع عن ثابت عقدي في عميق روحه وضميره؟

هل يستطيع ( باسكال ) أن ينكر أن تعريفه للعقل بعيدا عن تجربته مع الألم، ذلك الألم الذي كان يقض مضاجعه، يعصف برأسه عصف الريح العاتية بالاشجار البريئة؟

هل يستطيع (وليم جيمس ) أن ينكر تعريفه للعقل بمنأى عن تعلقه المهيب بمبدا الإرادة، إرادة الإعتقاد، وكونها سر تفرد الإنسان، وسر قوته، وسر نجاحه؟

هل يستطيع ألذين يعرفون العقل اليوم بانه لم يعد مجموعة من القواعد المنطقية الأرسطية بهدف التصنيف والنويع وأنما مجموعة من القواعد والمبادي التي تؤطر التجربة وتفعلها في صلب الواقع والفكر... هل يستطيع هؤلاء أن ينكروا أثر الانتصارات الهائلة للتجربة في صياغة مثل هذا التعريف للعقل؟

من الصعب ذاك...

وإذا كان، فمن جهل أ ومكابرة...

ومن منجزات الفكر الحديث البحث عن جذور الموقف المعرفي في أعماق الذات، وأعماق اللاشعور، وأعماق البنى الاجتماعية، و أعماق الموروث، و أعماق الانتماء الديني، و أعماق التاريخ الشخصي، وأعماق التاريخ النوعي. ومن منجزات الفكر الحديث المراجعة التاريخية للمفهوم، وتتبع مسيرته عبر تقلباته التي طالما تكون حادة، عاصفة، مثيرة، بل وحتى مخيفة، لما تحمل من إنقلاب على البداية في كثير من الأحيان، وإلا هل نتصور أن مفهوم ( المثالية ) في فلسفة فلاطون تعني الواقع الحي، الواقع بكل إمتلائه بنفسه ، فيما تعني لدى باركلي كون ( العالم ) مجرد إدراكنا له ليس إلاّ؟ كم هو الفارق بين الدلالتين؟

العقل يعرَّف العقل ليس بصرفه، تلك خرافة في تصوري، إنما العقل يعرِّف العقل بمضمونه، بتاريخه، بثقافته، ببحره الزاخر من الفكر والرؤى والتصورات والتجارب، أنه تعريف مشوب، رغما عن العقل نفسه.

لنكون أكثر صراحة، أني أعرِّف عقلي بعقلي، هي محاولة ممكنة، بل محاولة جارية، ولكن بعقلي المكتسب، وليس بعقلي الهيولي، أي بمادته الأولى ، عقلي بعد التجربة، فأن عقلي منذ اللحظة الأولى يصاب بالشوب، يتلبس بالجديد، تنهال عليه ثقافة المحيط. حتى الاستبطان ليس بريئا، أي استبطان هو مشوب، لان داخلي الذي أستبطنه هو ليس داخلا أجوف، ليس داخلا صافيا، ليس داخلا بريئا، هو داخل في داخل في داخل، إلى ما لا نهاية.

هل نقول أن ( تعقل العقل للعقل خرافة )؟

علما أن الخرافة المطروحة هنا ليس لها علاقة بصحة التعريف أ و بطلان التعريف، بل لها علاقة جوهرية بمفهوم الإمكان ليس إلاّ، كما هو واضح من طبيعة السؤال بعد ربطه بموضوعة.

نعم ولا..

( نعم ) إذا تصورنا ذلك على نحو الخلوص، على نحو البرائة المطلقة، و (لا ) إذا تصورنا ذلك على نحو الشوب، على نحو الاختلاط، فليس هناك تعقل خالص، حتى على صعيد حضور العقل لدى العقل ذاته، فالعقل لا يعمل بمادة ذاته، مادته التكوينية الانطولوجية الوجودية ، بل يعمل بكمالاته، وكمالاته هي مخزونه، من الفطريات والكسبيات معا.

هنا يطيب لي ان أنقل هذا النص مباشرة عن كتاب الأسفار لملا صدرا الشيرازي ( ومنها ـ قوى النفس ـ العقل، ويقال على أنحاء كثيرة، منها : الشيء الذي يقول به الجمهور في الإنسان أنه عاقل، وهو العلم بمصالح الأمور ومنافعها، وحسن أفعالها وقبحها. والثاني : العقل الذي يردده المتكلمون فيقول المعتزلة منهم به، كقولهم : هذا يوجبه العقل ونيفيه العقل. والثالث : ما ذكره الفلاسفة في كتب البرهان. والرابع : ما يذكر في كتب الأخلاق المسمَّى بالعقل العملي. والخامس العقل الذي يُذكر في كتاب النفس في أحوال الناطقة ودرجاتها. والسادس : العقل الذي يُذكر في العلم الإلهي وما بعد الطبيعة ) / الجزء الثالث ص 560 طبعة بيروت /. ويقول في مكان أخر ( إعلم : يطلقون أسم العقل تارة على هذه القوة، وثالثة على إدراكات هذه القوة، وأما الإدراكات فهو التصورات أو التصديقات الحاصلة للنفس، بحسب الفطرة، وا لحاصلة لها بالإكتساب، أو يخصون أسم العقل بما يحصل بالاكتساب ) ص 478. وهذا جون لوك يطلق كلمة العقل ويريد بها أ حيانا ا لمبادي الصحيحة و الواضحة، و أحيانا العلة وعلى وجه الخصوص العلة الغائية، وملكة الفهم التي يتميز بها البشر عن باقي المخلوقات، على وجه أخص الحيوانات.

لا أريد هنا أن استعرض التعريفات، فهذا ما ساقوم به تفصيلا في الحلقات المقبلة أن شاء الله، ولكن أردت فقط أن أبين أن ليس هناك تعريف خالص، وإن حضور ( العقل للعقل ) حتى إذا كان ممكنا، فهو حضور مشوب، ومن هنا جاءت فوضى التعريف، تلك الفوضى التي تذكرني بعالم ( الحرافيش )، حرافيش محفوظ التي هي على قرابة روحية بعالم ( مئة عام من الوحدة ). وما أحلى الوحدة في عالم اليوم.

 

 

 

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/9/178813.htm

 

 

العقل... إشكالية التعريف / 2

GMT 17:30:00 2006 الأربعاء 27 سبتمبر

غالب حسن الشابندر

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

موضوعة العقل 6

 

 

يشن الفلاسفة حملة شعوى على علماء الكلام على صعيد تعريفهم للعقل، يصف الفلاسفة التعريف الكلامي للعقل بأنه خطابي، وقد جسد لنا الفارابي هذه الحملة في كلمات حادة مشحونة بالغضب، فهو يقول (أما العقل الذي يردده المتكلمون على ألسنتهم، فيقولون في الشي: هذا مما يوجبه العقل،أو ينفيه العقل، أ و يقبله العقل،أو لا يقبله العقل، فإ نما يعنون به المشهور في بادي الرأي عند الجميع، فإن بادي الرأي المشترك عند الجميع أو الأكثر يسمونه العقل، وأ نت تتبين ذلك متى استقريت شيئا شيئا مما يتخاطبون به أو مما يكتبونه في كتبهم، ويستعملون فيه هذه اللظفة) ــ مقالة في تعريف العقل ص 40 ــ وقد حذا حذوه الفلاسفة الآخرون، فهذا مثلا الملا صدرا يردد نفس التهمة، أي كونهم جدليين، خطابيين، لا يعرفون العقل كقوة نظر، وطاقة تفكير، وجهاز تحليل وتركيب، وإنما ينطلقون في التعريف مما وقر في الأذهان العامة، وتحول إلى جزء من ثقافتهم الدينية والعقلية، من دون تحصيل سا بق، ولا برهان لاحق.!

فالعقل ليس هو تلك القوة القدسية التي تهيئ الإنسان لقبول المعارف، ليس هو تلك الغريزة التي منحها الله للنفس البشرية كي تفكر وتحلل وتسنتج، بل هو منظومة المعلومات المشتركة التي توارثها المسلمون في العقيدة أصلا.

وفي الحقيقة أن علم الكلام علم منحاز إذا صح التعبير، هو علم دفاعي، هناك ثوابت مسبقة يجب الحفاظ عليها حية حارة في ضمير المسلم، التوحيد ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعجا ز القرآن وصدق التنبؤات وغيرها مما يتصل بالدين الإسلامي ككل، ولكن رغم ذلك لا يعني إنه علم خطابي كلية، خاصة بالنسبة للمعتزلة الذين طعموا فكرهم بشي واضح من الفلسفة، وليس الأن محل الإفاضة في الموضوع.

علم الكلام علم مُقاد، مُساق، هناك عقل متسلط عليه، عقل يقوده، يصممه إلى حد كبير، ويعجبني هنا أن أنقل ما قاله الإمام الغزا لي في هذه النقطة با لذات في كتابه الصغير الكبير (المنقذ من الضلال) حيث يقول (ثم أني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته،وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي إنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أ هل البدعة... ولقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله فاحسنوا الذب عن السنة والنضال عن العقيدة ا لمتلقاة بالقبول من النبوة والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة، ولكنهم إعتمدوا في ذلك مقدمات تسلموها من خصومهم، وأضطرهم إلى تسليمها: إما التقليد، أو إجماع الامة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا، فلم يكن الكلام في حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا، نعم لما نشات صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوق المتكلمون إلى محاولة ا لذب عن السنة، بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم لم يبلغ كلا مهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة في اختلا فات ا لخلق) ــ المصدر ص 92، 93، تحقيق جميل صليبا، طبع دار الأندلس ــ

لقد نقلت هذا النص الطويل لأقول أن العقل الكلامي مُقَاد، مساق، تبعي، مصمم من الخارج، محكوم بغاية مسبقة، ومحكوم بتراث مسبق، وحتى استعانته ببعض الأليات الفلسفية فقد كان دون المستوى المطلوب، لان غايته الأساسية قد أحكمت أنظمته الاستدلالية مسبقا. ومن الطبيعي أن علما كهذا قد لا يطرح تعريفا للعقل يتسم بالجدة والأصالة، ويتسم بالعمق والمسؤولية الفكرية ذات المنحى الإستقلالي الأصيل.

إذن لم يكن حكم الفارابي على العقل الكلامي في تعريف العقل نابعا من فراغ، بل نابع من حقائق على الأرض، حتى بالنسبة للمعتزلة، تبقى محاولاتهم دون طموح الفلاسفة، وبهذا يقول الباحث المصري المعروف عاطف العراقي (إن هذا الإتجاه كان اساسا إتجاها كلاميا جدليا، لا يرقى إلى مستوى البرهان، أن بضاعتهم التي يقدمونها لنا برغم إمتيازها ودقتها هي بضاعة الجدل، والجدل محكوم بوقته وظروفه إلى حد كبير...) ـ ثورة العقل في الفلسفة العربية ص 19 ط 5 ــ

فهذا الباحث الكبير يمني على المعتزلة الذين هم أقرب من غيرهم من الفرق الكلامية للذوق الفلسفي بأنهم جدليون، أي حسب ما قدمه له لنا الدكتور عاطف العراقي أنهم مُساقين إلى غاية محددة سلفا، تلك هي الدفاع عن ثوابت دينية إسلامية قرآنية، ولم يكن مسعاهم العمل على تأسيس فكر عقدي متأصل، لم يخضع لقررات مسبقة.

إن الفارابي في هجومه على المتكلمين في تعريفهم للعقل وضع في حسابه العقل البرهاني بالمعنى الأرسطي، وليس العقل الذي يقول به الجمهور بطبيعة الحال، ويدعي الفارابي أن ما سطره عن تعريف العقل لدى المتكلمين إنما جاء من استقراء لأقوالهم وكتبهم وفكرهم، فهو رأي مخدوم بشكل جيد، وفي هذا السياق يعيب الفارابي على هؤلاء المتكلمين بأنهم وقعوا فريسة التناقض الكبير... فهم يعرفون العقل بصيغة أرسطية برهانية، ولكنهم في خوضهم المعارك الفكرية يلجأون إلى الفكر المشترك، وبادي الرأي المشترك! الأمر الذي يكشف عن جوهر الفكر الكلامي بانه خطابي، مسبوق بقوة تقوده وتصممه، وتصيغ مسيرته. هذه القوة هي المتوارث العام من العقيدة الإسلامية بصرف النظر عن الخلافات العامة في التفاصيل، فالمحاولة الكلامية عقل محكوم بعقل سابق عليه.

 

وفي حلقات مقبلة ندرس تعريف الفلاسفة للعقل لنرى هل استطاعوا وضع التعريف الذي ينهي المشكلة، ويطل بنا على الحقيقة؟

 

 

Ketab_1@hotmail.com

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...