Jump to content
Baghdadee بغدادي
Sign in to follow this  
BahirJ

حول ما يسمى بـ"تقلُّب" العراقيين

Recommended Posts

حول ما يسمى بـ"تقلُّب" العراقيين

 

د. سليم علي الوردي

 

 

في أواخر أيلول 2003 بثت إذاعة لندن حلقة من برنامجها "نقطة حوار" تتعلق بالشأن العراقي. وانبرى أخ سعودي فوصف العراقيين بالتقلب وأنحى باللائمة عليهم، قائلاً: "العراقيون لا يعجبهم العجب.. كل يوم ينقلبون على حكامهم". لم يستوقفني توجيه تهمة إلى العراقيين، فقد أصبحوا بسبب ضبابية الأحداث مرمى للنبال من كل صوب وحدب، بيد أن، الذي حزّ في نفسي أن وصمة "تقلب العراقيين ونكثهم العهود" يعاد إنتاجها من وقت لآخر، وخاصة عندما يحمى وطيس الأحداث، والأنكى من ذلك أن العراقيين أنفسهم يتداولون هذه المقولة، حتى لتكاد تصبح ماركة مسجلة تلتصق بهم.

إني أرى في هذه المقولة وصمة خطيرة، تشف عن محتوى عرقي بغيض، وجدير بنا أن نتصدى لها، ليس على سبيل تفنيدها وحسب، بل والكشف عن خلفياتها، ومدى مصداقيتها.

دعونا بادئ ذي بدء، نستجلي مرتكزات هذه التهمة في العصور الحديثة ونقارن بين العراقيين والأمم الأخرى، ولنأخذ على سبيل المثال الأمة الفرنسية التي بدأت مشروعها السياسي المعاصر مع ثورة 14 تموز سنة 1789، ولغاية كومونة باريس سنة 1870. شهدت فرنسا خلال 81 سنة تسعة انقلابات في نظام الحكم. أما المشروع السياسي العراقي الذي ولد في 23 آب 1921، وانهار في 9 نيسان 2003، فلم يشهد خلال زهاء 82 سنة إلا خمسة انقلابات.

ولكن هل سمعتم أحدا وصف الفرنسيين بالتقلب؟ فلماذا يوصف به العراقيون.. أ لأن الفرنسيين أبناء الحرة، والعراقيين أبناء الأمة!؟

أما على مستوى الانقلابات المذهبية، فقد شهدت إنكلترا للسنوات 1534-1558 ثلاثة انقلابات من الكثلكة إلى الانغليكانية. بينما لم تفلح الأقوام التي تتابعت على احتلال العراق منذ سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 1258 وحتى الآن في تغيير النسيج المذهبي للمجتمع العراقي، فلا السنة تشيعوا في ظل الصفويين، ولا الشيعة تحولوا إلى المذهب السني في ظل العثمانيين.

إن جذور مقولة "تقلب العراقيين" تعود إلى العقدة التاريخية التي يعانيها الوجدان العراقي، المتعلقة بنكوث العراقيين بعهودهم للأمام الحسين "ع". لسنا هنا في معرض تناول واقعة الطف ومداخلاتها وتفاصيلها، فهذا شأن المؤرخين، ولكننا أمام عقدة تاريخية متجذرة في الوجدان العراقي. ومنذ واقعة الطف المأساوية والمجتمع العراقي يجلد نفسه بمازوخية، على سبيل تطهيرها من إثم تلك الخطيئة، ولكنها ما زالت تستغرق وجدانه على نحو قلَّ مثيله في تاريخ الشعوب، ويفسر كل المصائب والكوارث التي تعاقبت عليه، بوصفها لعنة تلاحقه، عقوبة له على ذلك الإثم، وظل الآخرون ولا يزالون يذكرونه به، وينكئون الجرح الذي لم يندمل.

يروي السيد علي البزركان، أنه كان في ضيافة الشريف حسين في مكة، عندما وصلته برقية من بعض رؤساء العراق يدعون ابنه فيصلا ليكون ملكا عليهم، فقال: "ولكني أخشى يا شيخ أن يعامل أهل العراق فيصلا كما عاملوا جده الحسين من قبل".

وقد أصر على إبقاء عائلة فيصل في الحجاز حتى غادره سنة 1924، وكان يردد: "أخشى منكم يا أهل العراق أن تفعلوا بعائلة الحسين "عائلته" مثلما فعلتم بعائلة الحسين من قبل".

وتشاء الأقدار أن تتحقق نبوءته فيقتل أحفاده على يد العراقيين في ثورة تموز 1958، لتكتمل حبكة رواية "تقلب العراقيين" كما اكتملت حبكة مسرحيتي شكسبير "ماكبث ويوليوس قيصر" بتحقق نبوءة الساحرات والعراف.

وتعقيباً على ذلك نود التنويه إلى أن المتتبع لسيرة مؤسسة الأشراف في الحجاز، اعتباراً من بداياتها سنة 969 وحتى نهايتها على يد ابن سعود سنة 1924، يقف على الكثير من التقلبات السياسية والمذهبية، إلى جانب الاقتتال ونكث العهود بين أبناء العمومة "الحسينيين والحسنيين"، بل وبين الحسنيين أنفسهم. فهل يصح أن نتهم مؤسسة الأشراف بالتقلب ونكث العهود؟

أن للسياسة أحكامها، وأحابيلها، وتقلباتها، ولا توجد النظرة المثالية لها إلا في العقول الساذجة، التي لا ترى من الألوان إلا الأسود والأبيض، ولا تحدونا الرغبة في دفع تهمة "التقلب" عنا إلى الآخرين، بل نريد رد التهمة البغيضة الموجهة بإصرار إلى العراقيين. فالأحداث والانقلابات والانعطافات في حياة الشعوب ينبغي أن لا تقيم إلا ضمن ظروفها وعواملها المتداخلة، ولا يصح الحكم على شعب أو أمة بدالّة حدث أو عامل واحد.

والغريب في الأمر أن الدكتور علي الوردي يشير هو أيضاً إلى تقلب العراقيين بوصفه أحد عوامل ثورة العشرين. أن تعاقب الأحداث بدءاً من دخول جيش الاحتلال البريطاني سنة 1914 إلى جنوب العراق، كما تناولها الدكتور علي الوردي تسوغ –بتقديرنا- استخلاص استنتاج معاكس:

 

1- أعلن العراقيون الجهاد في وجه الاحتلال البريطاني، وساندوا الجيش التركي، وكانت المراجع الشيعية على رأس المجاهدين، ولو كان العراقيون انتهازيين ومتقلبين كما يوصفون، أما كان الأجدر بالشيعة أن ينتهزوا الفرصة وينقلبوا على الأتراك المختلفين عنهم في المذهب، كما فعل غيرهم!

 

2- يروي الدكتور علي الوردي ان الإنكليز اختاروا من معتقل للأسرى في الهند 150 جندياً وضابطاً عراقياً، وسفّروهم إلى الحجاز لدعم ثورة الشريف حسين، ولكن أغلب الجنود العراقيين حين وصلوا إلى جدة لم يقتنعوا بالانضمام إلى جبهة الإنكليز "الكفار" وخذل الأتراك، ولم يلتحق بثورة الشريف حسين إلا ستة أسرى عراقيين فقط، وفضّل الآخرون حياة الأسر، وأعيدوا من جديد إلى الهند. (لمحات –الجزء السادس ص 201-203).

 

3- أن الدور الكبير الذي لعبه العامل الديني في ثورة العشرين يمثل امتداداً لمجاهدة الاحتلال البريطاني، وأن انصهر هذه المرة وبوضوح في البودقة الوطنية. فكيف نفسره بوصفه انقلاباً على الإنكليز بعد ترحيب بهم!

 

4- استمر الموقف المناوئ للاستعمار البريطاني إلى ما بعد الحكم الوطني، وتجلى ذلك في مقاطعة المرجعيات الدينية لانتخابات المجلس التأسيسي سنة 1922، الذي أريد منه المصادقة على معاهدة الانتداب، وقد نكل بالزعامات الدينية التي قادت تلك المقاطعة (لمحات –الجزء السادس ص 201-203).

 

5- أما ما يسمى بترحيب العراقيين بالاحتلال البريطاني، والاستشهاد بخطب وقصائد التزلف للمحتلين، فهو أمر لا ينفرد به العراقيون وتأريخ الأمم ملئ بصور مشابهة، وجدير بالذكر في هذا الصدد ما أبدته المس بيل من تعجب إزاء تقلب الزعامات العراقية والشعراء، بين الأتراك والإنكليز، فقال لها الملك فيصل الأول:

 

"لا بد لكم أن تدركوا أننا قد استعبدنا على مدى ستة قرون من الزمن. ولا بد للعبد أن يحمي نفسه بالحيلة والدهاء. أنه يضطر إلى إرضاء جميع الأطراف. حتى أنا أقوم بذلك أننا لم نتمتع بقرون من الحرية التي من شانها أن تعلّم المرء كيف يكون حراً".

 

أن هذه الإجابة لمؤسس الدولة العراقية تمثل –بتقديرنا- تفسيرا تاريخيا بليغا لسايكلوجية "التقلب" الذي يوصف به العراقيون، وهي في الوقت عينه رد على التهم المجانية التي توجهها إليهم اليوم، بعض الأوساط العربية، من دون روية أو فهم لحقائق الأمور.

وختاما نود أن نسترعي الانتباه إلى أن الترويج لمقولة "تقلب العراقيين" وتكريسها في وعيهم، أمر على مستوى من الخطورة. فأن من أخطر العقد النفسية، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات، هي النظرة الدونية إلى النفس. وإذا كانت النظرية العرقية التي تتبناها التيارات الشوفينية، يمكن دحضها وتفنيدها، فما بالك بنظرية عرقية من نوع جديد تقوم على نظرة دونية للمجتمع إلى نفسه، وكيف ننتظر من مجتمع أن ينهض ويتقدم، بينما تستغرقه مثل هذه العقدة؟

لا يدرك البعض أبعاد الوصمة حين يروّج لها، خاصة عندما يصورها، بوصفها لعنة أبدية مسلطة على العراقيين عقوبة لهم على نكثهم العهود، ألا يعني ذلك في حصيلته النهائية تبريرا للطغاة الذين توالوا على حكم العراقيين، بوصفهم أدوات لتنفيذ هذه اللعنة!

 

http://www.sotaliraq.com/articles-iraq/nieuws.php?id=39589

Share this post


Link to post
Share on other sites
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...